فرنسا تفتح ورشة تفعيل مبادئ العلمانية وتعزيزها على وقع مقتل الأستاذ صامويل باتي

نواب فرنسا خلال تكريم الأستاذ صامويل باتي
نواب فرنسا خلال تكريم الأستاذ صامويل باتي © رويترز

أعلن وزير التربية الفرنسي جان ميشيل بلانكيه يوم 14 يونيو-حزيران 2021 أن الحكومة الفرنسية ستطلق في بداية الموسم الدراسي المقبل برنامجا يمتد على أربع سنوات ويهدف إلى إقامة دورات تدريبية يستفيد منها في مرحلة أولى مدرسو المعاهد الإعدادية والثانوية الفرنسية. ومن شأن هذه الدورات تسهيل عملية التعاطي مع مبادئ العلمانية التي يقوم عليها النظام الجمهوري الفرنسي. وسيقوم ألف مدرب يتم انتدابهم من مختلف أنحاء البلاد بهذه المهمة.

إعلان

وقال وزير التربية الفرنسي إن هذه المبادرة تندرج في إطار تفعيل سلسلة من توصيات وردت في تقرير كلف الوزير في شهر فبراير -شباط الماضي مفتشا عاما في الوزارة بإعداده حول الموضوع على خلفية مقتل مدرس التاريخ  والجغرافيا والتربية المدنية الفرنسي صامويل باتي في 16 أكتوبر-تشرين الأول عام 2020 في ضاحية " كونفلان سانت أونورين" الباريسية على يد لاجئ شيشاني بعد إقدامه على عرض رسوم كاريكاتورية للنبي محمد على تلاميذه  في إطار درس على حرية التعبير.

وتؤكد تقارير ودراسات ميدانية منذ سنوات عديدة أن كثيرا من أساتذة المدارس الإعدادية والثانوية الفرنسية التابعة للقطاع العام أصبحوا يخافون على أنفسهم من عدد من التلاميذ أو من أوليائهم بسبب المضايقات والتهديدات التي يتعرضون إليها لحملهم على القبول بأطروحات متطرفة لديها علاقة بالدين و لاسيما بالديانة الإسلامية ويتم الترويج لها خارج المدرسة من قبل بعض الجمعيات أو المنظمات الإسلامية النشطة في البلاد أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام الخارجية.

مدرسون مصدومون وخائفون

ويقول جان بيار أوبين مفتش التعليم الذي أوكل إليه الوزير مهمة طرح مقترحات عملية بشأن طريقة تعامل المؤسسات التربوية مع مبادئ العلمانية التي يقوم عليها النظام الجمهوري الفرنسي إن اللقاءات الكثيرة التي أجراها مع المدرسين في المعاهد الإعدادية والثانوية ومع المشرفين عليها تؤكد استمرار هذا الخوف بعد مقتل صامويل باتي بشكل بشع من خلال قطع عنقه. ويضيف قائلا إن ما أظهرته هذه اللقاءات أيضا هو تنامي شعور بالذنب لدى المدرسين الذين يتغلب عندهم هاجس الحفاظ على حياتهم من التهديدات التي يتلقونها على واجب القيام بمهامهم التربوية وفق المناهج المعتمدة في المدارس الفرنسية والتي يتم الحرص فيها على تدريب التلاميذ على مقارعة الحجة بالحجة خلال النقاش بشأن مواضيع المواد التي يحتاج فيها التلميذ إلى مثل هذه النقاش لإثراء معارفه وتهيئته بشكل متدرج للتمعن في المعلومات التي تُعرض عليه وعدم التعامل معها كما لو كانت مُسَلمَات.  

وسيكون المدرسون والمشرفون على المؤسسات التربوية في المرحلتين الإعدادية والثانوية في مقدمة المستفيدين من الدورات التدريبية التي ستشرع وزارة التربية الفرنسية في تأمينها انطلاقا من العام الدراسي المقبل. وستشمل لاحقا كل العاملين في هذه المؤسسات.

ومن أهم المطالب التي ألح عليها المدرسون خلال الأحاديث التي أجراها معهم مفتش التعليم جان بيار أوبين تلك التي تدعو لوضع مفاهيم دقيقة وبسيطة ومتناسقة بشأن مبادئ العلمانية حتى يتم التعاطي معها وشرحها للتلاميذ بعيدا عن إمكانية تأويلها وتمطيطها وقراءتها على نحو يسمح للمتطرفين أو المشككين بالقيم الجمهورية باختراقها واستخدامها لخدمة مصالحهم.

وقد يكون هذا المطلب السبب الرئيسي الذي جعل رئاسة الوزراء في فرنسا تقرر استبدال مؤسسة " مرصد العلمانية" بـ " لجنة العلمانية الوزارية" التي من شأنها تنسيق عمل عدة وزارات منها التربية والداخلية والوظيفة العامة لدعم تفعيل مبادئ العلمانية في مختلف المؤسسات الفرنسية بشكل يسهل التصدي بنجاعة لمحاولات الدوس عليها.

وكانت مؤسسة " مرصد العلمانية " قد أنشئت عام 2013 لتقديم النصح والإرشاد للدولة الفرنسية بشـأن تدعيم تفعيل مبادئ العلمانية الفرنسية التي تشدد على ضرورة فصل  الدين عن الدولة واحتكام المواطنين الفرنسيين والمقيمين في البلاد من غير الفرنسيين- في علاقاتهم بين بعضهم البعض ومع مؤسسات الدولة الإدارية- إلى القوانين الوضعية المعمول بها في البلاد لا إلى المرجعيات الدينية أو مرجعيات أخرى.

ولكن مآخذ كثيرة أخذت على أدائها منذ إنشائها بينها مثلا أنها ظلت غير قادرة على التخلص من القراءات المطاطة لمفهوم العلمانية والاستثناءات التي تُمنح هذه الطرف أو ذاك باسم مبادئ التسامح والتعددية والانفتاح على الآخر. وقد تحولت هذه الاستثناءات إلى سلاح ذي حدين فانقلبت على الجمهورية الفرنسية وعلى المبادئ التي يقوم عليها النظام الجمهوري. وقد استُغلت هذه الثغرة على المستوى المحلي مثلا لفرض ساعات محددة للرجال وأخرى للنساء في المسابح العامة التي تديرها البلديات. كما استُغلت مثلا داخل بعض مؤسسات النقل العام في فرنسا لانتداب موظفين اتضح لاحقا أنهم يستغلون فضاءات العمل للقيام بأنشطة أو انتهاج سلوكيات لديها علاقة بالشعائر الدينية وتمنع القوانين الفرنسية منعا باتا القيام بها أو انتهاجها داخل فضاءات العمل.

ورشة ضخمة

الملاحظ أن الإعلان عن إطلاق خطة فرنسية لمساعدة العاملين في المدارس الفرنسية على التعاطي مع مفهوم العلمانية وترسيخه لدى التلاميذ وعن إطلاق "لجنة العلمانية الوزارية" التي ستجتمع لأول مرة يوم 12 يوليو-تموز 2021 يتزامن واستعدادَ البرلمان الفرنسي لإقرار مشروع قانون يهدف إلى "تعزيز العلمانية وترسيخ مبادئ الجمهورية". وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت عن مشروع القانون هذا في صيف عام 2020. وهو ينص على اتخاذ سلسلة من الإجراءات العملية التي تهدف مثلا إلى تعزيز مبدأ الحياد لدى موظفي القطاع العام والعاملين فيه والتصدي للإسلام السياسي والخطاب الديني المتطرف ولاسيما ذلك الذي كانت جمعيات فرنسية تروج له. ومن السلوكيات التي يسعى مشروع القانون إلى منعها وفرض عقوبات صارمة على القائمين بها تزويج شابات مسلمات فرنسيات أو تقيم أسرهن في فرنسا بالإكراه.

بقي القول إن متابعي هذا الملف بتفاصيله يشددون على أمرين اثنين أساسيين متصلين بما يسمونه "ورشة تعزيز مبادئ العلمانية على الطريقة الفرنسية" يمكن تلخيصهما على النحو التالي:

أولا: ضرورة حرص السلطات الفرنسية على تفعيل التشريعات الجديدة لتعزيز العلمانية في البلاد في إطار يتم فيه بحق فصل الدين عن الدولة وتطبيق القوانين الفرنسية على كل شبر من التراب الفرنسي.

ثانيا: توسيع ورشة تعزيز عملية التفعيل هذه وجعلها تشمل كل مؤسسات الدولة الفرنسية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والأسر أيضا بالإضافة إلى رياض الأطفال والمدرس الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعات.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم