مقابلة

جورج قرم: " أخشى أن تكون الثورات العربية قد توقفت في مصر وتونس"

جورج قرم، الباحث في السياسة والاقتصاد ووزير المال اللبناني الأسبق، يسلط الضوء على حقيقة الأسباب التي تدفع بالشعوب العربية للانتفاض على حكّامها، والأخطار التي تهدد " الربيع العربي" . حاوره كمال طربيه.

إعلان
سؤال : الكل منشغل بـ"ربيع الثورات العربية" لكن المثقفين العرب جميعا إن لم يكن بمعظمهم فاجأهم هذا "الـربيع العربي"، وأخذتهم التطورات العربية على حين غرّة. هل أنت من بينهم؟ هل فوجئت ؟ 
 
جواب : منذ أمد طويل وفي كل كتاباتي كنت أندّد بشدة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبسوء أداء الاقتصاديات العربية وبانعدام العدالة الاجتماعية وبآفات أخرى في الاقتصاديات العربية. وكنت أقول دائما إن حركات التشدد الديني وحركات الانطواء على الهويات الدينية والعرقية هي نتيجة الأوضاع الاجتماعية البيئية.
 
سؤال : كنت اقصد التوقيت ؟
 
جواب : لا أحد كان يستطيع التنبؤ بموعد الشعوب العربية إلى الساحة بهذا الشكل العملاق، الكبير والمجيد في حالة تونس ومصر حيث تمت الثورات بدون عنف خلافا لما نشاهده اليوم في ساحات عربية أخرى. هناك عنف وهناك شهداء.
 
سؤال : البعض كان يتوقع أن تثور الشعوب العربية على حكامها لأسباب إيديولوجية ولمطالب قومية. تبين أن المحرك الأساسي لهذه الثورات هي المطالب المتعلقة بالحرية، بالديمقراطية وأيضا بالعيش الكريم ؟
 
جواب : هذا صحيح. هي مطالب للكرامة سواء كانت الكرامة السياسية أو الكرامة الاجتماعية. أنا لم أفاجأ بهذا بل وجدتها ظاهرة صحيحة. الأحزاب العربية، سواء كانت الأحزاب العقائدية التقليدية أو الأحزاب الجديدة على نمط الإيديولوجيات الغربية لحقوق الإنسان، لم تفلح في اكتساح الساحة الشعبية. أعتقد أن ما قام به محمد البوعزيزي في تونس من حرق نفسه كانت الشرارة وكانت له دلالة كبيرة للغاية. انطلقت الحركة من قواعد شعبية مضطهدة اجتماعيا ثم انضمت إليها الفئات الوسطى. الاغتراب العربي لعب أيضا دورا كبيرا في إعطاء هذه الثورات ضجة عالمية. وكانت بالفعل حركة عظيمة و ممتازة نفتخر كلنا بها. كتبت بعدها مقالا طلبت فيه من الدول الأوروبية ومن الشعوب الأوروبية أن تثور هي بدورها ضد نظام العولمة الذي سبب متاعب ومشاكل لمعظم الشعوب في العالم.
 
سؤال : ألا تعتقد أنه بالنسبة للطبقات المتوسطة التي كانت هي أساس ومحرك هذه الثورات أن العطش للحرية في مواجهة أنظمة القهر والاستبداد كان المحرك الأساسي ؟
 
جواب : أعتقد وأصر على تحليلي بأن المطالب الاجتماعية للقواعد الشعبية هي الأساس وأن الفئات الوسطى انضمت بمطالب سياسية ضرورية. هناك مكونان أساسيان للحركات الشعبية، وهو المكون الاجتماعي بطلب الكرامة الاجتماعية والاقتصادية وبطلب الكرامة السياسية والحرية وتداول السلطة.
 
سؤال : إنما المطالب الإيديولوجية والقومية كانت غائبة عن الساحة ؟
 
جواب : كانت غائبة تماما وهذا هو سر النجاح لان الساحات العربية تعبت وعانت من الانشقاقات الحزبية ومن التناحر بين الأحزاب وفي بعض الأحيان حتى بين أجنحة الحزب الواحد. قامت انقلابات عسكرية باسم إيديولوجيات عربية. الشعارات التي رفعت خلال هذه الثورات هي أحد أسرار النجاح و كانت شعارات غير إيديولوجية و طالبت بمطالب دقيقة هادفة إلى احتياجات ومشاعر الجماهير الشعبية كما للفئات المتوسطة.
 
سؤال : في مقال نشرته في العدد الأخير من شهرية "لوموند ديبلوماتيك" تقول فيه إن العمى الذي أصاب المراقبين العرب وأيضا الأوروبيين والأمريكيين كان تاماّ فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية، أعني فيما يتعلق بالثورات العربية ؟
 
جواب : هذا صحيح. لأن معظم التحاليل كانت تصدر سواء من جهات سياسية أو من مؤسسات التمويل الدولية، لم يكن فيها أي اهتمام يذكر بالتطور الاقتصادي الحقيقي. كانت فيها بعض الإشارات إلى معدل النمو والى التوازنات أو فائض أو عجز الموازنة العامة و هذا ما يسمى بالاقتصاد الإجمالي. أما ماذا كان يحصل في الأوساط الريفية، فإننا لا نجد أي اهتمام بهذه المسألة. هل يعلم الناس أن متوسط دخل الفرد الريفي في الدول العربية لا يتعدى 300 دولار سنويا ؟ هل يتذكر الناس جيوب الأمية الواسعة الكائنة في بلدان عربية عريقة في حضارتها مثل مصر والمغرب ؟ هل ينظر الناس إلى حالة اليأس عند عنصر الشاب المتعلم في كثير من الأحيان لعدم وجود فرص عمل في بلدانهم؟ وهذا الضبط الاقترابي المتواصل الذي يدل على فشل النموذج التنموي العربي الذي وصفته مرارا وتكرارا بأنه اقتصاد من النوع " الريْعي" ومركز على بعض  المجموعات العائلية التي تستأثر على 80 بالمائة من الثروة الوطنية في معظم الأحيان، وهي على علاقة وثيقة مع أهل الحكم كما تبين هذه المرة بصورة جلية في الثورات التي تمت في تونس و مصر.
 
سؤال : تتحدث أيضا في مقالك عن تواطؤ دنيء  بين الدول التي تمسك باقتصاديات الدول النامية وبين طبقة طفيلية تبيع وتشتري ؟
 
جواب هناك نموذج تنموي استفادت منه الدول الغربية لأن الدول العربية هي الساكنة من ناحية الإنتاج التكنولوجي ومن ناحية وجودها في سوق الابتكار الصناعي على خلاف الدول الآسيوية التي كانت أفقر من الدول العربية منذ ثلاثين أو أربعين سنة. نحن نتّكل على تحويلات المغتربين و تتّكل مصر على عائدات قناة السويس ونتّكل أيضا على تصدير النفط والسياحة حيث القيمة المضافة فيها قليلة. وليس هناك من نشاطات اقتصادية إيداعية تجعل من الدول العربية لاعبة في الأسواق الدولية المعولمة. حان الوقت الآن لنتعلم من الدول التي نجحت في التراكم التكنولوجي والعلمي وفي الإبداعات. كتبت حول هذا الموضوع منذ عشرين عاما في أحدى المؤلفات التي صدرت عام 1980 وتحدثت عن الأزمة التنموية والحضارية العربية وقارنت الركود العربي مع النهضة الإنتاجية لهذه البلدان الناشئة. في كتابي " انفجار المشرق العربي" كتبت كثيرا حول هذا الموضوع و الفصل الأخير من الكتاب يناقش موضوع تصدع الأنظمة العربية وشيخوختها وعدم إمكانية الاستمرار بمثل هذه الأنظمة لأسباب اقتصادية واجتماعية. عام 1981 نشرت كتابا بالعربية تحت عنوان " التنمية المفقودة. دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية" وأشرت إلى كل هذه القضايا الجوهرية.
 
سؤال : تحدثت عن ثلاثة أخطار تتهدد هذه الثورات العربية وتتخوف من أن تكون قد توقفت في مصر وتونس ؟
 
جواب : هناك تهديد لهذه الثورات بطبيعة الحال. القوى التي كانت مستفيدة من الوضع القائم سابقا سواء كانت داخلية أم خارجية فهي بلا شك ستعمل لاستعادة موقعها كما كانت في السابق ولو بتغييرات شكلية في النظام السياسي. الخطر الأول هو أن الثورة الاقتصادية المطلوبة لم تتحقق. ولكي تنجح هذه الثورات فإن ذلك يتطلب جهودا اقتصادية استثنائية بالتنسيق التام بين الدولة والقطاع الخاص، خاصة القطاع الخاص الذي لا يرتبط بشكل ذيلي مع الشركات المتعددة الجنسيات أو مع أهل الحكم السابق لكي تدخل الاقتصاديات العربية، واقتصاد تونس ومصر طالما أننا نتحدث عنها، في حلقة ايجابية من التراكم التكنولوجي ومن توفير فرص العمل للعنصر الشاب المتعلم وفي نهاية الأمر في تكريس الموارد التي نحتاج إليها حتى نكسر هذا السكون التكنولوجي والعلمي الذي نتخبط فيه في العالم العربي.
 
سؤال : أين السياسة في كل ذلك ؟ أنت تغلّب العامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي ؟
 
جواب : أعتقد أن الاقتصاد هو السياسة في نفس الوقت. عندما نتحدث عن تغيير أو عن الثورة في السياسات الاقتصادية في الدول العربية، فإننا نتحدث أيضا عن عقلية جديدة في ممارسة الحكم. إذا كان الحكم يهتم فقط بالقضايا الأمنية وبالاستمرار في اقتصاد "ريْعي" فإن لا شيء يتغير في الجوهر، ربما حيز من الحرية أكبر شيئا ، ولكن هذا لا يكفي. أعتقد أن الشعوب العربية لا يمكن أن تستمر مهمشة في التاريخ السياسي أو في التاريخ الاقتصادي. أتوقع أنه بعد أن تستب الأمور وتتم الثورة الاقتصادية المطلوبة سيكون هناك تغيير جوهري في الوضع السياسي في المنطقة. فراغ القوة عند العرب هو الذي يسبب كل التدخلات الخارجية سواء أيام الحرب الباردة أو التدخل الإيراني أو التدخل التركي أو تدخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كل هذه التدخلات ستزول لأن الدول العربية والشعوب العربية ستكون  قد وقفت على رجليها وهذا ما سيغير كل الخارطة السياسية في المنطقة ويسهل عملية تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي.
 
سؤال : إذا تفاؤل حذر بالمستقبل ؟
 

جواب. نعم. هو تفاؤل حذر.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم