أركون حول رشدي: "المفهوم الغربي لحقوق الإنسان يعزز سوء التفاهم مع الإسلام"

محمد أركون وسلمان رشدي
محمد أركون وسلمان رشدي © أ ف ب

في شهر آذار/مارس 1989، وبينما كانت مجموعة من الكتاب العرب يحضرون بياناً، دخل التاريخ منذ ذلك الحين، يخاطر بالدفاع دون لعثمة عن الكاتب البريطاني سلمان رشدي ضد فتوى عالمية بقتله أصدرها الخميني، كان المفكر الجزائري محمد أركون يدلي بحديث إلى الصحافة الفرنسية حول موقفه من القضية الملتهبة ويقدم قراءته لكل قضية الإسلام والغرب والتعليم الديني واللاهوت.

إعلان

لا يعتقد أركون أن من حق الكاتب أن يقول ما يريد حين يتعلق الأمر بـ"المقدس". ولأن حدود "المقدس" وهوية حراسه مطاطة وقابلة للتغير الشديد، فإن رشدي، بالنسبة لأركون، طائش ارتكب حماقة لا تغتفر حين تعرّض، ولو بالتلميح الخيالي والأدبي، إلى ما لا خلاف ظاهراً حوله لناحية القداسة: شخص الرسول، الذي يقدسه المسلمون ويفرضون احترامه، إذاً، على الجميع.

في هذا اللقاء الذي جرى في 15 آذار/مارس من ذلك العام، قال أركون "لا" لسلمان رشدي، ليس فقط لأن هذا الأخير استخدم رموزاً وشخوصاً تتعلق بهوية جماعة وبأحداث مفتاحية في تاريخها الإسلامي، بل لأنه تجرأ كذلك على "النبي الذي هو نموذج للوجود الإنساني". وباعتبار أن "الوظيفة النبوية تتقاطع مع جميع اللاهوتيات المشتقة من الوحي"، فإن على اليهود والمسيحيين أيضاً، في عرف أركون، أن يغضبوا وربما يتفهموا ردود الفعل ضد رشدي.

لا يناقش أركون البعد الأدبي في العمل، الذي هو رواية في المقام الأول، ولا يطرح على نفسه أسئلة حول الناحية الفنية وارتباطها بالحالة الحضارية العامة (معدودون على الأصابع من حملوا مشقة هذا الجهد)، بل يصعد بكتاب رشدي عالياً ليدرجه في إطار العلاقة الشائكة بين الإسلام والغرب ويجنده بيدقاً في معركة ما يسميه "سوء التفاهم" بين العالمين الممتد على مساحة قرون من التاريخ.

روائي بريطاني كتب رواية خيالية ويتعرض بسببها لفتوى أممية إسلامية بالقتل من أي أحد على الإطلاق (قُتل مترجمون للرواية ولم يكن التهديد كامناً ومعنوياً كما قد يشير البعض) أسرت حياته تماماً حتى تمكن شخص بعد 33 عاماً من طعنه. لكن أركون، يريد من الغرب أن يسمع "صوت الإسلام كما يعبر عن نفسه".

وقبل أن يتورط أحد في تأويل كلام أركون معتقداً أنه دعوة لتفهم قرع السيوف وسل الخناجر وإطلاق فتاوى إهدار الدم باعتبارها "ثقافة"، يوضح المفكر بأن المقصود هو طريق التطور الثقافي التي لا يجب أن تكون إجبارية بل يمكن أن تكون مختلفة عن طريق التنوير الأوروبي. لكن ماذا يعني ذلك على أية حال وما علاقته بسلمان رشدي؟

باعتبار أننا في سنة 1989 وأن تأثير ما يسمى بنظريات ما بعد الاستعمار والنسبوية الثقافية المهووسة بتحليل الخطاب في أوج رواجها وعلى الموضة، حين كان لا يزال ينظر إلى الإسلاموية الشيعية المقاتلة في إيران باعتبارها "روحانية" إسلامية ثورية، فإن من الطبيعي أن يغرف أركون من قاموسها ويدفع بمصطلحات "الهيمنة" و"تصدير الحضارة" و"الخطاب الاستعماري" الكافية وحدها، في ذلك الحين، ليس فقط لوسم أي/كل شيء بأنه استعماري ومهيمن، بل كذلك لإشعار المحتجين على قتلهم بالذنب وتصويرهم بالنسبة لذواتهم كأدوات غير واعية في استراتيجية (نيو)استعمارية خفية.

السخط الذي انفجر في الغرب اعتراضاً على دعوة شيخ إيراني مسلمي العالم أجمع إلى قتل كاتب بريطاني بسبب روايته مرفوض من قبل أركون. ولكن ليس لأن الأخير يدعم الشيخ، طبعاً، بل لأن مرجعية السخط تحتكر ادعاء العلمية والفكر بينما هي "في الواقع" ترتكز على مصادرة استعمارية تدعي تفوقاً ثقافياً على الآخر. الفكر الغربي، ونموذجه في تلك اللحظة ممثلاً بسلمان رشدي المحكوم بالإعدام، هو المدان بدل أن يكون الضحية، هو السبب في أنه سيُقتل بدل أن يتم تعيين الفاعل الحقيقي وإدانته وردعه ودحض ثقافته المسوغة لأشكال القتل الاعتباطي الأكثر ترويعاً.

يظهر الفكر الغربي بالنسبة لأركون "غير قادر على التطور خارج نماذج تاريخية أقيمت في أوروبا"، ولكن هل يعود ذلك إلى أن الغرب لم يقبل بقطع رقبة كاتب غربي على أراض غربية وإلى أنه لا يبدو مستعداً للتضحية بثقافته العامة "المشبعة بفلسفة التنوير" و"بتوكيد حقوق الإنسان" على مذبح "وضع الحدث القادم من ثقافة أخرى حق موضعه"، أي على مذبح تقليل قيمته والتهوين من رعبه وبشاعته؟

ورغم أن ضمير أركون "اهتز بعمق" في قضية رشدي، إلا أن درساً في سيميولوجيا ماكس فيبر وإنسانوية التوحيدي ووسائط الترميز في الاجتماع البشري ونقد الفكر العلماني تبدو بالنسبة له أكثر راهنية. لكن أركون يصل سريعاً إلى مبتغاه: كارثة حلول عقل الأنوار، البشري الفاتح وسند الإنسان الطموح الرافض لسيطرة السحر، محل العقل اللاهوتي ؛ العقل اللاهوتي قام "خلال قرون بربط المقدس بالعنف" بحسب التوكيد الأركوني، لكن عقل الأنوار يبقى هو المتهم وهو البليّة. هذا العقل القاصر لم يفكر، كما العقل الديني، بحقوق الإنسان ضمن إطار حقوق الله، لقد عزل الله واستغنى عنه.

ولذا، فإن الهدف التالي في خطاب أركون هو العلمانية التي "عفا عليها الزمن" فقط لأن الإسلام بات حقيقة سوسيولوجية في فرنسا. علمانية الجمهورية الثالثة التي طُبقت بقسوة على المسيحيين واليهود لم تعد صالحة بسبب الإسلام، ولو لم يكن الإسلام حاضراً لما كان من داع ربما للحديث عن "إعادة تعريف" للعلمانية. إن دفع افتراضات أركون تلك إلى نهايات تبدو منطقية يمكن أن يسير على النحو التالي: العلمانية الفرنسية نجحت بشكل مبهر مع المسيحية واليهودية لكنها متقادمة اليوم بسبب وجود الإسلام ← الإسلام هو الدليل الوحيد على تقادم العلمانية اليوم ← الإسلام مختلف عن المسيحية واليهودية في قبوله للقانون الوضعي ← الإسلام مميز، مختلف، لا يقبل شراكة في الحيز القانوني خاصة ← الإسلام لا يكتب بحرف أول كبير (كما يريد أركون) ولكنه شخص اعتباري "يشعر" وله صوت ويعبر عن نفسه ← المسلمون السوسيولوجيون تعبير عن هذا الإسلام وعنفهم مفهوم لأن فرنسا تفرض عليهم علمانيتها ← الإسلام والمسلمون غير متوافقين لا مع الجمهورية ولا مع مبادئها.

هذا هو بالضبط خطاب اليمين المتطرف الفرنسي والأصولية الإسلامية على حد سواء.

وإذا لم تكن علمانية الجمهورية الثالثة الناجحة مقبولة وإذا لم يؤد تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية وإدراج فصول عن تاريخ الدين الإسلامي كافياً لإرضاء (أركون) الإسلام وإشعاره بأنه غير مستبعد وإلى وقف عنف المسلمين، فإن الحل بالنسبة لأركون هو... المزيد من الإسلام، المزيد من تعليم الإسلام، المزيد من تقديم المعلومات عن الإسلام وحتى إنشاء معهد للاهوت الإسلامي "مثل الطوائف الأخرى".

تسببت المقابلة بموجة من ردود الأفعال الغاضبة على أركون اتهمته بكل ما يمكن اتهامه به، حتى اعترته لحظات شعر فيها بـ"الاضطهاد والنبذ" جعلته يشبه حالته بحالة الذمي اليهودي أو المسيحي في أرض الإسلام، على حد قوله، ويشرع في تبني خطاب وصفه جورج طرابيشي بـ"الأصولي والسلفي" لدى من يفترض أنه "ناقد الأرثوذكسية السلفية". هنا ترجمة لنص المقابلة التي تركنا عنوانها كما اختارته صحيفة "لوموند":


ما رأيك في كتاب سلمان رشدي؟

يتعلق الأمر برواية، والأمر متروك للنقاد الأدبيين في المقام الأول ؛ لكن هذا الكتاب يمس منطقة المقدس الجوهرية بالنسبة لكل وجود إنساني، والمؤسسة لأي مجتمع. لا أعرف مجتمعاً، قديماً أو حديثاً، لا يؤصل حقيقة وجوده في مقدس منتشر ومتغير ومبهم بالضرورة، ولكنه دائماً نشط للغاية. أرفض البديهية السهلة والتبسيطية التي تتمثل في القول إن للكاتب الحق في قول كل شيء وكتابة كل شيء. سلمان رشدي ارتكب أكثر من مجرد طيش. شخص الرسول مقدس عند المسلمين ويجب احترامه بما هو كذلك، حتى في عمل خيالي أدبي أو للتعبير عن موقف سياسي معين، لأن هذا الكتاب مرتبط في نواح كثيرة بالمصير السياسي لمسلمي الهند وباكستان. أما استخدام رموز وشخوص لا تقتصر فقط على تاريخ هوية جماعة ما، بل تشير كذلك إلى الأحداث الافتتاحية للإسلام وإلى نماذج الوجود البشري، فأنا أقول لا. لأن النبي هو نموذج للوجود الإنساني، وأنا أفهم رد الفعل المنحاز للمسلمين من قبل بعض الكاثوليك أو اليهود: الوظيفة النبوية تتقاطع مع جميع اللاهوتيات المشتقة من الوحي.

رد الفعل، في الغرب، على الدعوة التي أطلقها الإمام الخميني بالقتل كان أقوى منه في دول الإسلام المعتدل. ما هو تفسيرك؟

من الواجب اتخاذ مسافة بالنسبة لكل هذه الضوضاء. بالنسبة لي، الأمر أكثر من مجرد قضية دريفوس، لأن الضمير العالمي هو الذي يتعرض للتحدي. تُظهر العاصفة الحالية أن الغرب غير مستعد على الإطلاق لسماع صوت الإسلام كما يعبر عن نفسه. وسأوضح: إن الرد فقط باستدعاء فولتير وروسو وحقوق الإنسان وحرية الفنان والكاتب، هو إشارة إلى موضوعات معروفة وفتوحات للروح ثمينة بالنسبة لجميع البشر، لكن لا يمكنكم أن تطلبوا من جميع الثقافات أن تتبع المسار الذي شقتّه فرنسا وأوروبا منذ قرنين من الزمان! إن التمسك بهذا الخطاب قد يعني أن يُفرض على الثقافات الأخرى حبس نفسها في النموذج الغربي الوحيد للتطور التاريخي والإنجاز الفكري والفني. سيكون هذا تكراراً للخطاب الاستعماري الذي كان يضفي الشرعية على الهيمنة على الشعوب والثقافات الأخرى من خلال تصدير الحضارة التي صنعت في أوروبا. ولذلك فإنني أرفض مظاهر السخط الحالية بقدر ما هي قائمة على مرجعيات تدعي أنها علمية وفكرية، لكنها في الواقع تستند إلى مصادرة أيديولوجية غير مقبولة تماماً، تمت إدانتها في فترة نزع الاستعمار. يظهر الفكر الغربي غير قادر على التطور خارج نماذج تاريخية أقيمت في أوروبا، وجرت تقويتها بواسطة الغرب التكنولوجي.

كمفكر مسلم ونتاج لهذا الفكر الغربي، ماذا فعلت لإحداث هذا التحول في النظرة إلى الثقافات الأخرى والذي تدعو إليه؟

أنا أمارس نصيبي من التفكير النقدي داخل تقليد فكري مشترك في الفضاء الثقافي اليوناني-السامي. أريد إعادة تجميع فضاء متوسطي تشاركت فيه تيارات ومساهمات قام الغرب الفاتح بفصلها بشكل تعسفي. ولهذا السبب يجد الغرب الحالي صعوبة في وضع الحدث القادم من ثقافة أخرى حق موضعه. المنظور الأنثروبولوجي حول الثقافات والمجتمعات قليل الحضور في تعليمنا وحتى بين العديد من الباحثين. عانى تدريس تاريخ الأديان بشكل خاص من مواقف وسلوكيات علمانوية عقائدية. لا تزال الثقافة العامة مشبعة بفلسفة التنوير وحدها، الأمر الذي سمح بإحراز تقدم حقيقي لا سيما فيما يتعلق بتوكيد حقوق الإنسان، ولكن في إطار ثقافي عفا عليه الزمن الآن.

أليست بربرية دعوة للقتل، أطلقت على المستوى العالمي، هي ما صدم الغرب أكثر من محتوى كتاب لا يعرفه؟

اهتز الضمير المسلم أيضاً بهذه الدعوة وأنا كذلك وبعمق. لكنك ستوافقني على أنه لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. يتم ترميز الوجود البشري كله بمساعدة علامات ورموز، يتلاعب بها أولئك الذين يسميهم ماكس فيبر "مديرو المقدس". ثنائية إسلام/غرب، التي يحب البعض تصليبها، غير مقبولة على المستوى السيميولوجي، أي إذا درسناها انطلاقاً من الإشارات والرموز. انظر إلى استحضار العصور الوسطى، الغنية جداً من الناحية السيميولوجية، التي أنجزها أومبرتو إيكو في "اسم الوردة". إن الحالة الإنسانية التي يفترضها الخطاب النبوي ليست إسلامية ولا غربية ؛ إنها تشير إلى "الآخر المطلق" الذي يمكن تسميته الله والذي يترجمه القرآن بالاستعارة الرائعة عن "شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية". من الواجب تذكير المسلمين بذلك، المسلمون الذين يزعمون تثبيت حقائق روحية تقع على مستوى آخر في مكان تاريخي معين. يجب إخبار الغربيين، الذين تنفد إشاراتهم إلى هذا "الهناك"، مطلق الله، المتضمّن في العهدين القديم والجديد. باعتباره نتاجاً لفلسفة التنوير، همّش الفكر العلماني هذا المخزون من رموز وعلامات نهلنا منها جميعاً تقاليدنا الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية. إنني أتهم عقل الأنوار بأنه أحلّ عقيدة سيادته محل عقيدة العقل اللاهوتي دون خلق شروط لفهم الأسس السيمولوجية لجميع الثقافات وأيضاً أولاً لفهم تحديات الدلالة في المغامرة السيميولوجية الحقيقية لمجتمعات الكتاب. من الواجب أخذ تلك التحديات في الاعتبار لمعرفة الكيفية التي قام بها العقل الديني وخلال قرون للأسف بالربط كثيراً بين العنف والمقدس. إن تصور حقوق الإنسان في فكر غربي مختزل إلى العقلانية الوضعية والتاريخانية وحدها يعزز سوء التفاهم مع الإسلام الذي فكر في حقوق الإنسان هذه في الإطار الأوسع لحقوق الله، أي في هذا الفضاء المفتوح لمطلق الله المعرّف من خلال استعارة شجرة الزيتون.

هل أنت مؤيد إذاً، كما هو حال المسؤولين الطائفيين، لنوع من إعادة تعريف إطار العلمانية يركّز بشكل أكبر على البعد الاجتماعي للحياة الدينية؟

نعم. يبدو لي أن العلمانية التي بنيت في فرنسا في ظل الجمهورية الثالثة قد عفا عليها الزمن فكرياً اليوم. هي قسمة سياسية وقانونية كان لها ربما سبب وجود في لحظة معينة، ولكنها نُفّذت على حساب الثقافة الدينية والدعوة الروحية للإنسان التي افتتحت بواسطة الوحي ولا يمكن فصلها عن التجربة النبوية. أدعو المسؤولين الفرنسيين إلى أن نخلق في فرنسا مساحة لتعبير علمي للإسلام. الإسلام يشعر بأنه مستبعد. ولا يمكنه الاستمرار في التعبير عن نفسه في الشارع فقط. أولئك الذين تظاهروا ليسوا كلهم أصوليون وسلفيون. إنهم يعيشون وضعاً صعباً، وفي الوقت الحالي لا يوجد صوت رسمي كفاية للتعبير عن تطلعاتهم المشروعة والتطورات التي تتطلبها الحداثة الفكرية. ليس لدينا الحق في اتهام المسلمين بالعنف طالما أن الدولة، في فرنسا، لا تتحمل مسؤولية واقع اجتماعي وثقافي أصبح من الآن فصاعداً وطنياً. من الملح خلق هذا الفضاء للتعبير العلمي الذي يمكن أن يكون معهداً للاهوت الإسلامي كما هو موجود بالنسبة للطوائف الأخرى، ولا سيما في ستراسبورغ.

في قضية رشدي، تثار بالفعل مسألة تفسير القانون القرآني. في ضوء هذا الأخير، ما هو هامش الحرية الممكن؟ إلى أي مدى يمكن التوفيق بين الإسلام والقيم الغربية أو لا؟ إن الغرب ليس واضحاً حول هذه القضية والإجابة عوضاً عن المسلمين ستكون مجدداً بمثابة ما تسميه أنت "الاستعمار"

المسلمون أيضاً ليسوا واضحين حول هذه الأسئلة اللاهوتية التي تطرحها قضية رشدي، ويطرحها التجديف وعقوبته ويطرحها إدخال الإسلام في الغرب. رفيق دربي هو باحث من القرن العاشر، أبو حيان التوحيدي (توفي عام 1014)، كان عمله ملفتاً، ولكنه أيضاً منسي بشكل ملحوظ. الحدث الحاسم، الذي لا يمكننا من دونه فهم الإسلام المعاصر، هو القطيعة التاريخية الذي وقعت منذ القرن الثاني عشر (القرن السادس الهجري) مع النصوص التأسيسية والتقليد الإنساني كما عرضته في كتابي "النزعة الإنسانوية العربية بين القرنين الرابع والعاشر الميلاديين" [ترجم إلى العربية بعنوان "نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي"].

بدون "مديري المقدس" لأوضح. يستفيد العالم الإسلامي من امتياز غير عادي من طبيعة لاهوتية: يمكن لكل مؤمن أن يعبر عن علاقته بالله دون وساطة، دون أن يفرض "مدراء المقدس" تفسيرهم لكلام الله. لكنه يواجه عقبة من طبيعة دولتية. فبمجرد وفاة النبي، أسست السلالة الأموية دولة قوية قامت بدولنة الدين. وقد عززت السلالة التالية، العباسية، سيرورة الدولنة الأيديولوجية تلك كما يتضح من التوتر بين صوفية وأصولية الفقهاء اللاهوتيين. وضع الدين بوصفه شيفرة قانونية نفسه بين كلام الله والمؤمنين. يوجد هنا نهج حديث للدين الذي يجب أن يساعد المسلمين على إدخال معتقداتهم بشكل أفضل في سياق حداثة هي نفسها في طور التكوين. هذا ما حدث للمسيحية.

ما تريده إذن هو أن يعيد الإسلام اكتشاف تقاليده الإنسانوية من العصر الكلاسيكي والتي تم تشويهها أو نسيانها في سياق تاريخ طويل منذ القرن السادس (الثاني عشر الميلادي).

نعم، ولكن هذا لا يتم إلا بشرطين: أن يتعلم الإسلام الجانب الإيجابي مما يسمى بالعلمانية كموقف ديناميكي للعقل أمام المعرفة ؛ أن يفتح الغرب فضاءات جديدة للتفكير، لا سيما فيما يتعلق بالقطيعة بين عقل علمانوي علموي تاريخاني وعقل منفتح على المقاربة السيميولوجية للثقافات. وبالتالي لدي طموح لإعادة تعريف الفضاء السيميولوجي المشترك بين الإسلام وأوروبا، والذي سأميزه بوضوح عن الفضاء التكنولوجي للغرب الذي أصبحت فيه اليابان لاعباً أساسياً. هل لي، في الختام، أن أوجه دعوة أخرى للصحافة المكتوبة والمنطوقة؟ لا ينبغي تقديم المعلومات عن الإسلام في فرنسا وفي أي مكان آخر بمناسبة الأحداث الدرامية فقط ؛ يجب أن تكون المعلومات مستمرة ومستمدة من مصادر علمية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية