أونفري يشعل الجدل: "يساريون وشيوعيون فرنسيون يعادون السامية بحجة معاداة الصهيونية"

الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري
الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري © أ ف ب

في عمود نُشر في 30 تموز/يوليو 2022 في صحيفة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية، اعتبر الفيلسوف ميشال أونفري أن لبعض الشيوعيين وبعض كوادر حركة "فرنسا العصية" اليسارية دوراً في ظهور معاداة السامية مجدداً في فرنسا. اتهام خطير تسبب بطبيعة الحال بموجة من الجدل والانتقاد في أوساط اليساريين الذي شكلوا تحالفاً برلمانياً بعد الانتخابات التشريعية.

إعلان

وقال أونفري أن جزءاً من اليسار يتبنى اليوم "المرحلة الثالثة من معاداة السامية بصيغة معاداة الصهيونية"، وأن تاريخ اليساريين والشيوعيين الفرنسيين غير مشرّف تماماً فيما يتعلق بكراهية اليهود والتعاون مع النازيين.

رد القيادي في "فرنسا العصية" والنائب عنها في البرلمان مانويل بومبار معتبراً مقال أونفري "صادماً للغاية" و"خارج السياق" من وجهة نظر التاريخ. وأضاف "بالنسبة لبقية النص، لا توجد معاداة للسامية داخل فرنسا العصية. يمكن بالطبع أن يكون هناك اعتراض على سياسة دولة إسرائيل، وهذا مسموح، وضروري وأعتقد أنه شرعي. لكننا بالطبع نكافح ضد نشر وإذاعة الأفكار المعادية للسامية التي لا تطاق".

النائب الآخر عن الحركة لوي بويار هاجم أنفري واعتبره "لا يطاق". وتابع "معاداة السامية ليست كلمة يمكن استخدامها على هذا النحو باستخفاف (...) عندما نطرح هذه الأسئلة، نطرحها لأننا مهتمون بمسألة حقوق الإنسان وليس لأن لدينا أي مشكلة معينة مع دين ما. وهنا أقول إنه يجب أن يكون حريصاً فيما يقوله لأن معاداة السامية كلمة محملة بتاريخ ثقيل".

في منتصف شهر تموز/يوليو 2022، وقع حوالي أربعون نائباً يسارياً، معظمهم من الشيوعيين، على مشروع قانون يدين ما سمّوه "نظام الفصل العنصري المؤسسي" من قبل إسرائيل ضد الفلسطينيين.

قدم النص الشيوعي جان بول لوكوك ووقعه بين عديدين آخرين المرشح الرئاسي السابق وسكرتير الحزب الشيوعي فابيان روسيل، وكذلك من قبل نواب شهيرين من "فرنسا العصية" بينهم أدريان كاتناس، ومن الحزب الاشتراكي بينهم كريستين بير-بون، أو من الحزب البيئي كأورليان تاشي وصابرينا سبايهي.

في وقت سابق، أثارت النائبة عن فرنسا العصية" ورئيسة الكتلة اليسارية في البرلمان ماتيلد بانو الغضب بعد أن وصفت من على منبر البرلمان رئيسة الوزراء إليزابيت بورن بـ"الناجية"، حيث تمت إعادة تسميتها على رأس الحكومة عقب الانتخابات، وهو وصف رأى فيه البعض إشارة معادية للسامية تحيل إلى والدها الذي تم ترحيله إلى معسكرات الاعتقال النازية. دافعت بانو عن نفسها على الفور ضد القول بأن كلامها يتضمن أي إشارة إلى تاريخ عائلة رئيسة الوزراء.

ووجد معلقون كثر على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، بينهم أونفري نفسه، إن حركة "فرنسا العصية" قد تبنت استراتيجية "استمالة الصوت المسلم" والتي تضمنت تخفيف الكلام عن العلمانية والدفاع عن المسلمين ضد اضطهاد مؤسسي مفترض وزيادة حدة انتقاد إسرائيل. استمات قائد الحركة جان لوك ميلانشون خلال شهور في الدفاع عن خط الحركة ودحض كل هذه الاتهامات.

وحتى يتمكن القارئ من معرفة ما قاله ميشال أونفري بالضبط، هنا ترجمة كاملة لنصه الذي نشرته "جورنال دو ديمانش" بعنوان "الكنيس يحترق بينما نتلهّى بالنظر إلى مكان آخر":


كانت خدمة الإعلام التابعة لرئيس الجمهورية قد أعلنت إن ماكرون سيلقي بمناسبة إحياء ذكرى حملة اعتقالات اليهود في فال ديف "خطاباً هجومياً" في مدينة بيتيفييه. وكما يمكن للمرء أن يتوقع، لم يكن لذلك أي أثر فيما بعد حيث أن معاداة السامية حاضرة بالفعل، ولكن لدى إريك زيمور، وهو اليهودي علاوة على ذلك، أو في أوساط "يمين متطرف" متخيل يمكن للمرء أن يفكر عن ماهيته فعلاً حين يقرأ أشخاصاً من برازيّاك Brasillach أو روباتيه Rebatet أو ديا Déat أو دوريو Doriot. كانت كلمة السر تقول "الكنيس يحترق، لكن دعونا ننظر في مكان آخر".

ومع ذلك، فقد دخلنا الحقبة الثالثة من معاداة السامية: بعد صيغتها المسيحية المعادية لليهود التي تستدعي "قتل اليهود"، ثم صيغتها المناهضة للرأسمالية التي يجمع عليها، مع استثناءات نادرة، اشتراكيو القرن التاسع عشر الذين ماهوا، وبينهم ماركس وإنجلز، بين اليهود من جهة ورأس المال والنقود الواجب التخلص منها من جهة، فقد حان الآن الوقت لصيغتها المعادية للصهيونية التي تسمح ليسار معاد للسامية أن يستدعي كراهية شعب إسرائيل منذ عام 1948 من خلال التذرع باستعمار وبجرائم ضد الإنسانية وبنظام فصل عنصري. تأتي معاداة الصهيونية هذه من يسار إسلامي ينكر أنصاره وجودها، رغم أنها من فعلهم، لأن إنكار الهولوكوست هو أفضل طريقة لرفض النقاش: نحن لا نناقش ما هو غير موجود!

طرح عدد من "النواب" [خطّها أونفري ساخراً بواسطة الكتابة غير المتحيزة جنسياً] بمن فيهم فابيان روسيل، زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي، "مشروع قانون يدين إضفاء إسرائيل لطابع مؤسسي على نظام الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني". قدم هذا النص النائب الشيوعي جان بول لوكوك، وهو بالمناسبة نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان! ووقع عليه 38 برلمانياً من المجموعات اليسارية الأربع.

لذلك، قام نواب من الحزب الشيوعي الفرنسي وحركة "فرنسا العصيّة" والحزب الاشتراكي والخضر بالتوقيع على نص يستحضر بوقاحة "هيمنة مجموعة عرقية" على "مجموعة عرقية أخرى من البشر". الفاشيون في الثلاثينيات، أي اليمين المتطرف الحقيقي، كان ليحب أن تجري بهذه الطريقة معارضة العرق اليهودي للعرق الفلسطيني بغية اضطهاد الأول والاحتفاء بشكل أفضل بالثاني! وكان إدوار درومون Édouard Drumont صاحب "فرنسا اليهودية" ليصفّق بكلتا يديه. وسأحيل في كلامي إلى هذا الجانب من نهر الراين فقط...

لماذا يجد الحزب الشيوعي الفرنسي نفسه في طليعة هذا النوع من القتال المعادي للسامية؟ وتبدو "فرنسا العصية" كرفيقة له في السلاح؟ بسبب أسطورة الغولو-شيوعية التي تبيّن أنها قوام ما هو غير معلن في السياسة الفرنسية وذلك على الرغم من أنها كانت تشكل محور هذه السياسة منذ فترة ما بعد الحرب. ينسى هذا اليسار، المستعجل للغاية في استحضار التاريخ، ما كان عليه حقاً لمصلحة أسطورة احتفظ بها بذكاء أولئك الذين ضمنوا هيمنة الغرامشية منذ فترة ما بعد الحرب التي طبعها ديغول. لأنه خلال السنوات المظلمة [سنوات الاحتلال النازي الخمس لفرنسا]، دعم العديد من الاشتراكيين أو الشيوعيين الذين عرفوا الحرب العالمية الأولى [الماريشال] بيتان، أو حتى تعاونوا مع النازيين تدفعهم في ذلك النزعة السلمية.

لم يكن الديغوليون الأوائل الذين غادروا إلى لندن بعد خطاب 18 حزيران/يونيو 1940 من الشيوعيين لأن الحزب الشيوعي الفرنسي كان داعماً في ذلك الوقت للاتفاق الألماني السوفيتي الذي كان حتى 22 حزيران/يونيو 1941 يدعو إلى التعاون مع المحتل النازي بحجة أن الماركسيين-اللينينيين والقوميين-الاشتراكيين يتشاركون الأعداء ذاتهم: المدينة [في لندن حيث تجري العلميات المالية والتجارية]، الديغوليون، حكم الأثرياء، الولايات المتحدة، الرأسمالية و… اليهود. لذلك فإن الحزب الشيوعي الفرنسي تعاون مع النازي.

لقد دخلنا المرحلة الثالثة من معاداة السامية

كدليل على ذلك، وفي عدد صحيفة "لومانيتيه" في 4 تموز/يوليو 1940، يمكننا قراءة التالي: "عمال فرنسيون وجنود ألمان، من المريح بشكل خاص، في أوقات المحنة هذه، رؤية عديد من الباريسيين يتحدثون بشكل ودي مع الجنود الألمان سواء في الشارع أو في الحانة الصغيرة في الحي. أحسنتم أيها الرفاق، استمروا، حتى لو لم يرض ذلك بعض البرجوازيين الذين هم أغبياء بقدر ما هم أشرار...". البرجوازيون الأغبياء والأشراء، إليكم مثالاً عن نغمة صغيرة معاصرة للغاية.

كان ديغول هو من خلق هذه الأسطورة عن فرنسا الغولو-شيوعية المقاومة. تسمح له هذه السيرة البطولية بجمع الفرنسيين معاً في وقت أصبح فيه أكثر انقساماً من أي وقت مضى. إن كان عليه فعلاً، وهو الذي كان يتمتع بشرعية المقاومة، أن يحاسب المثقفين والصحفيين والكتاب والقضاة والشرطة والجيش والأكاديميين والمصرفيين، وكذلك أبارتشيك الحزب الشيوعي الفرنسي، وآخرين كثيرين جعلوا الاحتلال ممكناً، لكانت فرنسا أن تصبح غير قابلة للحكم بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكننا لم نعد في ذلك الزمن.

وبما أننا في لحظة يستدعي فيها الجميع التاريخ، فليكن، لنستدعيه: لنضع جانباً إيديولوجيي البلاط ولنفكك هذه الأسطورة التي تسمح لـ"اليسار" بالاعتقاد بأنه يجسد بانتظام معسكر الخير والأخلاق والفضيلة، بما في ذلك عندما يزين معاداته للسامية بمعاداة الصهيونية التي تبناها بالفعل مفتي القدس والذي كانت يتوق بشدة لانتصار الرايخ الثالث.

سيكون هناك بالفعل الكثير مما يمكن قوله عن الصورة الشاملة الإنسان اليساري: من "الإنسان المتجدد" بفعل محكمة روبيسبيير الثورية ومقاصله في عام 1793 إلى "الإنسان المُفكَك" الذي تتحدث عنه ساندرين روسو [نائبة عن الخضر في التحالف اليساري تتميز بتصريحات غريبة ومثيرة للجدل] ؛ من الاستعمار الذي احتفل به جول فيري باسم مبادئ ثورة 1789 وأرسل الجنود الفرنسيين إلى الجزائر، إلى الأيديولوجية نفسها المدعومة بالمقصلة التي تم تفعيلها خلال الحرب الجزائرية من قبل وزير الداخلية المنتمي إلى "الفرع الفرنسي للأممية العمالية" وكان اسمه فرانسوا ميتران ؛ من كراهية المثليين جنسياً ومنع الحمل والإجهاض الذي روج له الحزب الشيوعي الفرنسي في الخمسينيات من القرن الماضي إلى تسليع الجسم البشري المدعوم اليوم من قبل يسار معين.

كلمة أخيرة في النهاية: خلال وجودي في تل أبيب، حيث استضافني أحد الأصدقاء في منطقة يافا، استيقظت في الصباح الأول على نداء المؤذن الذي صدح من أعلى مئذنة أحد المساجد الأربعة التي تحتويها المدينة. إنه فعلاً نظام فصل عنصري فريد من نوعه ذلك الذي يستطيع فيه "العرق الفلسطيني" أن يصلي إلى ربّه في أمان كامل!

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم