فرنسا: جدل حول التطرف في مدينة "تراب" يتحول إلى مواجهة سياسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون © رويترز

النقاش بين مدرس فرنسي يندد بسيطرة المتطرفين الدينيين على مدينة " تراب " إحدى مدن ضواحي العاصمة باريس، وبين عمدة هذه المدينة الذي يعتبر أن الاستاذ يبالغ ويصب الزيت على النار، تحول من نقاش محلي بين شخصيتين في المدينة، إلى جدل وطني سياسي بين اليسار واليمين واليمين المتطرف، موضوعه: العلمانية، الإسلام والتطرف، وأهدافه الانتخابات المحلية المقبلة.

إعلان

مدينة " تراب " في ضاحية باريس هي محل اهتمام إعلامي في الأيام الأخيرة بسبب جدل بين عمدة المدينة علي رابح، وديديه لومير أستاذ مادة الفلسفة في إحدى ثانويات المدينة. الرجلان يعيشان تحت حماية أمنية بعد تلقيهما تهديدات بالقتل من طرف متطرفين.

 

كل شيء انطلق من بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد أسبوعين من اغتيال الاستاذ الفرنسي صامويل باتي ، كتب الاستاد ديديه لومير مقالا صحافيا ووجه رسالة  مفتوحة للمسؤولين الفرنسيين وندد بتقاعس السياسيين في مواجهة خطر التطرف الإسلاموي وكتب " أنه من خلال تدريسه لسنوات في مدينة تراب لاحظ تحول المدينة وسقوطها في يد المتطرفين ، حيث يوجد نحو 400 شخص هم قيد المراقبة بسبب انخراطهم في الفكر المتطرف وتوجه بعضهم  للجهاد في مناطق القتال بالشرق الأوسط " 

ديديه لومير هو استاذ فلسفة منذ 20 عاما لكنه في الوقت نفسه يشغل منصب الأمين العام لحزب "جمهورية - تضامن " الذي يناضل من أجل علمانية صارمة حيث يرفض هذا الحزب اتهامات انتمائه لدوائر يمنية متطرفة وتبنيه أفكارًا شعبوية .

هذا الاستاذ سبق له وأن كتب في 2018 رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية الفرنسية حذره فيها من غياب الجمهورية عن بعض المدن الفرنسية  وانتشار الفكر المتطرف على الانترنت وسيطرته على شباب مدن الضواحي ، و بعد فترة ، قام التلفزيون الهولندي بتصوير تقرير مع الاستاذ حيث قال إنه تعرض لتهديدات وهو يحظى بمرافقة أمنية لحمايته  .

  

هذه التصريحات لم تعجب عمدة مدينة "تراب " علي رابح  الذي ينتمي الى حزب اليسار الذي يمثله السياسي بونوا هامون ، حيث قام العمدة  برفع دعوى ضد الاستاذ بتهم التلفيق والكذب وقال "إن الاستاذ يقدم تهما خطيرة بحق سكان مدينة فقيرة تعاني أصلا من التهميش السياسي والاجتماعي ، واذا كان هناك بعض  الوجود للمتطرفين في المدينة فهذا لا يعني ، التوجه إلى وسائل الاعلام والتشهير بها ، لأن هذا يهدم كل جهود الجمعيات والاشخاص الدين يرغبون في تغيير واقعهم وإلصاق صورة الارهاب بهم وبمدينتهم " وألمح العمدة إلى أن الاستاذ يتحدث بدافع سياسي ويستفيد من مناخ عام ينتقد التطرف الاسلاموي ويخلط بين التطرف والاسلام وكل هذا يشبه النهج الذي اختارته  الاحزاب اليمينية واليمنية المتطرفة لتخويف الفرنسيين . العمدة علي رابح  قال ، إنه تعرض لتهديدات من أشخاص ينتمون لأقصى اليمين وطلب الحماية الأمنية لشخصه . 

على خط هذا الجدل المحلي ، دخلت أصوات سياسية  فرنسية وتحول إلى جدل وطني بين أحزاب اليسار الفرنسي واليمين واليمين المتطرف ، بين مدافع عن العمدة الفرنسي من أصول أجنبية  والراغب في الدفاع عن الأمثلة الايجابية في مدينته ، وبين مدافع عن الاستاذ الراغب في تكريس العلمانية  والذي أظهر شجاعة في الدفاع عن التلاميذ في مواجهة انتشار التطرف الديني والاستاذ   .

إلى جانب الاستاذ انتفضت اليمينية فاليري بيكريس  واخرون من حزبها  إضافة الى زعيمة اليمين المتطرف  مارين لوبين وطالبوا بعزل العمدة اليساري من منصبه بسبب استهتاره بخطر التطرف والانفصالية وانضم إلى موقفهم وزير التعليم في الحكومة الفرنسية الذي أيد الاستاذ ،  ومن جهة  عمدة المدينة ، ظهرت أصوات العضو السابق في الحزب الاشتراكي بونوا هامون وزعيم حزب البيئة يانيك جادو  وقالوا إن العمدة يستحق الحماية لأنه يعرف الميدان وهناك الكثير من سكان مدينة "تراب " ممن يحاولون  إيجاد حلول لأوضاعهم  الاجتماعية وهذا الاستاذ مثل بقية السياسيين  يستخدم مقتل الاستاذ صامويل باتي لصب الزيت على النار والترويج للأمثلة السلبية بدل الترويج للأمثلة الايجابية وما أنجبته المدينة من ممثلين عالميين كجمال دبوز وعمر سي وغيرهم من الرياضيين مثل اللاعب الدولي نيكولا أنلكا.

هذا الجدل بين اليسار واليمين الفرنسي بسبب قضايا تتعلق بالإسلام والعلمانية بات كلاسيكيا في فرنسا ولكنه في الواقع يخفي صراعات انتخابية، حيث  يتم استغلال الأحداث المحلية لتحويلها إلى جدل وطني . 

في الواقع جدل مدينة تراب ، يخفي صراعا انتخابيا ، فالمدينة شهدت إبطال الانتخابات المحلية في يونيو /حزيران الماضي من طرف القضاء الاداري بعد أن قدم المرشح المقرب من اليمين والسياسية بيكريس طعنا ضد الفائز أولا وهو اليساري علي رابح والقضية مازالت بين يدي مجلس الدولة ، وحزب اليمين مازال يطالب بالمدينة ، إلى جانب هذا ،منطقة باريس وضواحيها ستشهد بعد أشهر انتخابات المناطق حيث تأمل اليمينية فاليري بيكريس البقاء رئيسة لمنطقة باريس وضواحيها من خلال برنامج يميني يعتمد على  أسس الأمن ، العلمانية وخطر التطرف الاسلامي وهي تواجه عدة قوائم يسارية تريد الاطاحة بها ، من بين القوائم قائمة أحزاب البيئة وحزب اليسار الذي يتزعمه الاشتراكي بونوا هامون ، الذي يروج  لفكرة العيش المشترك ، والاختلاط الفرنسي ولمبادئ اليسار الانسانية والتي يقول السياسي هامون ، أن الحزب الاشتراكي ابتعد عنها ، حيث يعول هذا السياسي على انتخابات المناطق للعودة إلى واجهة السياسة في فرنسا ، بعد أن خسر في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية قبل خمسة أعوام ، هذا دون ان ننسى اليمين المتطرف الذي أرسل شخصية كانت تنتمي إلى اليمين المحافظ من أجل إحداث المفاجئة والاطاحة بحزب الاغلبية الحاكم .   

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم