انتخابات فرنسا 2022: الحقيقة العارية للواقع الاجتماعي وتفسخ خطاب النخبة

جدارية في العاصمة باريس في ذكرى مرور عام على مظاهرات "السترات الصفراء"
جدارية في العاصمة باريس في ذكرى مرور عام على مظاهرات "السترات الصفراء" © أسوشيتد برس

اختار الفرنسيون في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة إيصال إيمانويل ماكرون ومارين لوبان إلى الجولة الثانية على غرار ما وقع في انتخابات 2017. لكن زعيمة "التجمع الوطني" تملك هذه المرة فرصة جدية في الفوز استناداً إلى قاعدتها الصلبة والمتزايدة من الطبقات الشعبية وناخبيها المعادين للماكرونية الآخذين بالتكاثر.

إعلان

انقسم الناخبون عملياً بين ثلاثة أقطاب كبرى يحلو لوسائل الإعلام ومن لا يزالون يحبون التصنيف أن يقولوا إنها: اليسار الراديكالي والوسط واليمين المتطرف. سرّعت هذه الانتخابات من موت حزبي يسار الوسط (1.62%) ويمين الوسط (3.44%) التاريخيين وتم مسحهما عملياً عن الخارطة السياسية للبلاد.

وعلى الرغم من أن نسبة العزوف عن التصويت (26.31%) هي الأعلى منذ انتخابات عام 2002 (28.4%)، إلا أن ذلك لا يعني أن الطبقات الشعبية لم تضع نفسها ومطالبها، مجدداً، في قلب النقاش السياسي. بل إنه قد يؤشر حتى إلى العكس من ناحيتين: أولاً لجهة أن العزوف الكبير عن التصويت، المنتشر في الأوساط الشعبية، يبرز إلى الواجهة رفضاً للعملية برمتها وتشككاً في نتائجها، وثانياً لكون الممثل الأبرز للطبقات الشعبية اليوم، أي حزب مارين لوبان، حقق في 2022 (23.15%) نتيجة أفضل مما حققه في 2017 (21.30%).

إن إلقاء نظرة فاحصة على خريطة التصويت ستعجل في التشكيك في فعلية القسمة القطبية الثلاثية الآنفة على مستوى تمثيلها القطاعي.

ميلانشون: تحالف البرجوازية الصغيرة والأقليات

فحزب جان لوك ميلانشون الذي حل بالفعل في المركز الثالث بنتيجة ممتازة (21.95%)، منحصر بشدة على المستوى الجغرافي في المدن واحتل المركز الأول (بفارق ضئيل للغاية مع ماكرون) في منطقة فرنسية واحدة هي باريس الكبرى، أي ببساطة أغنى المناطق الفرنسية الـ12.

يعتمد ميلانشون بشكل شبه كلي على قاعدتين انتخابيتين: الطبقات الوسطى المدينية (الموظفون العموميون والطلاب والمدرسون) والطبقات الشعبية المنتسبة للأقليات (القاطنة في ضواحي المدن وبالقرب من فرص العمل). ورغم التحول في الاستراتيجية الشعبوية التي كان يتبعها عام 2017 ومكنته من أن يقفز من 11.10% في 2012 إلى 19.58% في 2017 -تحولٌ تضمّن تخفيف حدة الخطاب العلماني والشعبوي وتبني تكتيكات تقربه من "الصوت المسلم"- فإن نتيجته عام 2022 هي أقصى ما يمكن لميلانشون جمعه من أصوات "اليسار".

جان لوك ميلانشون خلال لقاء انتخابي في مدينة نانت الفرنسية
جان لوك ميلانشون خلال لقاء انتخابي في مدينة نانت الفرنسية © أسوشيتد برس

صوّتَ من صوتوا لميلانشون بهدف حماية اليسار بالنسبة للبعض (البرجوازية الصغيرة النازحة من الحزب الاشتراكي والتي لم تصوت لحزبها الآيل إلى الانهيار) و/أو بهدف الحصول على مكاسب أو تجنب مخاطر بالنسبة للصوت الأقلوي الخائف من صعود الخطاب القومي. إن تغيير الاستراتيجية عام 2017، والتي كان يمكن أن تثبت فعاليتها في كسب الطبقات الشعبية، كلّف ميلانشون بالضرورة خسارة كبيرة في الأصوات تم تعويضها بشق الأنفس بجمع كل ما يمكن جمعه فعلياً من المحسوبين على اليسار (حركة بنوا آمون مثلاً المنشقة عن الحزب الاشتراكي والتي حصلت على 6.36% في 2017 ولم ترشح أحداً في 2022).

وغني عن البيان أن التجميع كيفما اتفق لن يصمد أمام تقلبات الأوضاع وتموجات السياسة، خاصة حين نعلم أن نصف المصوتين لميلانشون فقط في 2022 اختاروه اقتناعاً ببرنامجه، بالمقارنة مع 70% في حالة لوبان و85% في حالة إريك زمور (حصل على 7.07% في انتخابات 2022 وهي نتيجة هائلة للصحافي الداخل الجديد إلى الحلبة السياسية منذ بضعة أشهر لا غير). وحركة سياسية على هذا القدر من التباين الداخلي بين أهداف كوادرها أنفسهم والخارجي لجهة تطلعات من يفترض إنهم جمهورها، لا يمكنها إلا أن تكون بناءً شديد الهشاشة يبدو صلباً اليوم بفضل شخصية قائدها وكاريزميته وحدهما فقط، ويمكن توقع تفجرها بعد رحيله عنها والذي أعلنه بشكل غير مباشر في خطاب مساء الجولة الانتخابية.

لم ولن يتمكن ميلانشون من تنشيط العازفين عن التصويت واستمالة الأصوات الشعبية من مارين لوبان، بل بحث عن صوت بديل ووجده لدى "المهمشين". لكن نسبة التصويت العالية له تؤشر رغم ذلك على أمر قد يكون مهماً في فهم ما يحصل: الطبقات الوسطى المدينية باتت الآن أكثر ميلاً لإزاحة الماكرونية حتى لو عنى ذلك قفزاً في المجهول مع ميلانشون الراغب في تجاوز الجمهورية الخامسة. يبدو أن الإفقار الذي أنتجته سياسات الرئيس وخوف برجوازية المدن الصغيرة (الـ30% الشهيرة) على مكاسبها يدفعان بها أكثر فأكثر إلى أحضان البديلين الشعبويين الأكثر قوة: ميلانشون ولوبان.

لوبان: صعود الشعبوية اليمينية

أما زعيمة التجمع الوطني، فهي في صعود مستمر وثابت لا يعرف خضات كبرى في الانتخابات الرئاسية بنتيجة صلابة القاعدة الشعبية اليائسة من تحسين أوضاعها في ظل النموذج المعولم/الماكروني من جهة والقانطة من الخطاب اليساروي/الميلانشوني الذي لا يأخذ بالاعتبار همومها الأكثر عمقاً من جهة أخرى. يبقى حزب ميلانشون مهما كانت ادعاءاته عن نفسه حزباً للبرجوازية الصغيرة المدينية أساساً والعاملة في القطاعات المأمونة التي تحميها دولة الرفاه الاجتماعي، بينما يلتف حول لوبان العمال الأقل أجراً والموسميون والعاملون بالقطعة والفلاحون والعاطلون الريفيون، وهم يزدادون عدداً وفقراً مع مرور السنين.

وليس أفضل لإثبات ذلك من العودة إلى الخريطة: تقاسمت لوبان وماكرون المناطق الفرنسية الـ11 الباقية، حيث حلت في المرتبة الأولى في خمس منها هي الأفقر بينما حصد الرئيس المنتهية ولايته الست الباقية. أما إذا كبرّنا زاوية الرؤية ونزلنا إلى مستوى الأقاليم (98 إقليماً) فإن النتيجة الواضحة تلك تصبح صارخة أكثر بعد. فيما عدا أقاليم ما وراء البحار (التي تحتاج تفكيراً خاصاً)، جاءت لوبان أولاً في الأقاليم الـ25 الأقل دخلاً على مستوى الفرد في البلاد وتنافست على مراكز متقدمة مع غيرها في الأقاليم الباقية الأكثر غنى بقليل والتي تظل رغم ذلك فقيرة. مما لا شك فيه الآن أن الطبقات الشعبية تصوّت للتجمع الوطني، وهو السؤال الذي يتجنب اليسار طرحه جدياً مكتفياً إما بالبلاغة الشعارية المناهضة للفاشية أو بتوبيخ من يفترض أنهم ناخبوه الطبيعيون باعتبارهم عنصريين أو جهلة.

مارين لوبان تصوت في الدورة الأولى من انتخابات 2022 الرئاسية
مارين لوبان تصوت في الدورة الأولى من انتخابات 2022 الرئاسية © أسوشيتد برس

الإرث العائلي منذ أيام جان ماري لوبان وجبهته الوطنية واستراتيجية "نزع الشيطنة" التي اعتمدتها الابنة مارين ومرّت بتغيير اسم الحزب، بالإضافة إلى التجذر التاريخي في المناطق والاستفادة من مشاعر النقمة المتصاعدة ضد ماكرون وأسلافه من "الوسطيين المتطرفين"، يساعد كل ذلك في تثبيت أقدام القوميين وإتمام حلولهم تماماً في كل مكان كان يسيطر عليه الشيوعيون في السابق. لكن عاملين آخرين يمكن أخذهما بالحسبان بالنظر إلى انتخابات 2022: أولاً إن الخضة التي أنتجها دخول إريك زمور الحياة السياسية جعلت بالفعل صورة لوبان أكثر قبولاً وأمنت لها عدداً لا يستهان به من المصوتين الذين ما كان ليخطر لهم التصويت لها في السابق بسبب التصاق وصمة "اليمين المتطرف" بها، وثانياً أنها تستفيد من تحول حزب ماكرون الذي بشّر بالديناميكية والحركة والشباب إلى حزب كبار السن المتقاعدين من البرجوازية اليمينية واليسارية.

مرة أخرى، يكمن الفرق الأساس بين النسختين الشعبويتين الخارجتين على الوسطية الماكرونية في القاعدة الشعبية "الثورية" الصلدة قليلة التغيّر والرافضة للنموذج الاقتصادي التي تتمتع بها لوبان مقابل قاعدة ميلانشون "المحافظة" العائمة والتي لا وجه طبقياً جدياً واضحاً لها والتي تتغير تبعاً لاستراتيجيات الإقناع والجذب التي تعتمد في هذه اللحظة أو تلك والراغبة فوق كذلك بالحفاظ على النموذج العائد عليها بالمنافع. ذكرت هذه الانتخابات، كما كان حال انتخابات 2017 الرئاسية وانتخابات المحليات عام 2020، بالحقيقة العارية للواقع الاجتماعي في فرنسا وساهمت في مزيد من تفسخ خطاب النخبة السياسية.

ينضم الخطاب المثقف لزمور إلى الخطاب الشعبي للوبان ويدفعان بزعيمة التجمع الوطني إلى حدود 30.22% من الأصوات المضمونة وحتى قبل إضافة أصوات القوميين الآخرين وكارهي ماكرون من "أنصار" ميلانشون (يقدرهم البعض بحوالي ثلث ناخبيه) والوطنيين السياديين حتى من الشيوعيين، كما تبقى فرضية تحرك العازفين عن التصويت حجر الزاوية في تحديد هوية الرئيس الجديد والتي يصعب التنبؤ بمستواها في هذه اللحظات.

جدير بالذكر كذلك، أن الانتخابات الفرنسية تؤشر أكثر فأكثر على ضعف فعالية متزايد لسياسة "أي شيء ما عدا اليمين المتطرف" التي تقودها وسائل الإعلام بحماسة. إن حصول مارين لوبان على 40% هذه المرة (مقارنة مع 33.90% في 2017) سيعتبر هزيمة كبرى لما كان ليونيل جوسبان يسميه "مسرحية معاداة الفاشية" التي يتم لعبها كل مرة ضد الحزب اللوبيني لإنجاح مرشح الوسط. ولكنه يعني أيضاً، كما يقول كريستوف غويلي، أن "جزءاً كبيراً من الفرنسيين مستعدون لأن يقوموا بتصويت غير مقبول أخلاقياً لتغيير أوضاعهم، لفعل أي شيء ليقولوا إنهم موجودون وهذا يقول الكثير عن مستوى الاستياء" المتنامي في البلاد.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم