دماغنا لم يتطور ليصبح بشريا إلا منذ مليون ونصف مليون سنة

صورة توضيحية لدماغ بشري
صورة توضيحية لدماغ بشري © فليكر-Allan Ajifo

كشفت دراسة حديثة أن الدماغ البشري لم يبدأ بالوصول إلى درجة تطوره الحالية قبل مليونين ونصف مليون سنة كما كان يُعتقد سابقاُ، وإنما بلغ هذه المرحلة بعد ذلك، وتحديداً قبل 1.7 إلى 1.5 مليون سنة، أي بعد انتشار البشر للمرة الأولى خارج إفريقيا.

إعلان

الدراسة التي نشرتها مجلة "ساينس" العلمية الشهيرة، يوم الخميس 8/4، تؤكد أن الجنس البشراني، الذي يضم أنواعا منقرضة من الإنسان مثل الإنسان المنتصب وإنسان نياندرتال، بالإضافة إلى الانسان العاقل، لم يتطور دماغه على نحو مماثل لتطور دماغ الإنسان الحديث.

عالم الأنثروبولوجيا في جامعة زوريخ السويسرية كريستوف زوليكوفر، أوضح أن السؤال الذي حاول الباحثون الإجابة هو: "متى تطورت هياكل الدماغ التي تجعلنا بشراً؟"، موضحا أن الاعتقاد السائد حتى الآن هو أن الدماغ القريب من دماغ الإنسان تطور في بدايات الجنس البشراني قبل نحو حوالي 2.5 مليون سنة، لكنّ الدراسة الجديدة خلصت إلى أن هذا التطور حصل بعد ذلك بكثير، وتحديداً قبل 1.7 إلى 1.5 مليون سنة، وتمكن زوليكوفر من التوصل إلى هذه النتيجة مع المعدّة الرئيسية للدراسة مارسيا بونسي دي ليون بعد دراسة عدد كبير من الجماجم المتحجرة من إفريقيا وجورجيا وجاوا بإندونيسيا.

وتقوم هذه الطريقة على أن المخ لا يتجحر وإنما يتحلل، بينما تتحجر الجمجمة، ويمكن بالتالي دراسة تطور هذه الأدمغة من خلال دراسة الأثار التي تركتها على الجدار الداخلي للجمجمة

وقام العلماء بإجراء مسح ضوئي للمتحجرات، مما سمح لهم بالحصول على صورة افتراضية لما كانت تحويه منذ زمن بعيد، بطريقة تشبه ملء الجزء الداخلي من قالب.

ولكن، ما هي الخصائص التي بحثوا عنها بعد ذلك لتحديد درجة "حداثة" الدماغ؟

ويوضح كريستوف زوليكوفر أن بعض مناطق الفص الجبهي لدى البشر، هي أكبر بكثير من المناطق المقابلة لدى القردة العليا، وأحدها، على سبيل المثال، هي منطقة بروكا المرتبطة باللغة، وقد هذا النمو في حجم الدماغ إلى رجوعه إلى الخلف قائلا "يمكن رؤية هذا التحول إلى الوراء على الأحافير الداخلية بمرور الوقت، من خلال ملاحظة الانطباعات التي خلفتها التشققات في التلافيف الدماغية".

واكتشف الباحثون من خلال دراسة الجماجم من إفريقيا، أن أقدمها، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 1.7 مليون سنة، كانت لها في الواقع خاصية الفص الأمامي للقردة العليا، ويشكل الأمر مفاجأة كبيرة، لأنه يعني أن الجنس البشراني بدأ يمتلك القدرة على المشي على قدمين، قبل أن يتمتع بدماغ حديث، وفق زوليكوفر، الذي يستنتج من ذلك أن تطور الدماغ لا علاقة له بالقدمين، قائلا "من الآن فصاعداً، أصبحنا نعرف أن الممثلين الأوائل لجنسنا البشراني في تاريخنا الطويل للتطور، كانوا من ذوي القدمين القادرتين على المشي، مع دماغ قريب من القردة العليا".

كما كشفت المتحجرات الإفريقية التي تعود إلى تاريخ أحدث، أي 1.5 مليون سنة عن خصائص أدمغة الإنسان الحديث، مما يعني أن التطور حدث بين هذين التاريخين في إفريقيا، بحسب الدراسة.

وما يؤكد هذا الاستنتاج هو ظهور أدوات أكثر تعقيداً خلال تلك الحقبة، ويشرح زوليكوفر أن هذا الأمر ليس من قبيل المصادفة، وإنما مناطق الدماغ التي تطورت خلال هذه المرحلة هي تلك المستخدمة في الأعمال المعقدة، مثل صنع الأدوات.

وحول أسباب هذا التطور، فإن فرضية الباحثين تشير إلى ترابط ظاهر نشأ بين الابتكارات الثقافية والتغيرات الجسدية في الدماغ، وأن كل منها حفزت الأخرى.

ولم تقف مفاجآت الدراسة وتغيير الفرضيات المعهودة عند هذا الحد، ذلك إن معاينة خمس جماجم متحجرة عُثر عليها في موقع دمانيسي في جورجيا الحالية، ويعود تاريخها إلى ما بين 1.8 و1.7 مليون سنة، وهي نسخ محفوظة بشكل جيد، أوضحت أنها تعود إلى أدمغة بدائية، مما يعني إن الانتشار خارج إفريقيا لم يستدعي دماغاً حديثاً كبيراً، ويوضح عالم المستحاثات المسؤول أن هذه الأدمغة لم تكن كبيرة ولا حديثة، ولكن المجموعات التي تحملها كانت قادرة على مغادرة القارة الإفريقية.

وتشير الخصائص الحديثة لمتحجرات من جاوا، بالنسبة للباحثين، إلى وقوع انتشار ثاني خارج إفريقيا.

وقال زوليكوفر "الانتشار الأول كان للسكان ذوي الأدمغة البدائية، ثم تطور الدماغ الحديث في إفريقيا، وتفرق هؤلاء الأشخاص مرة أخرى"، حتى وصلوا إلى إندونيسيا، مؤكدا أن الأمر لم يعد يقتصر على فرضية جديدة، وإنما يتمتع الباحثون بمتحجرات تثبت ذلك.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم