تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيرين إدلبي: "النسوية الإسلامية إطناب لا لزوم له لأن الإسلام مساواتي"!

يوتيوب / مونت كارلو الدولية
نص : علاء خزام
14 دقائق

في الخمسينات والستينات، رفدت الماركسية بتشكيلاتها وتياراتها المتنوعة حركات التحرر الوطني المعادية للاستعمار بالمقاتلين والمناضلين السياسيين الأشهر كما بالمثقفين والمنظرين الفكريين الكبار.

إعلان

وكان التعبير عن الرغبة في تجاوز البنية البرجوازية/الرأسمالية (العظيمة في إنجازاتها والعظيمة في إخفاقاتها وعدم عدالتها) يتم استناداً إلى تحالف موضوعي واجب بين شغيلة جميع الأمم باعتبار ظرفهم الاقتصادي وشرطهم الاجتماعي. بعد إخفاق محاولة 1968 الفرنسية وظهور الدراسات الثقافية واختصاصات ما بعد الاستعمار الجامعية وغيرها، تغير الأمر وبات الحديث يجري باستخدام ترمنولوجيا محض ثقافية: الثقافات المضطهدة، تقاليد الشعوب الأصلية المقموعة بواسطة مدحلة رأسمالية استعمارية وعنصرية، "الحق" المغدور في التباين عن الغرب واختيار طريق التنمية "الخاص"... وغير ذلك. العودة إلى الأصول الروحية (ونتيجته شبه الحتمية من نسيان أو التعمية على العالم ومشكلاته الواقعية فعلاً أو ردها تبسيطياً إلى عنصرية غربية ما) و"احترام" الخصوصيات الثقافية والتنوع (أي قبول الاختلاف إلى أقصى حد ثم تثبيت الاختلافات "الطبيعية" بين البشر وتعريفهم بأصولهم الثقافية والذي استخدم أسوء استخدام من قبل أعتى الديكتاتوريات في العالم الثالث) هو "ثيمة" عصرنا اليوم والذي يجد محازبين وحلفاء في أوساط يسار ليبرالي أوروبي مأزوم إلى أقصى حد.

اخترنا هنا ترجمة نص المقابلة الكاملة التي أجراها ميغيل أنخيل ميدينا لصحيفة "الباييس" الإسبانية مع الناشطة والكاتبة الإسبانية السورية سيرين إدلبي السباعي (1982)، الكاشفة والمعبرة بأفضل ما يمكن عن "خطاب" هذا التيار: النسوي المعادي للنسوية، الحقوقي المعادي لحقوق إنسان كونية، المعادي لفظياً للاستعمار... باعتبار كل ما سبق منتجات ثقافية غربية. اخترنا كذلك الإبقاء تقريباً على العنوان الممتاز الذي اختارته "الباييس" والذي يمكن قراءته وفهمه بوجهين متناقضين.

------------------------------------------------------------------------

ما هي النسوية بالنسبة إليك؟

هي حركة تدافع عن حقوق المرأة وتناضل ضد انعدام المساواة ومن أجل المساواة بين الرجل والمرأة، أي المساواة بين الجميع.

لماذا تعتقدين أن هنالك في النسوية نوعاً من الاستعمار الثقافي؟

لأن النسوية القمعية قامت بفرض سلسلة من الخطابات وتوجهت نحو ذات معينة، والتي تنحصر في النساء البيض، الغربيات، البرجوازيات... وكما قلت شاندرا تالباد موهانتي Chandra Talpade Mohanty، فقد استبعد هذا النوع من النسوية جميع النساء المنتميات إلى ما يسمى بالعالم الثالث، وذلك كجزء من الإقصاء، بمعنى أنها طالبت بالمساواة بين الرجال والنساء الغربيين دون أن تدرج بتاتاً نساء من ثقافات أو حضارات أخرى.

كيف تُتَرجَم هذه الرؤية؟

يمكن رؤية ذلك بوضوح في الخطابات حول النساء المسلمات، العنصرية والمعادية للإسلام بكل وضوح، حيث يتم تمثيل ما أسميه في كتابي "المرأة المسلمة المحجبة" كمحض موضوع للدراسة وليس أبداً كذات في حد ذاتها. تمثل المرأة المسلمة كمتخلفة وأمية وسلبية ومكبوتة جنسياً... إلخ. إن بناء هذه المرأة ككائن سلبي هو الذي يقودنا إلى إمكانية بناء الخطابات المتناقضة، أي التعارض المزعوم بين النسوية والإسلام ورفض النسوية الإسلامية. إلى جانب ذلك، فإن هذا يقودنا إلى رؤية الإسلام باعتباره ديناً قمعياً معادياً للديمقراطية ومتعارضاً مع حقوق المرأة. باختصار، تستجيب هذه الرؤية للأجندات الاستعمارية. على سبيل المثال، عندما غزت الولايات المتحدة العراق قالت إنها تريد تحرير النساء العراقيات. إن قضية المرأة تتجاوز كل هذه الصورة المبنية عن الإسلام والتي تخفي المصالح الجيوسياسية للغرب في البلدان ذات الغالبية المسلمة. وعلاوة على ذلك، يمكن لهذا الرأي أن يؤدي إلى الاعتقاد بأن كل ما يتم القيام به في الغرب يكون ضمن مجال المساواة، وهذا ليس صحيحاً، هنا أيضاً يتوجب النضال ضد النظام الأبوي.

مسألة الحجاب حاضرة في الحركة النسوية العربية. الناشطة النسوية الجزائرية وسيلة تمزالي قالت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي إن "وضع الحجاب لا يتوافق مع أن يكون المرء نسوياً".

برأيي فإن وسيلة تمزالي هي شخص استعماري في العمق وخطاباتها معادية للإسلام. تمزالي، كما نسويات أخريات، حافظت على الفرضية القائلة بأن القرآن لا يتوافق مع النسوية. ولكن أي شخص لديه معرفة بسيطة باللغة العربية والإسلام يعلم أن هذا ليس صحيحاً. وفيما يتعلق بمسألة الحجاب، يجب القول إنها قد استغلت مرات عديدة في الغرب لإخفاء أجندات اجتماعية وسياسية استعمارية، بينما عملت القطاعات ذات النزعة الأبوية في المجتمعات الإسلامية على احتكارها. وكلا الطرفين يحتكران قضية الحجاب، المعترضون عليه والراغبون في فرضه. علينا أن نفهم معنى الحجاب: الكثير منا نحن النساء المسلمات نفهم الحجاب انطلاقاً من روحانية محددة ونعطيه معنى تحررياً.

ولكن النسويات العربيات أنفسهن تمردن على فرض الحجاب. أفكر على سبيل المثال بهدى شعراوي التي نزعت حجابها فور قدومها إلى القاهرة عام 1924.

ما نزعته هدى شعراوي كان الحجاب الذي يغطي الوجه بكامله، وليس الحجاب [الذي لا يغطي سوى الشعر]، وكان هذا يرمز إلى قراءة جديدة تماماً. يبلغ عددنا نحن المسلمين أكثر من 1600 مليون نسمة، هناك وجهات نظر مختلفة بشأن كيفية تنفيذ ذلك، هناك لغات وثقافات مختلفة. إن أول ما تفعله معظم الخطابات حول الإسلام هو إلغاء هذه التعددية وتحويلها إلى شيء قابل للاستعمار. عاشت شعراوي في سياق مختلف جداً حيث ظهر أيضاً الفكر الإسلامي الإصلاحي، والذي أعتبره استعمارياً كذلك، لأنه يستخدم الأسس الأبستمولوجية للحداثة المتمركزة أوروبياً والثنائيات من نوع: الحداثة/التقليد، الإسلام/العلمنة... أي ما أسميه في كتابي بـ"السجن الأبستمولوجي الوجودي".

ما هي الأخطار التي يتمخض عنها هذا "السجن"؟

التعتيم على الأصوات المتعددة للنساء المسلمات، فمن لديه الحق في أن يقول إن النساء اللواتي يتحدثن عن حقوق المرأة في الإسلام ليس لديهن الحق في تقديم قراءات خاصة بهن؟ هذه نظرة جنسانية في العمق، وتفترض أن القطاعات الأبوية في العالم الإسلامي هي تلك التي تحتكر تفسير الإسلام. السجن الأبستمولوجي-الوجودي يعلمنا بما هي المواضيع التي يمكن أن يتم الحديث عنها ومن الذي يستطيع أن يتحدث. إن لهذا هدفاً وهو بناء ذات الرجل الأبيض الغربي الرأسمالي الأبوي. وكل تعبير يخرج عن هذه البنية النظرية التي شرحها فوكو يتم إسكاته من قبل النظام.

رغم ذلك فإن نقاشاً كهذا لا يمكن أن يوجد إلا في البلدان التي تتمتع بحرية دينية.

الحالتان اللتان يفرض فيهما لباس معين على المرأة هما السعودية وإيران. ولكننا نحن المسلمين 1600 مليون ولا يتم الحديث عن الحالات الأخرى. حتى وقت قريب لم يكن في وسع النساء في تركيا ارتياد الجامعة مع الحجاب، وكذلك هو الحال في تونس.

لا يمكن إنكار وجود النظام الأبوي في الدول العربية والإسلامية كذلك.

لا أنكر أن هناك بعض البنى الأبوية العنيفة في المجتمعات ذات الغالبية العربية والمسلمة. ولكن يجب القيام بتحليل عميق للواقع الاجتماعي والسياسي: لا يمكن القول إن حالات التمييز ضد المرأة بسبب جنسها مرتبطة فقط بالمجتمعات الإسلامية، لأن هذا القول عنصري. في هذا التحليل، أزعم أننا لا يمكن أن نفهم الشخص ذا النزعة الأبوية في المجتمعات الإسلامية دون أن نفهم قبل ذلك كيف قام الاستعمار باستعمار هذا الشخص. تقول فاطمة المرنيسي في كتابها "حريم الغرب" إن هناك أنواعاً مختلفةً من الأبوية في كل المجتمعات، وبينما تتحرك الأبوية في المجتمعات الغربية عبر الزمن، فهي تتحرك في المجتمعات العربية عبر المكان. ما أقوله هو أن المرنيسي لم تأخذ بعين الاعتبار واقعة استعمار النظام الأبوي الغربي لكل الأبويات الأخرى في جميع أنحاء العالم وما فعله النظام الأبوي الغربي كان تعزيز الهياكل الأبوية للمجتمعات المستعمرة.

تعمد وسائل الإعلام التي تمولها إيران والسعودية إلى فرض رؤية شديدة التظرف عن الإسلام.

ولهذا نحن في حاجة إلى فكر إسلامي نازع للاستعمار، كما أقترح أنا. فكر يقوم بعمل متنوع لتعرية الخطابات الاستعمارية، وكذلك الخطابات الأبوية القادمة من إيران والسعودية، اللتين لديهما قراءات رجعية للإسلام. برأيي، فإن هذه القراءات هي الوجه الآخر للرأسمالية النيوليبرالية، وهي جزء من نفس النظام النيوليبرالي الذي ينتج أصوليات على جميع المستويات. ترامب ليس معادياً للنظام. إنه النظام وقد تمت تعريته.

لماذا لا تعتبرين نفسك نسوية إسلامية؟

أعرف نفسي كمفكرة مسلمة تعمل على نزع الاستعمار. ورغم أني أشارك العديد من أفكار النسويات الإسلاميات، فإني لا أستخدم هذا الاسم لأنني أعتبر الحديث عن النسوية الإسلامية نوعاً من الإطناب الذي لا لزوم له فالإسلام يساوي بين جميع البشر ويدافع عن حقوق الجميع. الإسلام ليس ديناً، فالدين هو مفهوم استعماري تم بناء الواقع من خلاله. بالنسبة لي، الإسلام هو شكل من الحضور ومن الوجود في العالم.

بعض آيات القرآن ذات نزعة أبوية ومنها "الرجال قوامون على النساء (...) واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (...)". كيف يتناسب هذا مع رأيك في أن هذه الحضارة مساواتية؟

فيما يتعلق بهذه الآيات قام عدد من الرجال والنساء بتعديل ترجماتها وأظهروا كيف أن هذه التأويلات خاطئة وكيف أن من قدمها هم من الرجال المعادين للمرأة. في العلوم الإسلامية يتم فهم كل مصطلح وفق الكيفية التي يستخدم بها في القرآن ككل، وفي القرآن يرد الفعل "ضرب" بمعنى "أبعد/يُبْعِدُ" وبالتالي يصبح المعنى في الآية "أبعدوهن". فلماذا يجب أن يكون المعنى هنا "الضرب" على وجه التحديد؟ هذا يضفي الشرعية على القراءة الأبوية. لا يمكن الاستنتاج أن القرآن إذا ما تمت تأويله جدياً باللغة العربية هو كتاب أبوي، بل إنه على العكس مساواتي بشكل واضح. ليس فيه أي آية ضد المرأة.

وماذا عن تعدد الزوجات الذي يسمح به للرجال فقط؟

في القرآن هناك آيات صالحة لكل زمان ومكان وأخرى يمكن تأويلها بقدر أكبر من الحرية، ويجب علينا أن نؤولها بما يتناسب مع زمننا الذي نعيشه. من الواضح أن المجتمع العربي في عام 622 ليس المجتمع العربي المعاصر، وأن إسبانيا لم تعد شبه الجزيرة العربية التي كانت في ما مضى.

تتحدثين في كتابك عن نسويات بديلة. ماذا تقصدين؟

أقصد نسويات اللاتينوس الأمريكيين ونسويات السود والنسويات الإسلامية. ومن كل هذه النسويات يمكننا أن نتعلم أن فهم وضع جميع النساء لا يمكن أن يستند فقط على الجنس، لأن هناك أيضاً تأثيرات تأتي من العرق والحضارة والطبقة الاجتماعية.

الملفت للنظر في النقاشات العامة أنه نادراً ما تُعطَى المرأة المسلمة الحق في الكلام.

يتم الحديث عن النساء المسلمات ولكن لا يسمح لهن بالكلام. وحين يتحدثن تتم إعادة تفسير كلامهن، أي لا نتركهن يقلن ما يردن بل ما نريد أن نسمعه.

ما رأيك بالحظر المفروض على "البوركيني" في بعض الأماكن في أوروبا؟

يقع هذا في نطاق ما يسميه أنخيليس راميريث Ángeles Ramírez بـ"فخ الحجاب"، أي ذريعة للسيطرة الأبوية على أجساد النساء، سواء لفرض لباس ما أو لفرض التعري. الشيء البارز هنا هو أن كل هذا يدخل ضمن الأجندات الاجتماعية والسياسية لكيفية التعامل مع الإسلام والمسلمين في الغرب. هنالك انحراف فاشي مخيف للغاية بلغ ذروته مع ترامب. ونحن نتجه إلى محرقة (Holocausto) بحق المسلمين. إنه لأمر فظيع فعلاً. أنا أؤيد حرية النساء والرجال في ارتداء ما يشاؤون.

ماذا نفعل مع دول مثل السعودية التي تفرض هذا اللباس؟

يجب أن نتوقف عن دعمنا للأنظمة الديكتاتورية وبيعها السلاح بدون أدنى شك. سواء تعلق الأمر بالسعودية وبالنظام الديكتاتوري في سوريا. إن وضع المرأة يزداد تردياً في سياق الأنظمة الديكتاتورية التي لا يوجد فيها حرية بشكل عام.

عنوان كتابك "سجن النسوية" استفزازي للغاية. من الذي تريدين استفزازه؟

أريد استفزاز النقاش وأن نسائل نظام الأشياء والمفاهيم التي نستخدمها، أن نحدث صدمة تزعزع هذه الخطابات التي تنطلق من قاعدة عنصرية وكارهة للإسلام، وأن نسائل الموقع الذي نتكلم منه وكيف نتكلم.

الاستشراق، أي تلك الرؤية الخاصة عن الشرق التي تحدث عنها إدوارد سعيد، يؤثر في المجتمعات الإسلامية. لماذا تعتقدين أنه يؤثر على النساء أكثر من الرجال؟

لأن النظام في جوهره أبوي وجنساني. لذلك أقول إن لا حاجة بنا للحديث عن إسلاموفوبيا على أساس الجنس. حين نقول إسلاموفوبيا يفهم فوراً أنه أبوي. من جهة أخرى فإن ممارسات أجهزة السلطة التي تصنع الإسلاموفوبيا تنطلق من هياكل معادية للمرأة وأبوية. على سبيل المثال، فقد صنعت صورة هذه "المرأة المسلمة المحجبة" لتمثيل ملايين من النساء المسلمات. وكذلك فإن رؤية الحجاب تؤثر على النساء أكثر من الرجال.

وما رأيك في هذه المسألة التي لا تعرف التقادم أي إمكانية التوفيق بين الإسلام والديمقراطية؟

يجب تجاوز هذه الخطابات لأنها تنطلق من مناهج ثقافية ومعرفية عنصرية. يجب أن يتم تجاوزها للوصول إلى فكر إسلامي نازع للاستعمار. يوجد العديد من الحضارات ومن العنصرية الاعتقاد أننا لا نستطيع إنجاز مشروع تقدمي أو مساواتي إلا من خلال المجتمع الغربي. لقد دمرت الرأسمالية الغربية العالم وسحقت البيئة وتعاملت بظلم مع النساء. هنالك ثقافات أخرى أكثر احتراماً للطبيعة وللبشر، ولها الحق في التفكير انطلاقاً من مفرداتها ومفاهيمها ونظرتها للعالم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.