هل تنجح فرنسا في معالجة ملف شابة انتقدت الإسلام فتحولت حياتها إلى جحيم؟

"ميلا" خلال أولى جلسات المتهمين بتهديدها بالقتل في باريس
"ميلا" خلال أولى جلسات المتهمين بتهديدها بالقتل في باريس © أ ف ب

يصدر في فرنسا عن دار "غراسيه" يوم 23 يونيو-حزيران 2021 كتاب عنوانه "أنا ثمن حريتكم". أما واضعة الكتاب فهي شابة فرنسية تُعرف باسم "ميلا" أقدمت عبر الإنترنت على انتقاد الإسلام وبعض الرموز الدينية المقدسة فيه بالنسبة إلى المسلمين وذلك بشكل لاذع ، فتحولت حياتها بحق إلى جحيم لأنها أصبحت تتلقى يوميا سيلا من الرسائل التي يتنمر فيها عليها أصحابها أو يهددونها بالقتل.

إعلان

بل إن عددا من الذين يعرفون شخصيا الشابة الفرنسية في المعهد الثانوي الذي كانت تدرس فيه لم يترددوا في إرفاق رسائلهم التي يتهجمون فيها على الشابة بمعلومات دقيقة تُعرضها الى خطر القتل فيها مثلا عنوانها الشخصي والأماكن التي ترتادها. وهذا ما جعلها تغير رأسا على عقب حياتها التي كانت علنية فأصبحت سرية. بل إنها اضطُرت إلى تغيير مقر سكناها ومغادرة المدرسة التي كانت تتلقى تعليمها فيها وإلى جعل كل تحركاتها تتم تحت حراسة أمنية مشددة.

 تطرقت "ميلا" قبل أيام إلى الجحيم الذي هي فيه، فقالت في برنامج خصصته قناة التلفزيون الفرنسية الأولى لملفها: "عندما أُسأل عما سأكون خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، أجيب أني ربما سأكون في هيئة شخص كان ضحية حروق بليغة طالت جسده. قد أكون حية بعد أن انتُزعت مني ساق وقد أكون قد مت. بلى قد أكون قد مت في غضون السنوات الخمس المقبلة". ورأت "ميلا" أنها "سجينة في بلدها" وأضافت تقول: "كنت مقتنعة بأن بلدي ليس هذا البلد الذي أراه اليوم. أرى الجبن في كل مكان من حولي. لا يستطيع أي شخص التحرك لأن كل الناس خائفون. ولا أدعي أني أكثر شجاعة من الآخرين. لا أدعي أني أقوى من أي شخص آخر، لأني لست كذلك".  

موقفان متباينان  

ومنذ انطلاق الجدل حول ما أصبح يُعرف في فرنسا باسم "ملف ميلا"، انقسم المشاركون فيه عموما إلى قسمين اثنين يرى  أحدهما أن الجمهورية الفرنسية مدعوة لحماية الشابة وغيرها من الذين يقبلون على انتقاد الإسلام ورموزه أو الديانات الأخرى ورموزها لأن القوانين الفرنسية تكرس مبدأ حرية التعبير وحرية التجديف منذ عام 1881.  وفي هذا الإطار قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث خص به عددا من الصحف الإقليمية الفرنسية إن القوانين الفرنسية واضحة في هذا الشأن. وأضاف يقول: "من حقنا التجديف. من حقنا انتقاد الأديان والتطرق إليها عبر الرسوم الكاريكاتورية". وشدد على ضرورة أن تتحمل مؤسسات الدولة الفرنسية مسؤولية حماية الشابة فقال: "علينا أن نحميَها في المدرسة وفي حياتها اليومية وخلال انتقالها من مكان إل آخر. وقد تحملت الدولة مسؤولياتها بهذا الخصوص"، في إشارة مثلا إلى إقدام وزارة التربية الفرنسية على نقلها من المدرسة التي كانت فيها إلى مدرسة أخرى غير معروفة. وسعى الرئيس الفرنسي إلى التذكير بأن النظام الجمهوري الفرنسي لا يُعرض الناس لعقوبات قضائية لأسباب أخلاقية بل يلاحقهم أمام القضاء إذا دعوا "للكراهية وانتهاك الكرامة".

ولكن عددا من الشخصيات السياسية وممثلي منظمات المجتمع المدني والديانات السماوية الثلاث يرون أن الشابة "ميلا" تجاوزت بكثير الحدود المسموح بها في إطار حرية التعبير وأن انتقاداتها اللاذعة الموجهة ضد الإسلام ورموزه تشكل "تحريضاً على الكراهية" ضد مجموعة من الناس بسبب انتماءاتهم العرقية أو الدينية، وهو أمر يستوجب متابعتها أمام القضاء الفرنسي.

وقد سُئل رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موسوي عن رأيه في الحملة التي شُنت على "ميلا" عبر الإنترنت وهدد القائمون بها بقتل الشابة فأدانها وقال إن القضاء وحده مؤهل للبت في الموضوع. وأدان عبد الله زكري المفوض العام في هذا المجلس هو الآخر التهديد بقتل الشابة. ولكنه برر الحملة ضدها بقوله إن الشابة هي التي تسببت فيها وإن من "يزرع ريحا يحصد زوبعة". وصدر عنه هذا الموقف في حديث خص به إذاعة Sud Radio يوم 24 يناير-كانون الثاني عام 2020. وقد شجبت شخصيات كثيرة في السلطة وفي أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني الشق الثاني من موقف زكري تجاه الشابة "ميلا" والذي يشاطره أغلب الأشخاص الذين شنوا عليها حملة شعواء عبر الإنترنت بلغت أحيانا حد التهديد بقتلها.

العمل التربوي على المدى الطويل

ولكنْ ما موقف الرأي العام الفرنسي من هذا الملف؟ لابد من الإشارة هنا إلى أن إحدى المؤسسات الفرنسية المتخصصة في عمليات سبر الآراء طلبت إلى عينة من الناس رأيهم في الموضوع خلال الفترة الممتدة من 1 فبراير-شباط عام 2020 إلى الثالث منه أي خلال الفترة التي كان الجدل محتدا بشأن هذه القضية. فذكر 53 في المائة من أفراد العينة المستجوبة أنهم متعاطفون مع الشابة " ميلا". وينتمي أغلب الذين شددوا على ضرورة مساندة الشابة "ميلا" إلى الفئات المتعلمة والميسورة الحال.  ولكن أفراد العينة ذاتها ظلوا منقسمين إلى قسمين بشأن حق التجديف. فقد رأى طرف أنه لابد من الاستمرار في الدفاع عن هذا الحق بينما رأى الطرف الآخر أن هذا الحق سلاح ذو حدين.

ويرى جزء من هؤلاء المتحفظين على مبدأ التمسك بالدفاع عن حق التجديف أن هذا الحق مُنح بموجب القوانين الفرنسية دون أن تكون الدولة الفرنسية قد بذلت كل ما ينبغي أن تقوم به منذ عام 1881 ولاسيما منذ فصل الدين عن الدولة في عام 1905. فالقانون الذي كرس مبدأ الفصل بين الأمرين يرى أن الفرنسيين أو المقيمين في فرنسا يحتكمون إلى قوانين وضعية لكل الناس بموجبها حقوق وواجبات. أما الانتماء إلى هذه الديانة أو تلك أو عدم الانتماء إلى أي ديانة، فهو أمر شخصي لا تتدخل فيه الدولة التي من واجبها حماية المؤمنين وغير المؤمنين. ولكن ما لم تقم به الدولة الفرنسية، حسب الذين يتحفظون اليوم على تكريس حق التجديف في المطلق باسم حرية التعبير، هو العمل- منذ أكثر من قرن أي منذ فصل الدين عن الدولة-على تلقين التلاميذ الفرنسيين وغير الفرنسيين الملحقين بالمدارس الفرنسية دروسا بشكل منتظم تكون أساسية في البرامج الدراسية المتصلة بالتربية المدنية مفادها أن كل الديانات تتساوى وأن المؤمنين وغير المؤمنين سواسية أمام القوانين الفرنسية وأن انتقاد الديانات لا علاقة له بالعلاقة الروحية التي يقيمها المؤمنون بمقدساتهم وبرموزها.

في انتظار الشروع في هذا المسعى التربوي الذي لا يمكن أن يثمر بسرعة، فتح القضاء الفرنسي شكويين اثنتين إحداهما ضد "ميلا" والأخرى ضد الذين حملوا عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وحولوا حياتها إلى جحيم. وقد أسقط القضاء الدعوى الأولى التي يُنظر فيها إلى الانتقادات الحادة التي وجهتها الشابة للإسلام ورموزه باعتبارها دعوة "للتحريض على الكراهية ضد مجموعة من الناس بسبب الانتماء العرقي أو الديني". وارتأى القضاء بعد الاطلاع على عناصر ملف الشكوى ضد "ميلا" أنها لا تخلص إلى مخالفة جنائية.

وأما بشأن الدعوى الأخرى التي رُفعت ضد المتنمرين على ميلا، فقد افتتحت جلسة محاكمة 13 منهم في الثالث من يونيو-حزيران 2021 وأجلت المحاكمة إلى يوم الحادي والعشرين من الشهر ذاته. وتتراوح أعمارهم بين سن الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين. وقد وجهت لبعضهم تهمة التحريض على الكراهية والعنصرية بينما وجهت للبعض الآخر تهمة التهديد بالقتل. وهذه التهم يعاقب القانون الفرنسي مرتكبيها في حال إثباتها بالسجن لمدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام وبغرامة مالية تتراوح بين 30 ألف و 45 ألف يورو أي بين 37 ألف و55 ألف دولار.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم