تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتيحة بوجهلات: "المواقف الجبانة" في مواجهة الإسلاموية أوصلتنا إلى هذه الفظاعة

أمام المدرسة التي كان يعلّم فيها الأستاذ المقتول صامويل باتي
أمام المدرسة التي كان يعلّم فيها الأستاذ المقتول صامويل باتي © رويترز
نص : علاء خزام
8 دقائق

ليست فتيحة بوجهلات ناشطة نسوية وعلمانية فرنسية فقط، اشتهرت بمقالات قوية ضد الحجاب الإسلامي نُشرت العام الماضي في كتاب بعنوان "محاربة الحجاب"، بل هي أيضاً وقبل كل شيء أستاذة التاريخ والجغرافيا في مدرسة في مدينة تولوز.

إعلان

على قتل زميلها صامويل باتي بالطريقة المرعبة التي يعرفها الجميع اليوم، علّقت على حسابها في فيسبوك بالقول: "معلم مقطوع الرأس. هنا في فرنسا. هذا ما توصل إليه جملة "نعم ولكن..." القاتلة. كان والد أحد طلاب صامويل باتي قد بث مقطع فيديو لتعبئة أولياء الأمور ضد هذا المعلم الذي سخر من محمد. باتي أعطى فقط حصة دراسية، وهو ما أفعله أيضاً، حول حرية الصحافة وحرية رسم الكاريكاتير. نعم ولكن... إن القتل حق. أن نجعل المسلمين يعتقدون أن إيمانهم متميز. أن أي إهانة تجيز القتل. تم قطع رأس مدرس في فرنسا. نعم، لكن... من أجل ميلا. نعم، ولكن من أجل شارلي إيبدو".

عبر تاريخها الكتابي والنضالي المدافع عن حقوق المرأة (وخاصة المسلمة ضد ما تعتبره طغيان الدين الإسلامي والجماعة المسلمة)، لا تخوض بوجهلات معركتها ضد الإسلاميين فقط، بل كذلك ضد يساريين فرنسيين، سياسيين وأساتذة ونقابيين وناشطين شديدي التأثير، يميلون إلى التهوين من حدة الأزمات التي تعاني منها البلاد بسبب الإسلام المتطرف ويجنحون باتجاه تبني مقولات عنصرية ما بعد حديثة تدين البيض (كذا!) وتأخذ المسلمين أو الأقليات الدينية أو العرقية بقضهم وقضيضهم كضحايا أبديين للاستعمار أو للعنصرية أو غيرها.

في هذا اللقاء مع مجلة "لكسبريس"، أدانت بوجهلات "المواقف الجبانة" للمسؤولين التعليميين الذين لم يفعلوا بما فيه الكفاية لحماية الأستاذ المقتول وتخلوا عن مهمتهم في الدفاع عن المدرسة الجمهورية في وجه أولياء طلاب اشتكوا على الأستاذ وقادوا حملة تشويه ضده انتهت بذبحه. على المدرسة أن تفرض سلطتها بالنسبة لبوجهلات في مواجهة الطلاب وأهلهم، وعليها دور أساس في تكوين المواطنين العقلانيين.


هل تخشين من الآن فصاعداً كباقي المدرسين على سلامتك؟

أخبرتني إحدى زميلاتي من مدرسات اللغة الفرنسية، والتي تدرس أيضاً مادة التربية المدنية والأخلاقية، أن رد فعلها الأول كان بأن فكرت بالتالي: "كان من الممكن أن أكون أنا". تساءلت عن مدى ملائمة إعطاء حصة دراسية كانت تريد القيام بها عن الرسوم الكاريكاتيرية. ثم أحجمت. بالنسبة لي، لست خائفة، لأنني أخوض منذ فترة طويلة نضالاً سياسياً من أجل حرية التعبير. في المقابل، أشعر بحزن لا حدود له وبغضب عارم تجاه شلال المواقف الجبانة التي أوصلتنا إلى هذه الفظائع. من عناصر الشرطة الذين حملوا شكوى كاذبة من والد طالب تجرأ على القول إن المدرس المقتول نشر صوراً إباحية أثناء فصله، إلى رئيس المؤسسة التعليمية الذي فشل في وظيفته كممثل لسلطة المؤسسة التدريسية حين رغب في التوسط بين هذا المدرس وأولياء الأمور.

كان عليه أن يجيب بأن تعليم حرية التعبير جزء من المناهج الدراسية وأن أولياء الأمور ليس من حقهم قول أي شيء. إن وجود مدير مدرسة لا يملئ منصبه كفاية يدفع باتجاه الجريمة. عندما تشغل هذه الوظيفة، فأنت تمثل الجمهورية، ولست وسيطاً. ناهيك عن أنه كجزء من الوساطة التي أقيمت في مدرسة كونفلان، فإن إدارة المدرسة قد استقبلت إماماً كذلك. لقد حان الوقت لنواجه كل أولئك الذين يسمحون بهذا النوع من العبور إلى الفعل وارتكاب الجريمة.

هل تخافين من ردة فعل عامة تترجم برقابة ذاتية من قبل المعلمين؟

بالطبع، لأنهم يرون أن المؤسسة قد تخلت عنهم وأولياء الأمور يشوهون سمعتهم. لماذا يخاطرون بحياتهم؟ لماذا يقدمون كضحايا؟ في وقت إعادة نشر رسوم شارلي إيبدو الكاريكاتورية، لم يرغب زملائي في الحديث عنها. أجاب أحدهم "لا أريد أن أترك مجال خبرتي: أنا مدرس رياضيات، أقوم بتدريس الرياضيات فقط".

ما يمكن فهمه هو أنه يجب معالجة هذه المواضيع في إطار معد بشكل محكم، مع مدرسين مدربين، أليس كذلك؟ لقد أعددت بنفسك في العام الماضي تمريناً بلاغياً ملحوظاً للغاية مع طلابك حول موضوع "هل يمكننا أن نضحك أو ننتقد الدين باسم حرية التعبير؟"

استمر هذا العمل ثلاثة أشهر، بالفعل، وكانت له أهداف تعليمية واضحة جداً تتعلق بالبرنامج الدراسي: استخدمنا العديد من الوثائق - نصوص قانونية، مقالات، تغريدات، إلخ. في النهاية، كان هناك نقاش على النمط الأمريكي بين طالب "يؤيد" وآخر "يعارض" علناً، بحيث يتعلم كلا الجانبين اتخاذ مسافة من حججه الخاصة. لم يعد من الممكن القيام بذلك بسبب كوفيد. من بين جميع طلابي، قالت واحدة فقط إنه يمكن انتقاد الدين. الغالبية الساحقة من الطلاب يعتقدون أن العكس هو حقيقة جديدة. أنا مدرّسة منذ 17 عاماً، وأدرك أن الشباب لم يعودوا يقدّرون الحرية على الإطلاق. بالنسبة لهم، الأمر ليس بهذه الأهمية. ما يهم هو عدم إزعاج الآخرين، خاصة في المجال الديني.

ماذا عن المعلمين؟

يختبئ الكثيرون وراء احترام حساسيات الطلاب حتى لا يقولوا أي شيء. أو يلوحون بحجة النسبية الثقافية: "آه، الطلاب المسلمون، إنهم في عالم آخر...". أجد ذلك تنازلاً مروّعاً. أنا أعتبر أنني في نفس المكان والزمان مثل أولئك الذين أعلمهم. لذلك أعتبرهم مهيئين للوصول إلى المعرفة. كان إيمانويل ماكرون محقاً عندما تذكر أن مهمة المدرسة هي تكوين مواطنين عقلانيين، لا يجب عليهم ببساطة أن يتحددوا بواسطة الدين. إذا طبقنا هذا الخطاب بحذافيره، إذا قام جميع مدراء المدارس بدورهم، فلن يكون لدى التلاميذ أي ثقب يندفعون من خلاله.

الخطأ الوحيد الذي ارتكبه هذا الزميل الذي يرثى له هو إخبار طلابه المسلمين أنه سيعرض رسوماً كاريكاتورية لشارلي إيبدو وأنه يمكنهم الخروج إذا كانوا يخشون الإحساس بالأذى بسبب الصور. لقد أقر بذلك للأسف فكرة أنهم متمايزون، وأن قوانين الجمهورية لا تنطبق عليهم، بسبب إيمانهم فقط. بينما هؤلاء الشباب بحاجة إلينا.

المدرسة هي المكان الذي نتناقش فيه، حيث نواجه الآخر، حيث نردّ بالكلمات وليس بالعنف. يمكن تعلم كل شيء، إذا كانت لدينا شجاعة التعليم. ما يساعد هؤلاء الطلاب على الخروج من صراع الولاء الذي يشعرون به بين ما يُقال في المنزل والبيئة المدرسية هو إقامة سلطة المدرسة.

في لحظة ما، يجب أن يسمح المرء لنفسه بأن يقول للطالب الذي يدافع عن نظام يهيمن فيه الدين على المجتمع: "أنت مخطئ". بقدر ما يتعلق الأمر بي فأنا حازمة للغاية. وهذا يؤتي ثماره. يجب أن ندافع عن نموذجنا ؛ أن نقول بصوت عال وواضح إن قيمنا جميلة، وإنه يجب علينا أن نحبّ فرنسا، أن نحب الجمهورية.

عندما أتناول العلمانية، أعطي درساً دقيقاً للغاية، مع محتويات متطلبة. وفي بعض الأحيان، قد أضطر إلى قول "توقف". وفي ما يتعلق بقضية ميلا (فتاة مراهقة تعيش تحت حماية الشرطة بعد تلقيها تهديدات بالقتل لانتقادها الإسلام)، قال أحد طلابي إنها تستحق الموت. كان يردد فقط ما يسمعه في المنزل. أخبرته أنه يروّج للجريمة، وأنه مخطئ. كلما قمنا بالتسامح مع هذه الأشياء، كلما قلت مكافأتنا. مثل هذا الموقف يشجع فقط الأرثوذكسية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.