سلافوي جيجك: القوة وليس النزعة السلمية هي الحل الوحيد ضد بوتين في أوكرانيا

رجل يمشي أمام ملصق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسمه كريس سلمانيس من لاتفيا أمام السفارة الروسية في العاصمة الرومانية بوخارست
رجل يمشي أمام ملصق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسمه كريس سلمانيس من لاتفيا أمام السفارة الروسية في العاصمة الرومانية بوخارست © أسوشيتد برس

لا يخفي سلافوي جيجك في هذا اللقاء الجديد رأيه الصريح حول الحرب في أوكرانيا وراء أي اعتبارات فلسفية عميقة متطلبة لفهم أوسع ومتخذة مسافة منها. يقول جيجك علناً إن من الواجب، عند هذا الحد من الصراع، هزيمة بوتين، وبالقوة وحدها.

إعلان

في نص سابق في الصالون الفلسفي، دار جيجك دورة كبيرة عابراً بين الاستشهادات الروائية والتحليلات الفلسفية حول الحرية المجردة والحرية الملموسة، وتحدث كما هي العادة عن هيغل وسارتر وغيرهما. الآن، في هذا اللقاء التلفوني القصير مع صحيفة La Repubblica الإيطالية في 22 نيسان/أبريل 2022، يبدو الفيلسوف أكثر ارتياحاً في تقديم إجابات قاطعة: لا للنزعة السلمية، مرحباً بالقوة!

لا تعجب آراء جيجك اليساريين على العموم، وحتى حين يؤيد بعضهم موقفاً له هنا أو هناك، يعود في قضية أخرى مشابهة ليناقضه ويسخر منه. هكذا مثلاً، وحول تحفظه تجاه الانتفاضة السورية، خيّب جيجك آمال يساريين ليبراليين في الغرب بينما حظي بسمعة حسنة لدى يساريين تقليديين في الشرق. واليوم برأيه الواضح حول ضرورة انتصار أوكرانيا، يعكس الآية فيطوبه اليسار الغربي بطلاً مدافعاً عن الحرية بينما يرى إليه شيوعيون عرب مجرد "ماركسي أوروبي يناقش مشاكل العالم الثالث ويجب نقده".

ومن الوارد أن يساهم انتشار هذا اللقاء بزيادة الحنق على جيجك بعد أن كان نجماً في الأوساط اليسارية العربية، التي ربما لا تعرف إنه كان داعماً وبـ"قوة" للعملية العسكرية الفرنسية البريطانية التي أطاحت بالقذافي وسخر بعبارات مقذعة من اليساريين الرافضين لها. كما أن هذه الأوساط ربما لا تعرف أن رأي جيجك لم يكن واضحاً كذلك في رفض الغزو الأمريكي للعراق، بل كان أقرب إلى مزاج صديقه الصحفي البريطاني كريستوفر هيتشنز الداعم المطلق للحرب والذي أخبر جيجك بأن الحزب الشيوعي العراقي دخل ولأول مرة منذ عقود في الحكومة تحت وصاية بول بريمر.

بقوله إن "السلام ليس خياراً في الحرب الأوكرانية" وبأن إيقاف بوتين يحتاج "إلى شيء واحد فقط هو القوة"، يبتعد جيجك نهائياً عن جماعة "لا هذا ولا ذاك" وجماعة "الموضوع أعقد من ذلك بكثير" والجماعة العاشقة للتعمق التاريخي والباحثة ضمنياً عن مبررات لحرب بوتين في أوكرانيا، هذا عدا طبعاً عن الجماعة المعادية للإمبريالية بشكل أعمى والتي لا يكن لها جيجك احتراماً كبيراً.


بروفيسور جيجك، بادئ ذي بدء ما رأيك بالحرب في أوكرانيا؟

هل سمعت بتلك الفضيحة التي اندلعت في إيطاليا عندما ألغت جامعة ميلانو بيكوكا حصة قدمها كاتب عن دوستويفسكي؟ حسناً، كان هناك الكثير من الاحتجاجات المحقة، كان من السخف فرض رقابة على مؤلف "الجريمة والعقاب" لأن بوتين قام بغزو أوكرانيا. لكن دوستويفسكي جسّد لفترة طويلة رؤية حول روسيا روحية ومتفوقة، معارضة للغرب المادي: أسطورة روسيا آسيوية عليها أن تتدخل دائماً لإنقاذ أوروبا، مرة من نابليون وأخرى من هتلر، دون الحصول من أوروبا على الامتنان الذي تستحقه.

وما علاقة بوتين بذلك؟

علاقته أن بوتين يحمل نفس الرؤية الغاضبة والمحبطة من الغرب.

لكن، هل يروق لك الرئيس الأوكراني زيلينسكي؟

نعم، لكني كنت سأستخدم شعاراً آخر لو كنت في مكانه. يقول زيلينسكي: "نحن من يدافع عن أوروبا". أما أنا فكنت لأقول: "نحن الأوكرانيين نقاتل من أجل حرية روسيا". لأنه إذا انتصرت أوكرانيا، فربما يمكننا التخلص من بوتين، وإلا فإن ديكتاتوريته ستتعزز.

في إيطاليا، وباسم النزعة السلمية، هناك من يقول: "لا مع بوتين ولا مع زيلينسكي".

السلام ليس خياراً في هذا الصراع. الطريقة الوحيدة لمقاومة بوتين هي القوة. يقول الغزاة دائماً إنهم يريدون السلام، لأنه السبيل للتغلب على الضحايا. هتلر أيضاً أعلن إنه يريد السلام في فرنسا التي يحتلها النازيون.

قبل بضع سنوات قال بوتين إن نموذج الديمقراطية الليبرالية آخذ في الانحدار. هل توافق على ذلك؟

بطريقة ما، كان على حق. بطبيعة الحال يقول بوتين هذا ليطالب بالاعتراف باستبداده كنموذج منتصر. ومع ذلك، فإن السخط الذي يشعر به كثيرون في العالم الصناعي حقيقي وهو يشير إلى أن شيئاً ما يجب تغييره في الديمقراطيات الليبرالية.

تغيير ماذا بالضبط؟

باستخدام بعض المبالغة، يمكن أن أقول إن من الواجب القيام بخطوات كما في "شيوعية الحرب"، أي الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذها لينين بعد الثورة البلشفية. ليس لإقامة الشيوعية بالطبع، ولكن لإعادة هيكلة الديمقراطية، التي تحتاج إلى المزيد من الجانب الاجتماعي، والمزيد من التخطيط، والمزيد من التعاون الدولي، والمزيد من الجهود العالمية لمعالجة مشاكل مثل الصحة وتغير المناخ والهجرة.

برنامج واسع...

ولهذا السبب توجد السياسة. لنأخذ إيطاليا. أنا لست ضد ماريو دراغي. لكنه يمثل نوعاً من الشعبوية التقنية التي يجب أن تجعل الجميع يتفقون: في الواقع، هو على رأس تحالف يضم جميع الأحزاب تقريباً. كما لو أن الجواب الوحيد الممكن اليوم هو أن يضع المرء نفسه فوق السياسة. بينما أعتقد أن السياسة يجب أن تقدم إجابات لمشاكل المجتمع".

يجادل بعض علماء السياسة بأن الصراع الأيديولوجي القديم بين اليمين واليسار قد انتهى وحل محله التحدي بين القومية والعولمة.

أنا غير موافق. بالطبع، أنا لست ضد العولمة في حد ذاتها، لكن المليارديرات الكبار مثل جيف بيزوس محتكرون يتحكمون في كل شيء أيضاً. هناك شيء غير ديمقراطي في ذلك. ولهذا السبب يتمرد الناس. إلا أن الشعبوية على غرار دونالد ترامب هي تمرد كاذب.

هل تخشى عودة ترامب إلى البيت الأبيض؟

ترامب هو ثمرة ناخبين محبطين. عليك التحدث إلى هذا النوع من الناس. ويحصل أولئك الذين يفعلون ذلك أحياناً على نتائج غير متوقعة، مثل المرشح اليساري الفرنسي ميلانشون، الذي حصل على 20 في المائة في الانتخابات الرئاسية. أرى مثل السناتور الأمريكي بيرني ساندرز إنه يجب ألا نخاف من الذهاب بعيداً إلى اليسار خشية من خسارة ناخبي الوسط، يجب أن نفوز بالناخبين اليمينيين، ناخبي ترامب، الشعبويين المحبطين.

ما هي الدروس التي قدمها لنا الوباء؟

في مواجهة مشكلة تهدد الكوكب بأسره، أعاد الناس اكتشاف أهمية الدولة والهياكل العالمية. المبادرة الخاصة شيء جميل، لكن بدون الدولة فإنها لا تعود بالنفع على الجميع. لقد ذكرنا الوباء بذلك. يجب أن ينطبق الشيء نفسه على مكافحة تغير المناخ.

هل تعتبر تغير المناخ أكبر مشكلة عالمية؟

على المدى الطويل، نعم.

وعلى المدى القصير؟

لدينا أزمة واحدة كل سنة. الأزمة الاقتصادية العالمية. الوباء. الحرب في أوكرانيا. ربما غداً الحرب بين الصين وتايوان. يبدو العالم وقد انتابه فرسان أربعة ليوم القيامة: الطاعون، الحرب، الجوع، الموت.

وحول هؤلاء الفرسان القاتمين هل أنت متفائل أم متشائم؟

التشاؤم هو أفضل طريقة للحفاظ على قليل من التفاؤل. إذا كنت متفائلاً والأمور سيئة، تفقد كل إيمان بالمستقبل. أما إذا كنت متشائماً وسارت الأمور على ما يرام، فسيكون لديك بصيص من الأمل.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم