هل اقترب موعد صنع السيارة العربية الكهربائية التي يمكن تصديرها إلى العالم؟

سيارة كهربائية لبنانية أطلقت عليها تسمية " القدس رايز"
سيارة كهربائية لبنانية أطلقت عليها تسمية " القدس رايز" © أ ف ب

خلال السنتين الأخيرتين، حظيت أخبار السيارة الكهربائية في الأسواق العربية باهتمام متزايد لدى وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي. ولعل أهم ما طبع هذه الأخبار، المبادرات الفردية أو الجماعية التي تطلق في هذا البلد أو ذاك من البلدان العربية لبلورة إطار شامل يسمح بالترويج في المستقبل للسيارة الكهربائية أو على الأقل الهجينة على نطاق واسع في هذه الأسواق.

إعلان

وكان من الطبيعي أن يكون إطلاق شبكة محطات لتزويد السيارات بالكهرباء في مختلف المناطق في كل بلد عربي أولوية الأولويات قبل التفكير في التأسيس لصناعات عربية من حول السيارة الكهربائية.

في ديسمبر -كانون الأول عام 2020، أقدمت الشركة الوطنية لتوزيع الكهرباء في تونس والشركة التونسية للكهرباء والغاز على توقيع مذكرة تفاهم لتركيز محطات شحن السيارات العاملة بالكهرباء. وجاءت هذه الخطوة في إطار المساعي التونسية الرامية إلى المرور بشكل متدرج من مرحلة الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية إلى مرحلة الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة وفق ما ينص عليه اتفاق باريس حول المناخ. وقد طلبت منظمة الأمم المتحدة التي تقود المفاوضات المتعددة الأطراف حول المناخ من البلدان الصناعية والبلدان ذات الاقتصادات الناشئة والبلدان النامية تحديد أجندات وطنية ترمي إلى خفض الانبعاثات الحرارية. وتنص الخطة التونسية في هذا المجال على خفض هذه الانبعاثات بنسبة 41 في المئة في حدود عام 2040. وتعول السلطات التونسية كثيرا على السيارة الكهربائية لتكون أداة فاعلة من أدوات تحويل هذا الالتزام إلى إنجاز. ومع ذلك فإن منظمات المجتمع المدني تأخذ على السلطات التونسية عدم تقديم حوافز كافية لجعل التونسيين يقبلون على شراء السيارات الكهربائية التي يمكن استيرادها. كما تأخذ عليها عدم الشروع بشكل جاد في تهيئة محطات مخصصة لشحن السيارات بالكهرباء.

وفي انتظار اقتناع السلطات التونسية بأن توفير مثل هذه الحوافز ضرورة لتشجيع التونسيين على اقتناء السيارات المستوردة العاملة بالكهرباء ذات المحركات الهجينة، يرى عدد من مطلقي الشركات الناشئة القائمة على الابتكار في تونس أن هناك مخترعين تونسيين بإمكانهم المساهمة في بلورة صناعة متكاملة من حول السيارة الكهربائية تنقصهم اليوم إرادة سياسية حقيقية لتحويل الالتزامات بشأن خفض الانبعاثات الحرارية عبر عدة إجراءات في مقدمتها تخضير قطاع النقل البري.

أول شاحن كهربائي مغربي الصنع

هذا ما استطاع مخترعون مغاربة الشروع فيه بعد أن توصلوا في عام 2020 إلى صناعة أول شاحن ذكي مغربي مائة بالمائة خاص بالسيارة الكهربائية. وهؤلاء المخترعون هم مهندسون مغاربة يعملون في معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية. وتأَتى لهم ذلك بدعم من وزارتي الصناعة والطاقة في المغرب. ويُنتظر أن يُشرع في تصنيع هذا الشاحن الذكي في مدينة بن جرير المغربية بمعدل خمسة آلاف شاحن سنويا قبل مضاعفة هذه الكمية. وسيُطرح هذا الشاحن في السوق المغربية بسعر يتراوح بين 7 آلاف و9 آلاف درهم. ويرى مخترعو أول شاحن ذكي مغربي أن هذا السعر كفيل بجعل الشاحن يثبت أمام المنافسة العالمية والوصول إلى أسواق كثيرة في القارة الإفريقية على الأقل. ومما يساهم في رغبة المغاربة في أن يكونوا سباقين في القارة الإفريقية لتوفير منتجات السيارة الكهربائية أن المملكة المغربية تُعَد أنجب تلامذة نص اتفاق باريس حول المناخ في القارة الإفريقية وفي المنطقة المتوسطية بضفتيها الجنوبية والشمالية. فقد تعهد هذا البلد بخفض انبعاثاته الحرارية بنسبة 42 في المائة في حدود عام 2030. وهو بلد رائد في مجال الاستثمار في الطاقة الشمسية. ورغم أن مسألة تخزين الطاقة الشمسية لاتزال تواجهها عدة مشاكل تقنية، فإن تسويتها أمر أصبح مطروحا على المدى المتوسط، وبالتالي فإنه بالإمكان في المستقبل توفير أرضية تسمح بتزويد وسائل النقل العامة والخاصة في المغرب بالتحديد بالطاقة المولدة من الشمس.

بداية الطريق المصرية إلى السيارة الكهربائية

سعت السلطات المصرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى بلورة إطار يمكن أن يفتح فعلا أفقا أمام السيارة الكهربائية في البلاد. ومن أهم الإجراءات المتخذة في هذا السياق إعفاء السيارات الكهربائية المستوردة من الرسوم الجمركية وإبرام مذكرات تفاهم مع عدد من المجمعات الصناعية المصرية والأجنبية لتعزيز عملية توطين صناعة السيارات الكهربائية في مصر. ومن أهم التوصيات التي خلصت إليها الأطراف المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر لتعزيز مكانة السيارة الكهربائية في البلاد تلك التي يمكن تلخيصها في النقاط الأربع التالية:

-أولا: العمل على تهيئة محطات كهربائية للشحن في مختلف محافظات البلاد ولاسيما في المدن الكبرى ومن حولها.

-ثانيا: توفير حوافز لتسهيل اقتناء السيارة الكهربائية المستوردة أو التي سيتم تصنيعها في المستقبل داخل مصر.

ثالثا: العمل على وضع خطة تهدف إلى مساعدة مالكي سيارات الأجرة على المرور من مرحلة الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى مرحلة الاعتماد على الطاقة الكهربائية.

-رابعا: السعي إلى إطلاق النواة الأولى لصناعة محلية هدفها الأساسي تصنيع سيارات عاملة بالكهرباء وقادرة على المساهمة بشكل ملموس وفاعل في خفض الانبعاثات الحرارية.

وفي هذا الإطار بالذات أبرمت شركة النصر للسيارات شراكة مع شركة " دونج فينج موتورز " الصينية لتصنيع أول سيارة كهربائية مصرية  انطلاقا من  عام 2022 بمعدل 25 ألف وحدة سنويا. ومن مواصفات هذه السيارة أن لديها أنظمة أمان متطورة وأن الشحنة الواحدة تسمح لهذه السيارة بقطع مسافة تتراوح بين أربع مائة وخمس مائة كلم بسرعة قصوى تبلغ 150 كلم في الساعة.

السيارة الكهربائية اللبنانية

وواضح اليوم أن كثيرا من أصحاب الشركات الناشئة في البلدان العربية والتي يتم الاعتماد فيها بشكل خاص على الابتكارات وبعض صيغ التمويل الجديدة يفكرون بشكل جاد في المساهمة في خفض الانبعاثات الحرارية في هذا البلد أو ذاك من البلدان العربية عبر بعض المشاريع منها تلك التي تخص صناعة السيارات الكهربائية. وقد استطاع رجل الأعمال الفلسطيني جهاد محمد المولود في لبنان عبر شركة " إي في إلكترا" إنجاز مشروع يندرج في هذا السياق هو تصنيع سيارة كهربائية أطلقت عليها تسمية " القدس رايز". ويعمل في هذه الشركة حوالي 300 شخص من الفلسطينيين واللبنانيين. وذكر جهاد محمد في شهر أبريل عام 2021 وهو يكشف للناس عن عينة من هذه السيارة أنها ستصنع سنويا بمعدل 10 آلاف وحدة في انتظار مضاعفة العدد في السنوات المقبلة.

 ومن الطبيعي أن يتساءل الكثيرون عن جدوى تصنيع مثل هذه السيارة في لبنان حيث تُطرح مشكلة عدم تمكن القطاع العام والقطاع الخاص من تلبية حاجات الناس الدنيا من الطاقة الكهربائية بسبب منظومة الفساد المستشرية في البلاد منذ عقود والتي كانت وراء تلويث أجواء المدن والبيئة اللبنانية بشكل غير مسبوق عبر الوقود الأحفوري المستورد. ومن مفارقات علاقة المواطن اللبناني بالكهرباء أن لدى هذا المواطن الآن عدادين اثنين خاصين بفاتورة الكهرباء، عداد للدولة وعداد للقطاع الخاص وأنه يدفع فاتورتين اثنتين ولكنه لا يحصل على الكهرباء بشكل منتظم. بل إن انتظام عمليات انقطاع التيار الكهربائي في لبنان عامل مهم من عوامل تقصير عمر المعدات المنزلية العاملة بالطاقة الكهربائية وفي مقدمتها الثلاجات وأجهزة التلفزيون والمكيفات.

برغم هذه المفارقة، هناك اليوم طرح متفائل يقول أصحابه إنه بإمكان لبنان بسرعة توليد الكهرباء بنسبة تفوق نصف حاجاته من الطاقة الكهربائية عبر الطاقات الجديدة والمتجددة وفي طليعتها الطاقة الشمسية. ويضيف أصحاب هذا الطرح فيقولون إنه بإمكان لبنان المساهمة بشكل فاعل في مشروع عربي متكامل يموله القطاعان العام والخاص ويهدف إلى تصنيع سيارات وشاحنات عربية تعمل بالطاقة الكهربائية يعوض جزء منها بشكل تدريجي السيارات والشاحنات العاملة حاليا بالوقود الأحفوري في البلدان العربية، ويُصدر الجزء الآخر إلى أسواق البلدان النامية غير العربية وحتى  البلدان الصناعية.  

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم