وداعاً وداد علم الدين!

وداد علم الدين
وداد علم الدين © مونت كارلو الدولية

هي من الوجوه المشرقة التي أطلت من راديو مونت كارلو على المستمعين في العالم العربي قبل خمسين عاماً وشكلت، إلى جانب أسماء كبرى من زميلات وزملاء السبعينيات، البنية الأساس لبرامج الإذاعة منذ انطلاقها عام 1972.

إعلان

وداد علم الدين قبل كل شيء امرأة حرّة، لبنانية من بعقلين وفرنسية من "نوجان" في ضواحي باريس حيث المنزل الموطن الذي عاشت فيه وأحبته وشهد ولادة ابنتها وابنها وأقواس قزح مواهبها الفنية وطاقتها الإيجابية. وهي صاحبة القرار في كل مسارات حياتها، ملتزمة، وقفت الى جانب القضايا العادلة ولا سيما المساواة بين الرجل والمرأة.

من برامجها في راديو مونت كارلو إعداداً وتقديماً "أفراح"، "أليس في بلاد العجائب"، "دندنة"، "سمر باريس"، "ساعة صفا"، "أبو طربوش"...وغيرها الكثير. وقد تميّزت بالحوارات الفنية والثقافية ونقل أجواء الحفلات الفنية في العاصمة الفرنسية والمهرجانات العربية وكذلك مشاركة المستمعين مناسباتهم السعيدة في برنامج "أفراح" الذي لاقي إقبالاً جماهيرياً واسعاً تشهد له الاتصالات التلفونية ورسائل المشاركين البريدية العديدة من كافة البلدان العربية، فكل شيء إيجابي في الحياة كان هنا مدعاةً للفرح.

حب المعرفة والشغف الفني

جمعت وداد علم الدين خلال دراستها الأكاديمية بين حب المعرفة والشغف الفني. فبعد بكالوريوس العلوم في علم الأحياء من الجامعة الأمريكية في بيروت وماجستير في البيولوجيا الجزيئية من جامعة ميشيغان ـ آن أربور في الولايات المتحدة الأمريكية، اختارت وداد علم الدين فصلاً دراسياً في قسم الفنون الجميلة في آن أربور قبل أن تنتقل للعيش في باريس حيث درست الفنون الجميلة لمدة عامين في محترف "شابلان ميدي" بالإضافة الى دورات في فنون الليتوغرافيا والسيراميك. ولا بد من التنويه عن دورات كانت قد تلقتها لدى الرسام اللبناني الشهير عمر الأنسي، وعن حبها للمسرح الذي مارسته دراسةً وتمثيلاً وتأسيساً في باريس.   

بعد سنوات من تقديم البرامج في راديو مونت كارلو قررت وداد علم الدين منتصف التسعينيات الانتقال الى قسم الأخبار حيث قدمت نشرات الأخبار لسنوات قبل أن تصبح نائبة لرئيس التحرير. وفي عام 2001 قررت مغادرة العمل الإذاعي والعودة الى شغفها الأول، الفن التشكيلي، مستكملة لمدة سنتين دراسةً كانت قد بدأتها سابقاً. ومنذ ذلك الوقت مارست الرسم وأقامت العديد من المعارض الفنية الفردية والجماعية، وبالإمكان التعرف على أعمالها الفنية على موقعها الخاص:

wadad-alameddine.com

حزن كبير امتزج بذكريات الزمالة الحلوة عبّر عنه زميلات وزملاء الأمس بعبارات الأسى والمحبة والتعازي المتبادلة تاركين العنان للذكريات الحلوة كلاماً، كما لزم البعض الصمت الحزين المؤثر والبعض الآخر عبّر بكلمات أرسلها لنا أو تركها على شبكات التواصل الاجتماعي.

من أرشيف مجدي غنيم، في الصورة من اليسار إلى اليمين: وداد علم الدين، مجدي غنيم، سلمى الشمّاع، أنطوان بارود
من أرشيف مجدي غنيم، في الصورة من اليسار إلى اليمين: وداد علم الدين، مجدي غنيم، سلمى الشمّاع، أنطوان بارود © مونت كارلو الدولية

مجدي غنيم، الذي كان أحد مذيعي برامج مونت كارلو منذ البداية في إمارة موناكو قبل انتقالها الى باريس عام 1975 ومسؤولا سابقا لبرامج مونت كارلو، شاركنا شريط الذكريات بصورة بالأسود والأبيض من أرشيفه وعبّر عن حزنه بكلمات علي فيسبوك:" كم أنا حزين! لا أستطيع أن أصدق غياب صديقة وزميلة تشاركتُ معها الميكروفون لسنوات عديدة! كانت وداد ذات ثقافة عالية وصاحبة مهارات مهنية كبرى".

مرسيل خليفة: هل الحياة سريعة إلى هذا الحد؟

فور إعلان كابي لطيف على صفحة برنامجها على الفيسبوك عن وفاة وداد علم الدين انهالت رسائل الحزن والتعازي والذكريات، أولها من الفنان والموسيقي اللبناني الكبير مرسيل خليفة:

"أول لقاء إذاعي بعد صدور الاسطوانة الأولى كان رفقة وداد علم الدين في راديو مونت كارلو بمدينة باريس

وكان للبداية بداية لحظة عاصفة في أسفار

وعود من العاصفة 

أبوح كصبي يتدرّج في اكتشاف الخطوة الأولى ولم أكن أعرف أن ما كان بي خوفاً من المجهول، أو طريقة بدائية في الاعتراف

ووداد طيبة مرحة يغمرها كرم فائض في الوداعة تسألني:

من أولعكَ بالأوزان، وأنت من الصِغَرْ في ريعان؟ -

لعلّ الغناء زفّ لي القصيدة!  -

والابتعاد عن الوطن قسراً يصيبك بنزق عاطفي أكبر من اعوامك العشرين ووالدي نديم لنفسه في ضيعتي البعيدة يقيم في الأعالي ويسمع على الهواء ويسلطن على أنغام العود ويتنهد من تعب المسافة. ثمّ يرتاح موج السؤال وتتابع وداد برنامجها المباشر الذي يغطي ارجاء المشرق والمغرب العربي لتبحث عن الأمان من تعب السفر وسؤالها بمداد الروح مبلّل.  

سيدة متوجّة في مملكة الأثير تهزمها الوحشة حيث أقامت في منطقة خيالية بين الصوت والصمت متدثرة بما احتطبت من أعواد التجربة ومؤجلة سؤالها عن سرّه.

ليس في المدى البحريّ زورق للنجاة من طوفانه حين يشطّط، ويُرغي. لكنَّها تصغي إلى موجه عبر الأثير كي تتقيه حين يغضب.

على باب المدينة يمر الذاهبون إلى حصتهم في الدنيا، يضحكون أو يعبسون، أو يتخذون الحياد في التعبير

وراديو مونت كارلو يبث حنينه الى صوتها الدافئ..

هل الحياة سريعة إلى هذا الحد؟!

وداد علم الدين شكراً لك".

"ماذا تفعل هذه الأيام يا فائق"؟

الممثل الإيمائي اللبناني فائق حميصي عمل مذيعاً في راديو مونت كارلو لسنتين تحت اسم "فواز"، يتذكر على صفحة الفيسبوك الخاصة به:

"ذات يوم من سنة 1976، وفي باريس وانا أسير في أحد الشوارع أفكر في كيفية تدبر مسألة تأمين ثمن لوقعة طعام اليوم بعد أن صرفت اخر ما لدي على بطاقة المترو لأؤمن تنقلي الى الجامعة، أنظر في الأرض، سمعت من يناديني نظرت فإذا بوداد علم الدين، اللبنانية المذيعة في راديو مونت كارلو والتي شاركتُ وإياها في مسرحية لفرقة مونتراي في مسرحية "أيام الزعتر". "ماذا تفعل هذه الأيام يا فائق؟". اجبتها: "أفتش عن وسيلة تؤمن لي وقعة طعام اليوم"، فانفجرت ضاحكة وقد ظنتني امازحها، ثم قالت: "هذه مسألة بسيطة، أدعوك لتناول الفطور، انا أقصد هل لا زلت تسجل دعايات في شركة "أكتيس". "يبدو أن لا دعايات باللغة العربية تُطلب منهم، حظي سيء" اجبت بصوت مخنوق، "أترغب بالعمل في راديو مونت كارلو؟" سألتني ولا زالت تبتسم، نظرت إليها مستغرباً وأضافت "إذا كنت مهتماً، اذهب الآن، هم بحاجة لمذيع فقرات". قلت: "أذهب الآن؟"، قالت: "بالتأكيد"، حينها قلت ممازحا: "والفطور؟"، ضحكت وقالت:" انتظرني في الإذاعة.. انا متأكدة انهم سيوافقون عليك". وهكذا كان وباشرت العمل في اليوم التالي. وداد علم الدين والمخرج الراحل جان جيران، زوجها فيما بعد ارقدا بسلام. شكراً لكل ما قدمتماه لي في الأيام السوداء."

كابي لطيف: مع وداد، كانت الصداقة صامتة، حاضرة بالأفعال وليس بالكلمات

"علم من أعلام إذاعة مونت كارلو منذ التأسيس واكبت الجمهور وقدمت العديد من البرامج الثقافية والسياسية. الزميلة الراقية ابتعدت عن الميكروفون في نقطة تحوٌل لتتفرغ للفن التشكيلي."

هذا ما كتبته كابي لطيف عن وداد علم الدين على صفحة برنامجها في إذاعة مونت كارلو الدولية قبل أن تضيف: "عندما يرحل أحد عناقيد المهنة التي نزاولها منذ عقود، ينتابنا شعور بأن جزءا منا أقتلع من روحنا، جسدنا، عقلنا، قلبنا وحياتنا. ولا عجب، فخلال عقود جمعتنا اذاعة مونت كارلو بزملاء وزميلات قدر لنا أن نتآخى معهم يومياً وفي مفاصل مهمة من مسيرتنا. 

وداد، واحدة من هؤلاء الاخوة والاخوات. ولكل اخ او أخت مكانة مختلفة في القلب. ترتكز على العلاقة التي ننسجها سوياً. مع وداد، كانت الصداقة صامتة حاضرة بالأفعال وليس بالكلمات. نحن من بلد واحد، وقصة مشتركة في الوطن والغربة، ومن دولة الشغف بالعمل الإعلامي ومن مدرسة الأصالة في الاحترام والتبادل. لكن ما ميز علاقتنا هو ذلك التواطؤ الجميل في الكثير من المواقف والعطاء غير المشروط في التعامل مع الاحداث المستجدة. 

لدى وصولي باريس والتحاقي بالإذاعة كانت وداد صاحبة النظرات الدافئة التي تغمرني باستيعابها للمرحلة الصعبة التي اعيشها. لم تنظر الي كمنافسة في المهنة بل كشخص تائه جاء من ظلمات الحرب الى واحة السلام ليبدأ صفحة جديدة من حياته. 

هي سبقتني الى الغربة ومرت بمراحلها الشائكة ثم سلفتني محبة وثقة عندما أهدت لي مكانها في مهرجان جرش في الاردن بعد انتقالها الى قسم الاخبار، وفي هذه المهنة نادراً ما يحصل هذا. 

في رحيلك وداد، أدركت مجدداً ان الأحبة انتقص عددهم على هذه الأرض، وان رحيلك هزّ أعماقي لأنك جزء جميل من حياتي."

كمال طربيه: وداد علم الدين رفيقة الميكروفون في الزمن الجميل.

كمال طربيه، رئيس التحرير السابق في مونت كارلو الدولية تذكّر سنوات الزمالة في الثمانينات:

"تختلط برأسي الذكريات وانا أفكر بوداد علم الدين ولا أجد من بينها ما يشد اهتمام الجميع. قامة ممشوقة بشعر اسود كالليل وبشرة سمراء تكتنز سحر الشرق، كل ذلك دفعني ربما لأن أسمها "أسمهان" والطريف أنها لم تحاول الاستفسار واكتفت كل مرة بهزة رأس وابتسامة.

كنا في شهر فبراير من العام 1981 استوقفتني امام استوديو الإذاعة وكان مقرها في شارع ريمون بوانكاريه في الدائرة 16 بباريس وفاجأتني قائلة " باعتبار أنك لا تملك سيارة فهديتي لك ول كلود في عرسكما سيارتي تستخدمانها " لشم الهوا" طوال المدة التي ترغبان، وهذه البادرة من وداد لا من اسمهان. السيارة كانت من نوع رينو 5 استخدمتها لأكثر من اسبوع فيما كانت صاحبتها تستخدم المواصلات العامة في التنقل.

كانت حريصة على النطق السليم رغم ان الوصل الإذاعي بين الفقرات كان يعتمد في الغالب على اللهجة العامية اللبنانية او المصرية او السورية حيث كانت مصرة على تنبيهنا بان اسمها هو وَداد بفتح الواو وليس بكسرها.

صوت وداد على غرار الزميلات والزملاء كان يحل ضيفا على جميع البيوت، وفي السبعينات والثمانينات كانت كل اقطار المشرق العربي تنام وتصحو على أثير راديو مونتي كارلو.

وداد علم الدين يا صديقة الزمن الجميل ورفيقة الميكروفون في عصره الذهبي وداعا.."

واتفقنا على حبك يا أم العيون السود!

منى غندور، المذيعة السابقة في إذاعة مونت كارلو تحدثت لوداد على صفحتها في كلمات أخيرة:

"وداعا وداد علم الدين 💔

ترحل معك ذكريات زمن من الزمالة والصداقة في إذاعة مونت كارلو، سلمي على حكمت وعلى غسان... 

منذ علمت برحيلك

لا تفارقني صورتك 

عيناك تعيدني إلى صباحات القهوة الرديئة نشتريها من آلة كانت أحاديثنا وضحكاتنا نحن قبيلة راديو مونت كارلو...

...أنا مدينة لكم بأجمل سنوات عمري المرة الوحيدة التي تزوجت فيها زواجا لا فكاك منه كان مع إذاعة مونت كارلو من بعده عدت إلى حياة الصعلكة أطاوع قلبي في كل ما يهوى

أردت أن أخبركم زملائي وزميلاتي في تلك الجنة المفقودة أنه مهما باعد بيننا الزمن وفرقتنا الجغرافيا أنتم في القلب لا تهاجرون

رحيل وداد دفعني إلى البوح كي لا أرحل دون أن أقول لكم أحبكم وأحبكن كنا وطنا حين عزت علينا الأوطان.

وداد رحيلك صحّا المواجع في قلوبنا واتفقنا على حبك يا أم العيون السود"

أما ماجدة واصف، مسؤولة قسم السينما في معهد العالم العربي سابقاً علقت على صفحة فيسبوك الزميلة منى غندور: "حزن كبير جدا لفقدك يا وداد، لم أكن اعرف عندما قضيت معك يوماً كاملاً في منزلك في "نوجان" أنها المرة الأخيرة أراك فيها. استعدنا معا ذكريات الزمن الجميل وتواعدنا على لقاءات اخري، ولكنها للأسف لم تتحقق. سلاما لروحك الجميلة وعزائي لعائلتك وجميع اصدقائك".

"صوت دافئ عايشناه عمراً من الود والتقدير"

كما عبّر مستمعون عن حزنهم لوفاة الزميلة وداد علم الدين في رسائل كثيرة هذا بعض منها:

سمير بيتموني: رحمة الله على روحك السيدة وداد علم الدين... كم كنتي تجعلين الحياة جميلة أكثر تلك الأيام

هيام إبراهيم: صوتها هي وحكمت وهيام ومرقص وانطوان وغيرهم، وذكريات الصبا والشباب

غيلان ناصر: كنا نسمع الاخبار من خلال صوتها في العراق كانت مونتكارلو النافذة الوحدة للأخبار في العالم تلك الفترة

وداد سعيد: وداد، شو كنت بحب اسمعها لأنها على اسمي، ومرة بعثت لي صورتها حبيتها أكتر … كتير راقية وعيونها فيها ضحكة، زمن عم يمر احلى ذكريات

علي بن محمد الرباعي: صوت دافئ عايشناه عمراً من الود والتقدير

مريم الجمعة: تبقى أصواتهم وبرامجهم في شريط ذكريات أحلى الأيام طالما رافقتنا في سيارتنا القديمة ما بين الطرقات والشوارع الفرنسية! 📻🎙

فلم يكن مستغرَباَ أن يصادفَ تاريخُ دفنها في اليوم العالمي لحقوق النساء في الثامن من آذار هذا العام في أجواء حزن وحب، دمع وكلام، زهور وموسيقى وحزن.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم