كريستوف غويلي: تصويت "الناس العاديين" سيحسم تلقائياً نتيجة انتخابات الرئاسة

خلال مظاهرة لـ"السترات الصفراء" في العاصمة الفرنسية باريس
خلال مظاهرة لـ"السترات الصفراء" في العاصمة الفرنسية باريس © أ ف ب

في هذه المقابلة مع صحيفة "لوفيغارو"، يقدم الجغرافي الفرنسي كريستوف غويلي رؤيته للانقسامات الاجتماعية التي تدور حولها الانتخابات الفرنسية القادمة ويلاحظ أن محور الشعب ضد النخبة لم يتمكن من الحلول محل محور اليسار ضد اليمين المتقادم.

إعلان

من هي "الأغلبية العادية" في فرنسا اليوم؟ القطاعات العازفة عن التصويت والمتشككة منذ عقود بالنموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تطرحه النخبة السياسية؟ ما هي ميول هذه الأغلبية سياسياً وما الذي يحركها انتخابياً؟ من الذي يمثلها في فرنسا في ظل "إعادة تشكل" سياسي عميقة؟

يتحدث غويلي منذ سنوات في كتاباته عن تمزق فرنسي، قطاعي جغرافي وثقافي، يطال الطبقات الشعبية ويضعها بشكل مستمر في حالة من الغليان القابل للانفجار والذي يظهر كل مدة على شكل احتجاج كبير لا تفيد الحلول التقنية في معالجته.

عناوين كتب كريستوف غويلي تقول الكثير عن هويته وطريقة تفكيره: "أطلس التمزقات الفرنسية" (2000). "أطلس التمزقات الاجتماعية الجديدة في فرنسا" (2004). "تمزقات فرنسية" (2010). "فرنسا الطرفية: كيف تمت التضحية بالطبقات الشعبية" (2014). "خسوف فرنسا التي فوق" (2016). "No Society. نهاية الطبقة الوسطى الغربية" (2018). "زمن الناس العاديين" (2020).

تعتبر الفئات الشعبية حاسمة في الانتخابات الرئاسية. كيف نحددها؟ حسب مستوى المعيشة، المهنة، الجغرافيا؟

الانتخابات الرئاسية هي الانتخابات الوحيدة التي لا تزال فيها هذه الفئات الأغلبية تصوت بكثافة. إذا ما ذهبت هذه الفئات إلى صناديق الاقتراع وانتخبت، فستحدد النتيجة النهائية ميكانيكياً. من الناحية الاجتماعية، نجد بينها غالبية السكان العاملين: العمال والموظفون والفلاحون، الذين يمكن أن نضيف إليهم صغار الحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص. في المتوسط​​، تشكل هذه الفئات فرنسا ذات الدخل المتواضع، أولئك الذين تقل دخولهم عن 2000 يورو (شهرياً). من الواضح أن هذه المجموعة الاجتماعية-الثقافية، التي أسميها "الأغلبية العادية"، والتي يسميها مُستطلع الرأي جيروم سانت ماري "الكتلة الشعبية"، موجودة بطبيعة الحال في جميع أنحاء البلاد. ولكن، نظراً للسيرورة القوية الجارية لتحديث المدن الكبرى، فإن هذه الفئات المتواضعة تتمثل تمثيلاً زائداً في المتوسط ​​في أطراف فرنسا، فرنسا المدن المتوسطة الحجم والبلدات الصغيرة والمناطق الريفية.

كثيراً ما يطلق على فرنسا هذه اسم "فرنسا المنسيين" أو "فرنسا المخفيين"، هل مازال هذا هو الحال؟

إنه ليس تعبيراً أستخدمه، وذلك لسبب وجيه وهو أنها لم تعد لا منسيّة ولا مخفيّة، بل على العكس. منذ عام 1992 على الأقل واستفتاء ماستريخت، أصبحت هذه الأغلبية العادية مرئية، بل مرئية للغاية. بالنظر إلى ما تمثله ديموغرافياً وثقافياً، يمكن حتى اعتبارها الفيل في المتجر الصيني. هذا الفيل ليس أكثر ولا أقل من الطبقة الوسطى الغربية القديمة، تلك التي كانت بالأمس تحتل موقعاً مركزياً في المجتمع والاقتصاد والتي أصبحت ضعيفة اليوم، بل حتى واهنة. على مدى عقدين من الزمن، تتحرك هذه الفئات وتعترض وتجعل نفسها مرئية. ويتجلى هذا الانبعاث بشكل خاص من خلال الاحتجاج متعدد الأوجه، الصامت أو الصاخب ("السترات الصفراء") الذي لا يمكن إيقافه. لماذا؟ لأنه لا يقتصر على قضية اجتماعية واحدة، بل يحمل بعداً وجودياً. فرنسا هذه ليست الهامش، بل المجتمع نفسه.

ينسب حزب "التجمع الوطني" هذا التصويت لنفسه، ولكن فقط منذ عام 2017. لكن حزب "التجمع الوطني" ينقصه أكثر من نصف ناخبي مارين لوبان في كل انتخابات. هل هذه علامة على عدم الانتماء الديمقراطي؟

هذه الحالة مثبتة منذ زمن. في الواقع، عندما لا تمتنع الفئات الشعبية عن التصويت، يذهب جزء كبير منها إلى "التجمع الوطني" ويتخلى خصوصاً وبشكل كبير عن الأحزاب الحكومية، أولئك الذين حملوا النموذج الاقتصادي والمجتمعي التي تعتبر نفسها خاسرة فيه. إنه ليس نبذاً للانتماء بقدر ما هو رد فعل على عدة عقود من التناوب على السلطة بين حزبين فقط، على الخيانة الديمقراطية (لنتذكر استفتاء عام 2005). هذا التمكين، الذي يوضح أنه في فرنسا كما هو الحال في جميع البلدان الغربية، يستخدم الناس العاديون دمى شعبوية ليقولوا "نحن موجودون"، يعني أنه لا يمكن لأي حزب، بما في ذلك الحزب الشعبوي، أن يدعي امتلاك أصواتهم.

إيمانويل ماكرون، رئيس الإصلاح، أصبح رئيس الضمانات مضافاً إليها عقيدة "مهما كانت التكلفة". هل غيّر هذا وجهة نظر فرنسا الطرفيّة تجاه الرئيس؟

باعتباره قادماً من البنية التقنية الفرنسية، استجاب إيمانويل ماكرون "تقنياً" لتحدي ليست أسبابه مادية في الأساس. لم تكن هذه الاستجابة بواسطة الـ"مهما كانت التكلفة" للأزمة الصحية الأولى من نوعها. نتذكر أن الاستجابة لأزمة "السترات الصفراء" قد مرت أيضاً عبر خانة "دفتر الشيكات". ولكن الأهم من ذلك هو أن الاستراتيجية تتعلق بسحق الأغلبية من خلال تذريرها. وكانت مشهدية "النقاش الكبير" تهدف إلى تحويل احتجاج تؤيده غالبية الرأي العام إلى مطالب مقسمة فئوياً. كما هو الحال في الشركات الاستشارية أو وكالات الإعلان، نقوم بالتقسيم والتفريق بين أنواع معينة من المناطق، ونخاطب فئات معينة من السكان، لكننا لا نمارس "السياسة"، ولا نتعامل مع الجوهر.

أيضاً: عن طبقات فرنسا الشعبية: من نموذج للاندماج إلى "كمية مهملة من البؤس"

يتلخص هذا المجتمع المنبثق، الذي سيكون أفقه الوحيد هو الاستهلاك، في تجاور بين القبائل، بين الأقليات، إنه الحلم النهائي لأصحاب المتاجر في السوق المعولم. في هذا النموذج يختفي السياسي، والأغلبية تختفي أيضاً، يمكن للمدير الخيّر أن يدخل إلى المشهد. في أرض الـ"نعم - نعم" الماكرونية هذه، لا وجود لفرنسا الطرفية أو الكتلة الشعبية أو الأغلبية العادية. النقاش الحقيقي، الذي يشكك في أهمية النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي لا يكون مجتمعاً، يمكن أن يتلاشى.

لكن إذا كان لهذه الإدارة التكنوقراطية أن تفيد في كسب الوقت، فإنها لن تحل أي مشكلة أساسية. ليس الناس بلهاء. لذلك لم يتم حل أي قضية جوهرية ؛ تستمر التفاوتات الاجتماعية والإقليمية في الاتساع، وتبقى القوة الشرائية منخفضة، وتتضاعف التوترات، ويستمر الجريان... في الاتجاه المعاكس.

ما هو الدور الذي تلعبه الهجرة في القلق الذي ينتاب الفئات الشعبية؟

فيما يتعلق بهذا الموضوع، لا يوجد شيء جديد حقاً. يمكننا القول أنه منذ الثمانينيات، يبدو التشخيص المجتمعي ثابتاً. خلال أربعين عاماً، ثبتت التمزقات والمواقف والنقاشات الزائفة. لذا، دعونا نكرر الأمور مرة أخرى، إن الانقسام حول قضية الهجرة لا يقيم تعارضاً بين "البيض الصغار" الساخطين (تعبير متعالي ابتكرته واستخدمته البرجوازية وحدها) وبين التقدميين المتسامحين بالطبع. هذا الانقسام يقيم تعارضاً بين "الصغار"، ودعونا نحدد: البيض الصغار والسود الصغار والآسيويون الصغار واليهود الصغار والمسلمون الصغار، وبين "الكبار"، أي من يملكون الوسائل لاختيار مكان السكن والمدرسة. بالنسبة لهؤلاء "الصغار"، من جميع الأصول، وبغض النظر عن المناطق (على المرء فقط ملاحظة أهمية هذه الموضوعات في أقاليم ما وراء البحار)، فإن مسألة الهجرة وانعدام الأمن الثقافي هي حقيقة يومية.

في إعادة التشكيل السياسية الحالية، يصف البعض الانقسام بأنه انقسام بين الشعب والنخبة، والبعض الآخر يصف وضعاً أرخبيلياً، والبعض الآخر يتحدث عن التوفيق بين الطبقات. كيف تحلل إعادة التشكل؟

يُظهر إعادة تشكيل كتلة أغلبية ومتماسكة أننا لسنا في مجتمع سائل مفتت يسكنه أفراد مستهلكون مذعورون ومصابون بجنون العظمة كما وعدنا أنصار سيادة السوق الذين روجت لهم هوليوود. إذا كان يبدو أن بعض السياسيين قد بنوا للأسف خطابهم من خلال استهداف الفئات الإثنية الثقافية، فإن هذه الاستعارات من نيتفليكس لتكوين الخطاب لا تتوافق مع الواقع. عذراً، ولكن نهاية التاريخ لم تقع! إذا كانت التمزقات الاجتماعية والجغرافية والثقافية حقيقية للغاية، فلا تزال هناك قاعدة أغلبية، ومجتمع صلب. وبنفس الطريقة، فإننا مخطئون أيضاً عندما نختصر الأزمة إلى انقسام بين الشعب والنخبة.

إن معارضة النخب، الأغنياء، الذين يشكلون 1٪ أو 0.1٪، تتبدى في أغلب الأحيان عن كونها موقفاً فقط. السؤال المركزي هو: ما الذي يجعل نموذجاً لا يخدم الأغلبية العادية ممكناً؟ لا تهيمن الطبقة المهيمنة بمفردها، فهي لا تترافق فقط مع بنية تقنية فعالة فحسب، بل تصاحبها أيضاً مجموعة سوسيولوجية واسعة تتكون من الطبقات العليا وكتائب من المتقاعدين. هذه الكتلة البرجوازية والهرمة، تشكل 20٪ أو 25٪، هي التي تضمن نجاة النموذج، كتلة مخلصة يمكن لإيمانويل ماكرون الاعتماد عليها (على الأقل) للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

"السترات الصفراء"، الحركة المناهضة للشهادة الصحية، المسيرة من أجل المناخ، هذه التعبيرات الاجتماعية الجديدة يبدو أنها لم تعد تهتم بالاستحقاقات الانتخابية، ما الذي يقوله هذا عن الأزمة الديمقراطية؟

إن المأزق الديمقراطي لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى غليان دائم يغذي حركة الاحتجاج متعددة الأوجه. هذه الآلية التي يستخدمها الناس العاديون ليست مدفوعة من طرف أي حزب، أو نقابة، أو استحقاق انتخابي، ولكن من خلال أسباب مادية وغير مادية، وهذا هو السبب في أنها تعيد تكوين نفسها وابتكار نفسها باستمرار. غالباً ما يقام التعارض بين قضية "نهاية الشهر" وقضية "نهاية العالم"، البطن والروح. ولكننا نخطئ. في القرن الحادي والعشرين، أصبح للحركة الاجتماعية الآن بُعد وجودي، وبالتالي فإن ينابيع الاحتجاج مزدوجة: نهاية الشهر ونهاية العالم. إذا لم يتم تمثيل هذه الآلية الأغلبية أو تم تمثيلها بشكل سيئ من قبل الهيئات الوسيطة، فهذا لا يعني أنها أقل قوة، وهذا ما أسميه "القوة الناعمة" للطبقات الشعبية. إن هذه القوة الناعمة هي التي تفرض الموضوعات في الحملة الانتخابية الحالية، مثل إعادة التصنيع أو وقف سياسات التنظيم الجغرافي المديني أو تنظيم تدفقات الهجرة والتي تفضل النخب الحاكمة عدم معالجتها.

خسر اليسار الشعب أكثر من أي حزب آخر. هل هذا أمر لا يمكن علاجه؟

إن قصة "اليسار بدون الناس" هي قصة قديمة (كان هذا عنوان كتاب لإريك كونان من عام 2004!)، والأسباب معروفة، مثل التحول الليبرالي الحاد، وعدم الاستجابة في مسألة تدفقات الهجرة، لكننا كثيراً ما ننسى كذلك أن اليمين أيضاً خسر الشعب لنفس الأسباب تقريباً. صُممت الأحزاب التقليدية لتمثيل طبقة وسطى أغلبية ومنخرطة في محور يسار/يمين، وهذه الأحزاب لا تمثل بعد الآن سوى ورثة نموذج قديم، المتقاعدين بالنسبة لليمين والموظفين العموميين بالنسبة لليسار. إن ارتفاع مستوى عدم الثقة واللامبالاة الآن تجاه الأحزاب التقليدية يقول لنا إن هناك طلاقاً مستديماً، طلاق يفسر إعادة التشكل السياسي التي نشهدها اليوم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم