هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟

جنود فرنسيون يقيمون حاجزا أمنيا بحي القصبة، في الجزائر العاصمة. 12 ديسمبر/كانون الأول 1960
جنود فرنسيون يقيمون حاجزا أمنيا بحي القصبة، في الجزائر العاصمة. 12 ديسمبر/كانون الأول 1960 © فرانس24

نشبت أزمة دبلوماسية بين فرنسا والجزائر في بداية شهر أكتوبر – تشرين الأول، إثر مواقف للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتهم فيها النظام الجزائري بتقديم "تاريخ رسمي" للبلاد "لا يستند على الحقائق"، وذلك أثناء لقائه شباب من أبناء "الحركيين الجزائريين".

إعلان

ومن بين أكثر التصريحات التي صدمت الرأي العام الجزائري ونالت حيزاً واسعاً من الجدل في وسائل الإعلام، كان السؤال الذي وجهه ماكرون قائلا: "بناء الجزائر كأمة، هو ظاهرة يستحق المشاهدة. فهل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟". وتابع الرئيس مجيبا: "هذا هو السؤال. كانت هناك استعمارات سابقة". إذا وبخلاف الرأي العام الجزائري، نفى الرئيس الفرنسي وجود أمة جزائرية سابقة للاستعمار الفرنسي.

هذه المواقف أثارت غضب السلطات الجزائرية التي استدعت سفيرها من فرنسا، واعتبر وزير الخارجية الجزائري أن ماكرون يعاني من "إفلاس في الذاكرة"، مضيفا "أن شركاءنا الأجانب بحاجة إلى إزالة الاستعمار من تاريخهم".

من جهته، طالب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فرنسا بـ"الاحترام الكامل" لبلاده، مشيرا إلى أن "عودة السفير الجزائري إلى باريس مشروطة باحترام كامل للدولة الجزائرية"، وشدد على ضرورة عدم "تزييف التاريخ".

لكن هل كانت هناك فعلا أمة جزائرية قبل وصول الاستعمار الفرنسي؟

للإجابة على هذا السؤال، أجرت صحيفة "لوفيغارو" مقابلة مع المؤرخ بيير فيرميرين، أستاذ تاريخ المجتمعات البربرية والعربية المعاصرة في جامعة باريس 1 بانتيون سوربون. وفي هذا الإطار، أشار فيرميرين إلى أن "الفرنسيين هم من اخترع الأمة خلال الثورة الفرنسية"، في العام 1789. وتابع: قبل ذلك التاريخ لم يكن هناك أمم، بل إمبراطوريات أو ممالك".

ويرى المؤرخ أن الجزائر لم تشذ عن هذه القاعدة. فقبل وصول الجيش الفرنسي في العام 1830، لم تكن البلاد تعرف بعد باسم "Algérie" في فرنسا، بل كانت إحدى المقاطعات الأمازيغية التابعة للإمبراطورية العثمانية منذ بداية القرن السادس عشر.

بالنسبة للباب العالي، فهي إيالة الجزائر "Alger": مستعمرة عسكرية لا توجد فيها سلالة حكم محلية على عكس المغرب أو تونس، ويقودها زعيم يطلق عليه لقب داي الجزائر، وترسل الجنود إليها مباشرة من اسطنبول. وقد كان مقرها في العاصمة الجزائرية الحالية، وقد كان لهذه الولاية عدد قليل من التبديلات العسكرية والإدارية في المناطق النائية.

ويوضح فيرمرين: "كلما اتجهنا جنوبًا، نحو الجبال وبعيدًا عن المدن، كلما كانت القبائل تتمتع بحكم ذاتي أكبر"، مضيفاً: ثلث القبائل العربية والأمازيغية فقط كانت موالية للسلطان، و40 في المئة منهم لم تكن مطلقا تحت حكم العثمانيين".

خلال ثلاث قرون من الحكم العثماني، لم تكن هناك أمة جزائرية، وذلك ببساطة لأنه لم تكن هناك وحدة عرقية ولغوية وسياسية. وكانت هذه المنطقة قد احتلت سابقا على من قبل الإمبراطورية الرومانية، وقبائل الوندال الجرمانية، والبيزنطيين ثم السلالات العربية الإسلامية والأمازيغية حيث ظهرت، في أواخر العصور الوسطى، كيانات إقليمية من شأنها أن تؤدي إلى نشوء دول المستقبل في المغرب العربي.

بعد طرد العثمانيين، واجه الفرنسيون مقاومة قوية من الأمير عبد القادر الذي حاول توحيد الأراضي الجزائرية بوجه الاحتلال الفرنسي. وهنا بدء المؤرخون يتحدثون عن ظهور شكل بدائي للدولة الجزائرية، بحسب فيرمرين. واستمرت مقاومة عبد القادر طيلة 15 سنة، سعى خلالها توحيد هذه المنطقة: "ففرض الضريبة، وأسس جيشًا، وأنشأ عاصمة ومدنًا عدة، لكنه لم يستطع توحيد الجزائر بأكملها. فمن بين 400 إلى 500 من القبائل الأمازيغية والعربية الموجودة في الإقليم، بقيت 200 قبيلة خارج سيطرته".

على الرغم من ذلك، تمكن عبد القادر من توحيد عدد كبير من القبائل التي كانت تتقاتل في ما بينها سابقا، وفقا لما ذكر المؤرخ والصحفي جان سيفيليا لصحيفة "لوفيغارو". لكن مفهوم الأمة الجزائرية لم يتجسد بشكل واقعي إلا بعد قرن على المحاولة التي قام بها عبد القادر.

بعد الحرب العالمية الأولى، بدأت القومية الجزائرية بالتبلور في العاصمة الفرنسية في عشرينيات القرن الماضي. ويشير سيفيليا إلى أن هذه القومية "تميزت من ناحية بالشيوعية والروح الثورية وبالإسلام من ناحية أخرى".

أما فيرمرين فيلاحظ أن "القومية الجزائرية نشأت من التلاقي بين الهجرة الجزائرية في فرنسا والقومية الفرنسية". ويتابع: "من خلال التقليد، سيبني الجزائريون أمة بدورهم... إنه سيناريو سنجده يتكرر في أماكن أخرى". ففي هذا الوقت، كانت القومية العربية في بداياتها، وقد أثرت على حركات الاستقلال في المغرب العربي والشرق الأوسط.

وللمفارقة، يعتبر المؤرخ أن فرنسا ساهمت في خلق الأمة الجزائرية، من خلال تصدير فكرة الأمة، ومن ثم توحيد الكيان الترابي للجزائر، على الرغم من خطاب المستعمر الذي نفى وجود الأمة الجزائرية ودمج الجزائر بالكامل في الجمهورية الفرنسية.

ويلفت فيرمرين إلى أنه "على المستوى السياسي، لن يتقبل الجزائريون هذه الفكرة، خصوصا عندما تأتي على لسان رئيس فرنسا. لكن على المستوى العلمي، يتفق معظم الباحثين على أنه لم تكن هناك أمة جزائرية قبل عام 1830".

يذكر أن حديث ماكرون لاقى شجبا كبيرا، خصوصا لدى الجزائريين. فقد اعتبر رئيس الغرفة الوطنية الجزائرية للموثقين وعضو المجلس الأعلى للتوثيق رضا بن ونان إلى أن "الدولة الجزائرية، تضرب بجذورها في عمق التاريخ، ولا أدل على ذلك، من العثور على أول عقد توثيقي يحمل ختم الدولة الجزائرية في شمال ولاية تبسة يعود إلى 480 سنة قبل الميلاد، مكتوب على خشب الأرز، وهو لا يزال محفوظا إلى يومنا هذا".

وقال بن ونان لموقع "شروق" الجزائري إن "العقد التوثيقي هو عمل قانوني يضمن المعاملات واستقرارها، من خلال تحديد الحقوق والواجبات بين الأطراف، ويكتسب الشرعية والرسمية، كونه يحمل ختم الدولة، وبالتالي فإن العقود التوثيقية المحررة والمحفوظة، هي عنوان الحقيقة التاريخية، التي تدحض أباطيل الرئيس الفرنسي ماكرون".

من جهته، اعتبر المؤرخ الفرنسي جيل مونسيرون إلى أن خطاب ماكرون يتشابه مع خطاب الاستعمار الفرنسي في نظرته للأمة الجزائرية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم