أطفال باريس المتروكون يحكون قصتهم بعد قرنين من الكتمان

العاصمة الفرنسية باريس
العاصمة الفرنسية باريس © فليكر (Pedro Szekely)

على مدى نحو قرنين، كان أطفال باريسيون متروكون يوضعون ضمن أسر في منطقة مورفان الريفية في وسط فرنسا، وقد قرر هؤلاء الذين فاق عددهم 200 ألف وتُطلق عليهم تسمية "صغار باريس" أن يثيروا اليوم قضيتهم التي بقيت طويلاً مكتومة.

إعلان

فحياة دومينيك جاملو مثلاً حددت مصيرها جملة "أتريدون طفلاً؟" التي قالتها ذات يوم من عام 1954 مساعدة اجتماعية حضرت إلى قرية في أطراف منطقة بورغون الريفية (وسط فرنسا) لتعهد إلى إحدى عائلاتها بالطفل الذي تُرك قبل 15 شهراً في منطقة باريس.

ولكن عندما طرقت باب أحد المنازل، لم يجبها أحد، فما كان من هذه الموظفة التي طُلب منها إلا تعود إلى باريس ومعها الطفل إلا أن طرقت عشوائياً باباً آخر. ووراء هذا الباب وجد دومينيك عائلة احتضنته.

وبعد سنوات، عرف قصته من المرأة التي يصفها بـ"أمي". وروى "هي كانت رُزقت صبياً، لكنه كان معوقاً، ولم تكن تريد المخاطرة بإنجاب طفل آخر. لذلك كانت تعتزم أصلاً الاتصال بخدمة المساعدة الاجتماعية لكي تتبنى طفلا. وأخبرتني: + عندما رأيتك في السلة، قلت لنفسي: هو الذي أريده +".

وقال دومينيك لوكالة فرانس برس "كأنني فزت في اليانصيب (...) لأنني وقعت على عائلة مميزة". 

وكان مصير مشابه ينتظر "ما بين 200 ألف و250 ألفاً" من الأيتام أو الأطفال المتروكين الذين وضعوا في بورغون، وخصوصاً في مورفان،  "بين عامي 1775 و1980" ، بحسب تقديرات ماري لور لاس فيرنيا، وهي مهندسة متقاعدة تبلغ الثامنة والستين. 

عند وفاة والدها عام 1998، اكتشفت ماري لور 37 دفتراً مدرسياً تحوي ذكريات جدها الأكبر الذي كان مسؤولاً ما بين 1896 و1919 عن وضع "صغار باريس" هؤلاء في مورفان. وسعياً إلى التعمق في الموضوع ومعرفة المزيد عنه، لجأت ماري لور ألى سجلات  باريس القديمة وفتشت عن الأطفال المتروكين واليتامى. 

- "جان جينيه لم يعلم قطّ" 

وبين طيّات الصفحات المصفرة، اكتشفت قصص النساء اللواتي تركن أطفالهن، وبينهنّ من اضطرت إلى اختيار الاحتفاظ بواحد من طفلين لأن "لا فلوس"، أو أدركت لاحقاً أنها "ارتكبت خطأ"، أو واظبت "عاماً بعد عام على تسقّط أخبار" طفلها أو أرادت "استعادته".  "لكن السياسة المتبعة في ذلك الحين كانت تقضي بعدم إعطاء معلومات عن الأم أو الأشقاء الذين غالبا ما يكونون مشتتين"، على ما أوضحت ماري لور.

وبالتالي، لم يكن "صغار باريس" يعرفون قصصهم، وهي كذلك حال أشهرهم الكاتب جان جينيه الذي وُضع في ألينيي آن مورفان عندما كان في شهره السادس.  وقالت رئيسة جمعية أصدقاء متحف المربّيات وأطفال المساعَدة الاجتماعية مارتين شالاندر "لم يكن يعلم قط أن والدته حاولت العثور عليه أو أنّ له شقيقاً".

وشرحت مديرة المتحف إليز أليو أن سبب وضع نحو نصف أطفال باريس المتروكين لدى عائلات مورفان هو أن نساءها كنّ معروفات بأنهن "مرضعات جيدات".

فنظراً إلى كون الزراعة فقيرة في مورفان، غالباً ما كانت الأمهات فيها يتولين الإرضاع في العائلات الثرية في باريس، حيث كانت آداب السلوك تحظر الرضاعة الطبيعية. وعندما كنّ يعدن إلى القرية، كنّ يطلبن الحصول على طفل من المساعدة الاجتماعية لأن الراتب الذي كن يتقاضينه "كان في كثير من الأحيان يشكّل موردهنّ المالي الوحيد"، على ما شرحت أليو التي كانت والدتها من "صغار باريس". 

- "يد عاملة مجانية" 

وأقرّت بأن الأطفال المتروكين كانوا بمثابة "سواعد للعمل في المزارع"، وبالتالي تعرّض كثر منهم للاستغلال، بل تمت إساءة معاملتهم. 

وقال جيرار (67 عاماً)، وهو اسم معدّل لواحد منهم طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي "كنت أتولى أعمال السخرة من دون أجر. كنت أستيقظ في الخامسة صباحاً لتنظيف الأبقار. كانت والدتي المرضعة تأخذ من المساعدة الاجتماعية أطفالاً ليكونوا يدا عاملة مجانية، وبلغ مجموعهم سبعة". 

وأضاف "كانت تضربني بهراوة. كان والدي بالتبني يقول لها + توقفي، ستقتلينه +. فكانت تجيب + لا مشكلة، إنها لحوم +".

لكن أين كان مفتش المساعدة الاجتماعية؟ "آه، نعم، كان يمرّ، لكنه كان متعاوناً: كان يغادر محمّلاً بكمية كبيرة من اللحم"، على قول جيرار.

وعندما عثر دومينيك جاملو على والدته البيولوجية، قال لنفسه "وأخيراً، أنا موجود فعلاً" ، لكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل، وروى "نفت (أن اكون ابنها)، فأبرزتُ بطاقة هويتي، فعلقت قائلة: اعتقدت أنك ميت. عندها غادرت".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم