شح المياه في سحب "الزهرة" لا يدعم إمكانية العيش على سطح الكوكب

صورة نشرتها ناسا لكوكب الزهرة، يوم 2 يونيو 2021
صورة نشرتها ناسا لكوكب الزهرة، يوم 2 يونيو 2021 © أ ف ب

طالما اعتقد كثير من العلماء أن الضغوط والحرارة الشديدة على كوكب الزهرة تجعل الحياة على سطحه مستحيلة عملياً. لكن في سبتمبر الماضي، عندما أعلن العلماء عن احتمال اكتشاف غاز الفوسفين في الغلاف الجوي للزهرة -وهو من الآثار البيولوجية للحياة- تساءل البعض عن إمكانية وجود حياة ميكروبية في غيوم الكوكب.

إعلان

ولكن، قد يكون من الأفضل أن يخففوا من جماح توقعاتهم؛ فقد أشارت دراسة جديدة –نُشرت في مجلة نيتشر للفضاء (Nature Astronomy)– إلى أنه لا يوجد ببساطة ما يكفي من الماء على الزهرة لدعم وجود الحياة كما نعرفها في الغيوم. يقول جون هولزوورث، وهو أخصائي في الميكروبيولوجيا من جامعة كولينز في بلفاست، والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: "من المعروف بطبيعة الحال أن الحياة تحتاج إلى الماء". تبين النتائج الجديدة أن تراكيز الماء في غيوم الزهرة "منخفضة إلى أقل من 1%” من كمية المياه التي تحتاجها حتى أكثر المتعضيات الميكروية قوة وتحملاً للبقاء على الحياة على الأرض. ويضيف: “إن هذه التراكيز تكاد تقع في أقصى الطيف -وهي تبعد مسافة كبيرة للغاية ويستحيل تجاهلها- عما هو مطلوب للحياة النشطة".

في 1978، أطلقت ناسا بعثة بايونير إلى كوكب الزهرة، التي تتألف من مسبار مداري ومجموعة من أربعة مسابر صغيرة تم إطلاقها في غلاف الزهرة الجوي. ويتضمن الغلاف الجوي آثاراً من الديتريوم، وهو نظير ثقيل للهيدروجين، ويمكن أن يتسبب في تفكك الماء. وقد تساءل العلماء عما إذا كان الزهرة يحتوي فيما مضى كميات أكبر من الماء، وما إذا بقيت كميات كبيرة منه في الغلاف الجوي.

وبالانتقال إلى 2020 سنجد أنه أصبح هناك احتمال لوجود غاز الفوسفين في الغلاف الجوي للزهرة. وقد وضع العلماء السيناريو المحتمل لكيفية سماح دورة الماء في غيوم الزهرة الغنية بحمض الكبريت بوجود الميكروبات ضمن قطيرات صغيرة من الماء على ارتفاعات عالية، بحيث يمكن ترطيب البويغات الجديدة للحفاظ على استمرار دورة الحياة.

فعلى الرغم من أن سطح الكوكب جحيم حقيقي، فإن غيومه مستقرة وأكثر اعتدالاً. غير أن البحث الجديد يجعل من هذا السيناريو أمراً مستبعداً؛ حيث تركز الدراسة على “نشاط الماء"، أي مقدار الماء الذي يمكن للمتعضيات الميكروية استخدامه، مُقاساً وفق قيمة تتدرج من الصفر إلى الواحد. ولهذه الدراسة، سعى فريق البحث إلى قياس نشاط الماء في الغيوم بحساب الرطوبة النسبية للغلاف الجوي (أي مقدار الماء الذي يشبع الهواء عند حرارة معينة).

اعتمد العلماء في هذه الدراسة على أسبيرجيلوس بينيسيليويدس، وهو فطر قادر على العيش في ظروف بالغة الشدة من الجفاف، وذلك لاعتماده كخط قياس قاعدي لندرة الماء التي يمكن للمتعضيات تحملها مع الاستمرار في وظائف الاستقلاب والتكاثر. أما الإجابة فتتلخص برقم نشاط مائي يبلغ 0.585، وهو من الناحية العملية "حد الحياة" للنشاط البيولوجي كما نعرفه.

وباستخدام بيانات الغلاف الجوي التي جُمعت من بعثات كوكب الزهرة السابقة، وبالاعتماد على نماذج جديدة لكيفية تقييم نشاط الماء، قام هولزوورث وفريقه بحساب نشاط الماء في غيوم الزهرة على ارتفاع 68-42 كيلومتر؛ حيث تتراوح الحرارة التي تسمح بوجود الحياة ما بين 40 درجة مئوية تحت الصفر و130 درجة مئوية. وقد تبين لهم أن نشاط الماء يبلغ في أفضل حال قيمة 0.004. يقول هولزوورث: "لا توجد أدنى فرصة في الحياة على الزهرة لأكثر الميكروبات تحملاً للجفاف على الأرض".

يشير الباحثون أيضاً إلى أن الغلاف الجوي للزهرة مشبع بعناصر ضارة يمكن على الأرجح أن تمنع الأنظمة الخلوية من العمل بشكل صحيح (مثل حمض الكبريت الذي يجفف الخلايا)، حتى بفرض ارتفاع النشاط المائي نفسه إلى قيمة أعلى. غير أن بعض الكواكب الأخرى حققت نتائج أفضل؛ فقد قام الفريق أيضاً بحساب النشاط المائي في غيوم الزهرة، الذي يساوي 0.537 (وهي قيمة تقارب القيمة الخاصة بالغلاف الجوي للأرض، وأقل بقليل من “حد الحياة” للأرض)، أما في غيوم المشتري فقد وصلت هذه القيمة إلى 0.585 في مواقع تتراوح الحرارة فيها بين 10 درجات مئوية و40 درجة مئوية تحت الصفر. يقول كريستوفر ماكاي، وهو عالم في ناسا ومؤلف مشارك في الدراسة: "لا نستطيع الجزم بأن غيوم المشتري صالحة للحياة. ولكن يمكن أن نؤكد أنها ليست محدودة بالنشاط المائي".

يجب تأكيد هذه النتائج بإجراء المزيد من الدراسات، ولكن المؤلفين واثقون للغاية من صحتها، حتى بوجود بعثتين جديدتين من ناسا وبعثة من إيسا إلى كوكب الزهرة قرب نهاية هذا العقد. ولكن، وبطبيعة الحال، هناك بعض النقاط التي يجب التنبيه إليها.

يقول ماكاي: "يجب أن ترتكز نقاشاتنا حول الحياة في العوالم الأخرى على ما نعرفه عن الحياة على الأرض، لأنه لدينا الأساس المطلوب لذلك. ولكنني آمل في أعماقي أننا عندما سنكتشف الحياة في مكان آخر، ستكون مختلفة للغاية”، أي بنظام كيميائي بيولوجي يعمل بشكل يتجاوز حدود ما رأيناه هنا على الأرض. وعلى الرغم من أن الحياة على كوكب الزهرة تبدو مستبعدة في ضوء هذه النتائج الجديدة، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الزهرة كان مقفراً على الدوام. فهناك تاريخ كامل مخبأ لهذا الكوكب، ويسعى العلماء إلى دراسته.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم