شهادات مؤثرة: كيف غير "كوفيد 19" حياة الكثيرين؟

المارة في بيروت وسط التخوف من تكاثر حالات الإصابة بفيروس كورونا (28 تموز/ يوليو 2020)
المارة في بيروت وسط التخوف من تكاثر حالات الإصابة بفيروس كورونا (28 تموز/ يوليو 2020) REUTERS - MOHAMED AZAKIR

أثرت الإصابة بداء كوفيد 19، على حياة الكثيرين، كما غيرت نظرتهم إلى الحياة. إذ منهم من فقد أحد أفراد أسرته في وحدة، ومنهم من أصيب بالمرض وشارف على الموت، ومن تأثرت حياته العائلية أو المهنية أو الاجتماعية جراء الوضع الجديد الذي فرضته الجائحة. آثار صحية واجتماعية ونفسية بات الأطباء النفسانيون يؤكدون أنها ستحتاج لوحدها إلى جهود جبارة كي يتم تجاوز ما ستخلفه الجائحة على نفوس وقلوب الكثير من الأرواح المضطرب بعضها والمدمر بعضها الآخر.

إعلان

في فرنسا، أعدت إذاعة "فرانس أنفو" تقريرا رصدت فيه معاناة أشخاص، نساء ورجالا، ممن أصيبوا بالداء أو فقدوا عزيزا بسببه، فحكوا تجربتهم مع مرض غير حياتهم إلى الأبد. منهم كلود البالغ من العمر 57 عاما، والذي أصيب بكوفيد 19، فعاش ما لم يعشه حتى وهو مصاب بالسرطان. يحكي كلود قائلا: " تم تشخيص إصابتي بالسرطان في أكتوبر 2019. ورم في الخصية تمت إزالته بعملية جراحية ثم ثلاث جلسات علاج كيميائي. وفي كل مرة أذهب فيها إلى المستشفى، كنت أقول لنفسي: "ما دمت لا أصاب بـكوفيد 19. لكن كلود أصيب بالفعل بالداء، خلال جلسة أخيرة للعلاج الكيميائي، ليدخل بعد ذلك إلى غرفة الإنعاش ويبقى فيها لمدة 58 يوما وهو في غيبوبة. إذ كانت مناعته ضعيفة جدا قبل الإصابة بالفيروس. وحين عاد كلود للحياة، وجد نفسه وقد فقد 65 في المائة من كتلة عضلاته، كما بات يعاني من صعوبة في التنفس. ويؤكد له طبيبه أن ذلك سيصاحبه لمدة عام على الأقل.

وتحكي ماري، البالغة من العمر 39 عاما، والتي تعمل أخصائية نفسية إكلينيكية في باريس، عما عانته وشاهدته داخل دار لرعاية المسنين في الدائرة العشرين في باريس، حيث عاشت المؤسسة وضعا صعبا، خاصة خلال الأشهر الأولى من الجائحة. وتقول ماري: " لم يكن لدينا اختبارات ولا معدات واقية. كان الممرضون يعتنون بالمقيمين بدون كمامات. لقد قيل لنا مرارًا وتكرارًا أن "الكمامات غير مجدية"، وكنا نكرر بغباء خطاب السياسيين. من يصدق ذلك اليوم؟ لقد كان الموت ونهاية الحياة جزءا من حياتنا اليومية. ففي ذروة الوباء، كان لدينا ثلاث أو أربع وفيات كل يوم. وكانت إدارة الرفات مروعة بعد أن اختفت جميع الطقوس. لم يعد الأمر يتعلق بجثث الموتى، بل بجثث ملوثة كان لا بد من التخلص منها. وبين عشية وضحاها، لم يعد يحق للعائلات رؤية أحبائهم كما لو كان ذلك طبيعيًا. لقد مات الكثيرون دون أن يروا أطفالهم مرة أخرى. لطالما سألت نفسي: "لو كانت أمي، هل يمكنني قبول عدم رؤيتها مرة أخرى؟". كنت آمل، ربما بسذاجة، أن تتغير الأمور بمجرد مرور الموجة الأولى، وأن يكون هناك شكل من أشكال الارتقاء بالوضع في دور رعاية المسنين. لكن كل شيء عاد إلى طبيعته ولا يمكنني قبول ذلك".

أما مارك البالغ من العمر 58، ففقد عمله وزوجته وأصبح يعتمد على ابنه كي يواصل العيش. فقبل الجائحة، كان يعمل في قصور كوت دازور العظيمة، لكن بعد إقفال دور الضيافة والفنادق وغيرها، تم التخلي عنه، ليجد نفسه من عامل ب 3500 يورو شهريا، إلى عاطل عن العمل يحصل على تعويض ببضع مئات من اليوروهات، ثم لا شيء. وبسبب سنه، لا يأمل مارك في الحصول على عمل. كما لا أمل له في استعادة زوجته التي رحلت خلال فترة الحجر الصحي. واليوم، يجد مارك نفسه مجبرا على الأكل في المطاعم الإحسانية. "إنه أمر مهين لمن عاش حياته يعمل في الفنادق الفاخرة"، يقول مارك.

 ومع الشابة كانيل البالغة من العمر 20 عاما، كان الوضع مختلفا. إذ لم تعان من أي مشاكل نفسية قبل الجائحة، لكنها أصيبت بنوبة هستيرية خلال فترة الحجر، فبدأت تصرخ وتتحدث وتضرب من يحاول تهدئتها، ما اضطر الجيران إلى الاتصال بالإسعاف، حيث قضت أسبوعين في المستشفى قبل أن تعود لحياتها من جديد، لكن كل شيء تغير داخل كانيل وأصبحت تخشى الوحدة. "لقد شعرت خلال فترة الحجر وكأننا أمام نهاية العالم". تقول كانيل.

وتتذكر جولي البالغة من العمر 37 عاما، يوم وفاة والدها وحيدا خلال فترة الحجر الصحي. حيث أحرق جثمانه يوم وفاته وحيدا دون طقوس ولا جنازة، ودون موافقة أهله. وضع انعكس صحيا على جولي التي أصبح الأرق مصاحبا لها، وكلما تمكنت من لنوم للحظات، تجتاحها الكوابيس. تقول جولي: "لقد تقدمت بشكوى ضد الحكومة، ليس من أجل المال، ولكن لمحاولة الفهم. لا أستطيع أن أقبل أنه سُمح لآلاف الأشخاص بالموت في بلادهم، في فرنسا، في عام 2020، في وضعية كتلك. والدي لم يستحق أن يغادر هكذا. أحتاج إلى الفهم كي أتمكن من مواصلة الحياة. لقد أصبحت مثل معلقة تتفرج على حياتها".

وتحكي نصيرة البالغة من العمر 51 عاما عن إصابتها قائلة: "ركبت سيارة إسعاف في مارس / آذار. لا أتذكر ما حدث بعد ذلك. عندما فتحت عينيّ، سألني أخي وزوجي إذا كنت أتذكرهما. لم أتمكن من الكلام، ولا من الحركة. لم أشعر بأي شيء. بالنسبة لي، مرت ثلاثة أيام. وبالنسبة للغير، أمضيت شهرين في غرفة العناية المركزة. وخضعت لعملية شق للقصبة الهوائية بسبب فيروس كورونا. ولم أستعد القدرة على الكلام إلا بعد عدة أسابيع. حتى المشي لم يكن بالأمر الهين، ولم أستعيده إلا بعد فترة. ولحد الآن لا أستطيع الكلام في مرات عدة، فأحتاج للكتابة كي أعبر عما أريده".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم