تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

السينمائي نبيل عيوش: فيلمي الجديد يرصد الاستيلاء على التربية والحرية الفردية

ملصق فيلم "غزية" للسينمائي المغربي الفرنسي نبيل عيوش
نص : جلال المخفي
13 دقائق

بعد مرور أكثر من سنتين على فيلمه الممنوع من العرض في المغرب "الزين الي فيك"، بسبب الجدل الذي أثاره بعدما وصفه كثيرون بـ"الساخن" و"المسيء لصورة المجتمع"، يعود المخرج المغربي نبيل عيوش (1969) بفيلم جديد يحمل عنوان "غزّية" بدأ عرضه في صالات السينما المغربية في منتصف شباط/فبراير 2018 وفي الصالات الفرنسية ابتداء من الرابع عشر من آذار/مارس 2018.

إعلان

في هذا الحوار، يتحدث نبيل عيوش لـ"مونت كارلو الدولية" عن أحداث ومواضيع فيلمه الجديد "غزية"، والعودة للعرض في المغرب بعد مرور سنتين على منع فيلمه الأول.

نبيل عيوش تعود اليوم بفيلم جديد يحمل عنوان "غزية"، بعد غياب دام أكثر من سنتين، بعد فيلم "الزين اللي فيك" الذي أثار جدلا واسعا وقررت السلطات منعه. ما هو إحساسك اليوم بعد سنتين من الغياب والمنع؟

قبل كل شيء، أنا سعيد بالعودة للعرض في المغرب، وفي الوقت نفسه أنا مقتنع أكثر أنه يجب الدفاع عن حرية التعبير في المغرب، ليس لأن المغرب أسوأ حالاً من باقي دول المنطقة، بل أني أظن أننا أحسن حالاً على بعض المستويات. لكني أعتبر أننا تراجعنا على عدة مستويات كحقوق المرأة، ولأني أظن أيضاً أن ما حصل لي بخصوص فيلم "الزين اللي فيك (Much Loved) شيء حزين، وأيضاً خطير.

منعُ فنانٍ من التعبير والتنديدُ به واتهامُه لأنه أنجز فيلماً جرحني في العمق وهذا الجرح لم يندمل بعد إلى اليوم.

كيف وجدت تفاعل الجمهور في الرباط، وكذلك الدار البيضاء، حيث جرت العروض الأولى للفيلم، خاصة بعد التعليقات العنيفة التي صاحبت فيلم "الزين اللي فيك"؟

لا أخفيكم سراً أني كنت متأثراً جداً بردود فعل الجمهور عند الخروج من صالة العرض في الدار البيضاء وأيضاً الرباط. ردودُ فعل صدرت عن شباب كثر ليسوا فرنكوفونيين يدرسون في البعثات الأجنبية بل من شباب المدارس العامة الذين التقيتهم وكانوا على درجة عالية من الوعي وفهموا كل شيء على عكس ما يظن بعض مسؤولينا. لقد فهموا الفيلم على كل حال وما أردت قوله عبره، ومن خلال الشهادات التي تلقيتها فهمت أن الفيلم قريب جداً منهم ومن اهتماماتهم. في البداية قال لي البعض إن هناك خمس شخصيات تتحدث عن مغرب الأمس ومغرب اليوم، فهل سيكون الفيلم معقداً عليهم فهمه؟ أقول إنه يجب علينا التوقف عن استصغار فهم الناس، فالجمهور ذكي ويفهم ويحس حينما يتفاعل مع شيء يعكس أو لا يعكس اهتماماته، وقد شعرت أن الفيلم يتحدث للجمهور وهو ما أراه أيضاً في الصحافة الناطقة بالفرنسية وبالعربية التي اطلعت عليها.

ما الذي يرمز له عنوان فيلمك الجديد "غزية"؟

"غزية" هي الذهاب إلى مكان ما ليس ملكاً لك والاستيلاء على كل شيء. معناها الأصلي في اللغة العربية هو "الغزوة"، هذا ما كان يتم في عهد الحروب الكبيرة في بداية الدعوة الإسلامية. واليوم أردت أن أضفي على هذه الكلمة معنى مجازياً، حيث أردت القول إنه تم الاستيلاء اليوم على كثير من الأشياء ومن بينها التربية والحرية الفردية.

في هذه النقطة بالذات قلت إنك أردت أن تتناول مسألة الحريات الفردية والحرية بشكل أساسي. لماذا اختيارك لهذا الموضوع في فيلمك الجديد؟

لأنني أحسن نفسي قريباً جداً من الأقليات، فأنا أولاً كبرت في أحد أحياء الضواحي الباريسية، وفي منطقة "سارسيل"، بمحاذاة الهامش وغير بعيد عن مركز كل ما يحدث، وفي مدينة فيها نوع من "الطائفية". وحينما وصلت للمرة الأولى إلى المغرب، كنت مصدوماً جداً للطريقة التي تُعامل بها الأقليات. مسألة ألا يتم الانتباه إلى هذه الأقليات أو الاستماع إليها، وفي بعض الأحيان إخفاؤها أو محاكمتها وإدانتها، جعلتني بسرعة أحس أنني منجذب إليها، كما جعلتني أحس أن مسألة مكانة المرأة تستوقفني، حيث وجدتها حاضرة بقوة في الفضاء الخاص، وشبه غائبة عن الفضاء العام. في السياسة والاقتصاد والمقاولة وما إلى ذلك... وهكذا تكونت بشكل طبيعي الرغبة في أفلامي في إعطاء الكلمة لهؤلاء الذين لا صوت لهم. فعلت ذلك من خلال فيلم "علي زاوا" حول أطفال الشوارع، ومن خلال فيلم "خيل الله" حول أطفال الهوامش، ومن خلال فيلم "الزين اللي فيك (Much Loved)" حول المومسات. هذا الخيار مرتبط جداً بمسألة الحريات الفردية والحقوق المدنية الأساسية التي ترعرعتُ في ظلها، وأظن أن أي مجتمع يبحث عن التطور اقتصادياً والدخول في الحداثة لم ينجح في ذلك بدون الاعتناء بأقلياته أو حماية الحريات الفردية الخاصة بكل فرد.

فيلم "غزية" للمخرج نبيل عيوش

أحداث فيلمك الجديد "غزية" تجري في زمنين مختلفين. جزء في الثمانينيات، والجزء الآخر سنة 2015 وما بعدها، أي بفارق 33 سنة. هل هي محاولة للمقارنة بين مغرب الأمس ومغرب اليوم؟

لا، بل هي طريقة لتناول لحظتين في المغرب المعاصر، وهما لحظتان مؤسستان وتحملان رمزية لعدة أسباب. بداية الثمانينيات عرفت إصلاح تعريب التعليم العمومي الشهير، وهو بالنسبة لي، وبسبب العنف الذي تم به تطبيقه، قد طبع أجيالاً كاملة من المغربيات والمغاربة الذين نجدهم اليوم يتظاهرون أمام البرلمان والذين نسميهم بـ"حاملي الشهادات العاطلين عن العمل"، وقد وجدوا أنفسهم اليوم وقد فقدوا البوصلة.

أما بالنسبة للحظة 2015 فهي تحمل عدة قضايا، هناك ما حصل لي بعد فيلم "الزين اللي فيك (Much Loved)"، وتتبعتم مؤكداً حفل المغنية "جينيفر لوبيز" وردة فعل الإسلاميين العنيفة، وكذلك قضية "تنورة" فتيات إنزكان، وقضية المثليين... وسلسلة كاملة من القضايا التي توالت وأظهرت أخيرا الحدود بين التقليد والحداثة وضرورة القيام باختيارات مجتمعية لأجل البلاد.

بالنسبة لي فإن اللحظتين في الفيلم مرتبطان في مسارها الزمني.

ركزت على مسألة التعليم، عبر شخصية عبد الله، الذي أصيب بالإحباط التام بسبب فرض تدريس المواد باللغة العربية في إحدى القرى الأمازيغية، لتأتي في نهاية الفيلم وتظهر هذا المعلم بعد ثلاثة عقود وهو يشاهد من نافذة منزله مدينة الدار البيضاء تحترق على أيدي الشباب؟ ما هي الرسالة؟

أظن أن عبد الله حينما تقبل قرار نقله من المدرسة دون أن يقاوم، كانت هزيمته في الواقع نابعة من كونه تخلى عن معركة بدأها من أجل الأطفال، من أجل نقل المعارف ومن أجل الحب الذي كان يحمله لهم، فحين تركهم كان يعرف جداً ما الذي سيحصل، وبعد مرور ثلاثين سنة عندما يرى ويتأمل من وجهة نظره في مجريات الأمور يرى شيئاً كان بالنسبة له حتميَ الحدوث، ونتيجةً لما حصل قبل ثلاثين سنة خلت.

في إحدى لقطات الفيلم الأخرى، يكشف "جو" اليهودي المغربي المقيم برفقة أبيه في الدار البيضاء، لإلياس أن فيلم "كازابلانكا" الشهير لم تصور منه لقطة واحدة في المغرب، بعدما ظل إلياس يعتقد العكس لسنوات. هل المقصود أن المغرب الحقيقي يختلف عن المغرب الرومانسي الذي نراه في الفيلم؟

بالطبع، وأجد أن هناك نوعاً من السخرية حينما أرى أن مدينتي (الدار البيضاء) معروفة في أرجاء العالم عبر فيلم لم تصور منه ولو لقطة واحدة في هذه المدينة. أجد من المؤثر، حينما أتحدث مع المتقدمين في السن في المدينة العتيقة بالدار البيضاء، أنهم يحكون لي لقطات من الفيلم صورت بالقرب من منازلهم أو لقطات شاركوا شخصياً فيها، حتى صاروا أنفسهم يصدقون ما يحكون. أجد أن من المهم تفكيك أسطورة مثل فيلم "كازابلانكا" -لأن الأسطورة جميلة لكنها يمكن أن تكون مدمرة أيضاً- وذلك من أجل بناء الواقع.

كانت رغبتي أن أعيد صياغة الواقع وأقول إنه لا يمثل مدينة الدار البيضاء... الدار البيضاء هي ما نعيشه... كازابلانكا الخاصة بي هي التي أعيش فيها بشكل يومي.

بالحديث عن الدار البيضاء، صورتها في جو من الفوضى التامة خلال سنة 2015، في حين أن الدار البيضاء لم تشهد أي احتجاجات في هذه الفترة، كما كان العنف مبالغاً فيه: إحراق سيارات، مولوتوف، محتجون بهراوات، مواجهات مع الشرطة... ما الذي كان مقصوداً بهذا العنف غير الواقعي الذي طبع آخر الفيلم؟ هل هي محاولة لاستشراف المستقبل؟

لا شيء في الفيلم يقول إن ما يحدث يتزامن مع سنة 2015. صحيح أن القصص الحديثة للشخصيات الخمس تبدأ في سنة 2015، لكن نهاية الفيلم غير مُؤَرَّخَة. أنا لم أقدم فيلماً وثائقياً لنقل الواقع كما هو، فأنا أكتب قصصاً وأخرج أفلاماً سينمائية وأحاول تجسيد الشخصيات ومعها أفكاري. وكما قلت مسبقاً، هناك جزء كبير من الشباب في العالم العربي يحتاج إلى إجابات عن أسئلتهم فيما يخص العدالة الاجتماعية والكرامة والعمل وما إلى ذلك... وإذا لم تتوفر هذه الإجابات بسرعة، فإننا سنصل في رأيي -وهذا ما شاهدناه في كثير من الدول العربية خاصة في لحظة "الربيع العربي" وغيرها من اللحظات- إلى وضعيات من العنف، وهذا حتمي.

ختمت فيلمك بمشهد بطلة الفيلم "سليمة" وهي أمام الشاطئ وقد احتفظت بجنينها من زوجها رغم أنها أرادت في البداية إجهاضه. ما الرسالة؟ هل يعني أن هناك أمل؟

بالطبع هناك أمل. مادامت هناك حياة فهناك أمل. أنا هنا وأعيش في مدينة الدار البيضاء. أعيش في المغرب وأحب هذا البلد، أحب هذه المدينة وأحب الناس، وأحس نفسي قريباً منهم وأن مكاني هنا وأنه يجب نناضل، والأمل كامنٌ في هذا النضال. وهذا يعني أنه ليس لدينا أمل لأننا نرغب في ذلك. ردود فعل الناس حولي تختلف بخصوص ما يحدث، فهناك الكثير منهم يتركون المغرب ويرحلون، والبعض الآخر منهم لم يعد لديه أمل ويقول إن الأمر انتهى وقد تركنا النضال خلفنا. بالنسبة لي الأمر مختلف، وحتى إن كنا أقلية نفكر بهذه الطريقة، فيجب أن نعرف أنه بفضل عدد من الأقليات تمكنت أمم كثيرة من تغيير قدرها عبر التاريخ. أظن أننا لم نخسر المعركة بعد، فهي مازالت قائمة هنا والآن، ويجب حتماً أن نخوضها للدفاع، ليس فقط عن المكتسبات والحرية الفردية وتقليص المظالم الاجتماعية، بل أيضاً من أجل الحصول على حريات أخرى، ولجعل هذا البلد وهذه المنطقة منافسة، ولا يمكن أن نكون منافسين دون أن نفتح فضاءات للحرية للناس وتركهم يتنفسون وأن نعطي مساحات للشباب. طبعاً هناك أمل وأنا أومن بذلك.

سؤال أخير حول برمجة فيلمك الجديد "غزية" في صالات العرض الأوروبية، وهل لديك مشاريع جديدة تشتغل عليها في الوقت الراهن؟

يبدأ عرض الفيلم في القاعات الفرنسية في 14 آذار/مارس 2018. بداية نيسان/أبريل 2018 في مصر، وكذلك في سويسرا وبلجيكا، تليها بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية حيث اشترى الفيلم أحد موزعي الصالات السينمائية في أميركا، وكذلك موقع "أمازون" أيضاً.

في الوقت الراهن أشتغل على مشروع جديد هو عبارة عن كوميديا موسيقية حول "الهيب هوب". المشروع يتم مع شباب الأحياء المهمشة الذين يعبّرون عن أنفسهم عن طريق "الهيب هوب"، بفضل الكلمة وبفضل الجسد يعبّرون عن جسدهم وعما يشغلهم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.