هل ساعدت الحرب الأوكرانية فرنسا على إزاحة ألمانيا عن عرش أوروبا؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولز AP - Michel Euler

أعادت الحرب في أوكرانيا خلط الأوراق في المشهد السياسي العالمي وتحديدا في أوروبا حيث ظهرت هشاشة دول عدة خصوصا من ناحية الطاقة والعسكر، لكنها سمحت لدول أخرى أن تظهر نقاط قوتها الاستراتيجية، لتأتي لعبة الجيوبولتيك وترفع ثقل باريس في الشؤون الأوروبية، وتقلص دور برلين في الوقت نفسه. هذا ما استخلصه أمبروز إيفانز بريتشارد، الصحفي المختص في الأعمال الدولية في مقال له عبر صحيفة "ذي تلغراف" البريطانية.

إعلان

ويرى الكاتب أن فرنسا تتمتع بنظام طاقة موثوق به، وإن كانت تشوبه بعض الشوائب. كما تمتلك أسس قطاع زراعة صناعية صلب اكتسب قيمة استراتيجية في عالم تهدده أزمة غذاء جديدة. إلى ذلك، لدى فرنسا جيش مسلح مرموق، وقوة ردع نووية قادرة على الضرب على المستويات التكتيكة والاستراتيجية.

في المقابل، لا تمتلك ألمانيا أيا من هذه المقومات، بحسب بريتشارد. وأضاف: "أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن 16 عاما من الاستثمار العام المنخفض والاعتماد التجاري المشدد على روسيا والصين تحت قيادة أنغيلا ميركل، أدى إلى تدهور البلاد، مما جعلها تتعثر مع عودة العالم إلى طابع تقليدي" في ظل الحروب والأزمات.

وأشار بريتشارد إلى أن تبدل الموازين الأوروبية لا علاقة له كثيرا بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فنقاط القوة الهيكلية لدى فرنسا كانت لتظهر أيضا حتى لو وصل أشخاص آخرون لسدة الحكم.

باريس تضغط ضد استراتيجية "من المزرعة إلى الشوكة"

وفي وقت ترتفع فيه الأسعار الغذاء إلى مستويات قياسية جراء حرب الأوكرانية، اغتنمت باريس الفرصة لتعطيل استراتيجية "من المزرعة إلى الشوكة" التي كان الاتحاد الأوروبي بصدد إقرارها.

يذكر أن هذه الاستراتيجية الخضراء، المدعومة من ألمانيا ودول الشمال، كانت تسعى للحد إلى خفض استخدام المبيدات إلى النصف بحلول عام 2030 وتقليل استخدام الأسمدة الكيماوية بنسبة 20٪، لكنها تحمل تداعيات سلبية على عائدات قطاع الزراعة الصناعية الفرنسية.

لذلك، ستركز أولويات ماكرون على إعادة الاهتمام بالإنتاج، خاصة وأن روسيا أصبحت تستخدم سلاح الأمن الغذائي. وكان ماكرون قد شرح سابقا أن هذه الخطة تستند إلى "عالم ما قبل الحرب في أوكرانيا، وستخفض الإنتاج بنسبة 13%".

النووي الفرنسي عنصر استراتيجي بوجه الغاز الروسي

أما حول موضوع الطاقة، رأى المقال أن أسوأ أزمة غاز في الذاكرة الحية أنهت حقبة مكنت ألمانيا من تصدير أيديولوجيتها المعادية للطاقة النووية من خلال قوانين الاتحاد الأوروبي. إلا أن برلين لم يعد بإمكانها بعد الآن منع فرنسا من تصنيف الطاقة النووية على أنها شكل من أشكال الطاقة النظيفة بموجب الصفقة الخضراء الأوروبية التي تبلغ قيمتها تريليون يورو، مما يفتح تدفقات استثمار كبيرة.

وأتت الحرب الأوكرانية كمساعد لتأهيل الصناعة النووية الفرنسية، التي لا تزال توفر 70٪ من احتياجاتها من الكهرباء، والتي كانت تعاني من مشاكل مهمة.

لكن رغم هذه المشاكل، أثبتت الطاقة النووية الفرنسية أنها عنصر استراتيجي في وقت الأزمات، وبات قيمة في عيون الأوروبيين في وقت يحاولون فيه خفض اعتمادهم على النفط والغاز الروسي.

وتابع المقال: "تجد ألمانيا الآن صعوبة لتفسير سبب إغلاقها 3 مفاعلات في بداية 2022 كانت تعمل بشكل جيد، ونيتها إغلاق المفاعلات الثلاثة الأخيرة في وقت لاحق من هذا العام، مع إصرارها على رفض فرض حظر على الغاز الروسي واعتباره أمرا مؤلما للغاية ولا يمكن التفكير فيه".

كما أن مساحة فرنسا وارتفاعها عن سطح البحر يشكلان عاملين لإطلاق مشاريع ضخم للطاقة الشمسية بتكلفة منخفضة. هذه المشاريع يمكن أن تحول فرنسا إلى عمود فقري لاستراتيجية تأمين الطاقة للاتحاد الأوروبي.  

فرنسا القوة العسكرية العظمى الوحيدة للاتحاد الأوروبي

أما فيما يتعلق بالشق العسكري، فقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن الضرر الكامل الذي خلفه 15 عاما من اقتطاع الأموال عن الجيش الألماني وعدم الاهتمام بتسليحه، بحسب بريتشارد.

فيما فرنسا هي بلا منازع القوة العسكرية العظمى الوحيدة للاتحاد الأوروبي، وهو ما بإمكانها الاستفادة منه على طاولة مباحثات الاتحاد الأوروبي.

ما قد يفسد البهجة؟

لكن ما قد يفسد فرحة الفرنسيين بتبدل الأحوال داخل أوروبا، يكمن في مسارهم المالي السيء مع تسجيل أعلى عجز هيكلي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). فقد وصل الدين العام إلى مستويات كبيرة عند عتبة 116٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة 18 نقطة منذ بداية وباء كورونا. واتسعت فجوة الديون مع ألمانيا إلى 50 نقطة مئوية.

ويوضح المقال: لكن ذلك يفقد أهميته بمجرد أن تضع باريس يديها على "بطاقة ائتمان" برلين من خلال "كيان مالي" دائم في الاتحاد الأوروبي، وهو تعبير ملطف لخزانة الاتحاد الأوروبي القادرة على جمع الديون بشكل جماعي.

فقبل الحرب، كانت آمال فرنسا قد أحبطت في تحويل ديون صندوق التعافي جراء أزمة كوفيد التي وصلت كلفتها إلى 800 مليار يورو، لديون جماعية على عاتق الاتحاد الأوروبي مجتمعا... إلا أن حرب بوتين أتت لإنقاذ باريس. فهل ستستفيد فرنسا من هذه الفرصة؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم