أزمة الغواصات: كواليس "خيانة القرن"

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الأسترالي
الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الأسترالي REUTERS - PASCAL ROSSIGNOL

"حتى الجاسوسان السابقان جون لو كاريه، وإيان فليمنغ مبتكر جيمس بوند، لم يتخيلا مثل هذا السيناريو. ولم يكن مستبعدا أن يطلقا عبارة "خيانة القرن" على ما سمي بقضية "الغواصات الأسترالية". هكذا استهلت الكاتبة إيزابيل لاسير مقالا لها بصحيفة "لوفيغارو (Le Figaro)  الفرنسية، حيث تحكي تفاصيل "واحدة من أكبر عمليات الاحتيال الدبلوماسية التي وقعت فرنسا ضحية لها على الإطلاق"، وفق توصيف الكاتبة. 

إعلان

فهي تفسر وفق رأيها مستوى غضب المسؤولين الفرنسيين، والذي نادراً ما يكون ضد حليف استراتيجي. مضيفة أن الحادثة تبرر "خرق الثقة" الذي عبرت عنه باريس ارتباطا بعلاقتها مع الولايات المتحدة وأستراليا. مشيرة إلى أن آثار ذلك "لن ستنمحي بسرعة، وستكون أشنع تجاه الجانب الأسترالي".

مقال "لوفيغارو" الذي نشر يوم الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 سرد كرونولوجيا المراحل التي تم عبرها إلغاء صفقة الغواصات بين أستراليا وفرنسا واستبدالها بأخرى بين كانبيرا وواشنطن، إذ حددت الكاتبة ثلاث محطات قالت إن هذه "الخيانة" قد مرت بها:

المحطة الأولى، ووصفتها بـ"المؤامرة"، حيكت خيوطها في كانبيرا قبل 18 شهرًا وتحمل مسؤوليتها، وفقا للكاتبة، رئيس الوزراء سكوت موريسون، من خلال إطلاقه العنان للبدء في تدبير "خيانة القرن" في مارس/آذار 2020، وساعدته في ذلك نواة صغيرة من الأشخاص تم انتقاؤهم بعناية، وكانت مهمتهم هي إعداد مشروع بديل عن مشروع الغواصات الفرنسية.

ويبدو، حسب الكاتبة، أن "استفزاز الصين العدواني عزز مخاوف أستراليا وغذى إحساسها بكونها غدت قلعة تحت الحصار على حد تعبير أحد المصادر الدبلوماسية".

وذكرت لاسير أن الشراكة الإستراتيجية مع فرنسا لم تكن، منذ البداية، محل إجماع داخل الحكومة الأسترالية ووزارة الدفاع، مدللة على ذلك بطرح موريسون على بعض مسؤولي القوات المسلحة والدفاع سؤالاً كان يعتبر إلى ذلك الحين من المحرمات في أستراليا: لماذا لا نحصل على غواصات نووية؟

وهنا -تقول الكاتبة- زرعت البذرة الأولى للخيانة، لتنمو بعد ذلك في أقصى درجات التكتم والسرية، فلم يطلع عليها، في تلك المرحلة، حسب مصادر صحفية، سوى 4 أشخاص فقط، من بينهم رئيس أركان الجيوش أنجوس كامبل، ووزير الدفاع غريغ موريارتي، ورئيس أركان البحرية الأدميرال مايكل نونان، ولم يكن الأميركيون حتى تلك اللحظة على علم بالمؤامرة.

المحطة الثانية في تقدير الكاتبة بدأت بتجنيد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في مارس/آذار 2021، عندما اتصل الأدميرال نونان بنظرائه البريطانيين لاستفسارهم حول إمكانية الحصول على غواصات نووية أميركية تعتبر أسرع وأكثر ديمومة، لتحل محل باراكودا الفرنسية. لينضم بذلك جونسون شخصيًا لما اعتبره مشروعا قد يعطي لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي بعض النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

وكما في المحطة الأولى، لم يشارك في هذه العملية سوى عشرات الأشخاص بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع. ووفقًا لمصدر قالت لاسير إنه مطلع، فإن المملكة المتحدة لعبت دور "المكثف والمسرع" للنوايا الأسترالية، وحتى في هذه المرحلة من العملية، لا يزال الأميركيون خارج اللعبة.

المحطة الثالثة وفق تعبير الكاتبة تمثلت في وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق السري، إذ كان مسرح الجريمة، هو اجتماع مجموعة السبع المنظمة في كورنوال في يونيو/حزيران 2021 فقد اجتمع زعماء كل من بريطانيا وأميركا وأستراليا بعيدا عن الكاميرات والصحفيين على هامش القمة وناقش المسؤولون الأنجلو ساكسونيون الثلاثة اتفاقية سرية أطلق عليها تحالف "أوكوس" (AUKUS) للأمن والدفاع، ليدشنوا بذلك شراكة جديدة بين الدول الثلاث.

تواصل الأستراليون والبريطانيون مع الأميركيين بشأن إمكانية الحصول على غواصاتهم النووية، وكل هذا رغم وجود الرئيس الفرنسي في نفس البلدة معهم كأحد زعماء مجموعة السبع، وهنا أيضا لن يشارك بايدن هذا السر إلا مع فريق صغير، جوهره من البيت الأبيض، ولهذا فإن بعض المسؤولين الأميركيين، ممن لم يطلعوا على الصفقة في وقتها، عبروا للفرنسيين، عندما اكتشفوا ما حدث في 15 سبتمبر/أيلول، عن تذمرهم ومخاوفهم بشأن تلك الصفقة.

وما يغضب الفرنسيين أكثر، حسب ما نقلته الكاتبة عن مصدر فرنسي مطلع، أنهم اقترحوا على أستراليا بالفعل البديل النووي، لكن هذه الأخيرة لم تعبر عن اهتمامها بذلك، بل أكدت أنها تفضل النسخة الكلاسيكية من تلك الغواصات.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم