لبنان

وداعاً وليد غلمية مايسترو الإبداع الموسيقي وعاشق "طائر فينيق "يدعى لبنان

رحل الدكتور وليد غلمية المايسترو، المؤلف، الباحث، ورئيس الكونسرفتوار الوطني اللبناني بعد مسار حافل لأكثر من نصف قرن في مجال الإبداع الموسيقي تاركاً وراءه إرثاً ستنهل منه أجيال وأجيال.

إعلان

اللقاء بالدكتور وليد غلمية كاللقاء بالأرض ، بالطبيعة، بالجبل، بالبحر، بلبنان خاصة إذا تم اللقاء خارج حدود الوطن. "الثبات" و "الرؤيا" والبعدان الإنساني و الحضاري، علامات مميزة في شخصيته التي جمعت في طياتها المسافة والمودة، الرقي والبساطة، التحفظ والشفافية. نشأت بين المثقف الذي تسعده الطيبة والإبداع، ويؤلمه النفاق والتزلف وبين مونت كارلو الدولية  علاقة إذاعية-إنسانية لم تنقطع فهو الذي رافق مستمعي ألإذاعة منذ نشأتها عبر ألحانه التي تناقلها كبار الفنانين وكذلك عبر إطلالاته الإذاعية المتكررة.

عندما نذكر الموسيقار وليد غلمية، يتبادر إلى الذهن مهرجانات بعلبك وقيادة اوركسترا للسيدة فيروز ومجموعة من الألحان، ومسؤوليات عديدة في منظمة اليونسكو، وترؤس "اوركسترات" عدة، أعماله الفنية تبقى في ذاكرتنا ونفخر بها كالتأليف الموسيقي وغير ذلك من المواقف الفنية اللبنانية والعربية الكبيرة.

حمل مشروعاً موسيقياً حضارياً للبنان والمنطقة. صاحب الأحلام الموسيقية المتطورة حلم بعالمية الموسيقى التراثية العربية فترأس الكونسرفتوار اللبناني لسنوات وأطلق العنان لإبداع طلاب المعرفة في الاوركسترا الفلهارمونية اللبنانية التي كان يعتز بتأسيسها. غيبه الموت البطيء تاركاً لنا إرثاً حضارياً وموسيقياً إلا انه لم يحقق أحلامه بإنشاء دارٍ للأوبرا في بيروت وبانتشار الكونسرفتوار في كل مكان لأنه كان يؤمن بان الموسيقى ليست فناً بقدر ما هي علم ، وعندما يحصل الإبداع في المعرفة تصبح هذه الأخيرة فناً".

مرجعيون

ولد الدكتور وليد غلمية في جديدة مرجعيون، إحدى قرى الجنوب اللبناني الصامد، وفيها نمت بذور عبقريته الموسيقية ولما يبلغ بعد السادسة مـن عمره، وسط عائلة تهوى الفن والثقافة. وتدريجياً، تحول حبه للموسيقى من الهواية إلى الاحتراف بعد أن انتقل إلى بيروت ليدرس الموسيقى أكاديميا. ومن ثم غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لينال فيها شهادة الدكتوراه فـي الموسيقى. لكن طفولته استمرت معه حتـى اللحظة كما ذكر في حوار إذاعي عام 2002 لمونت كارلو الدولية. "أعيش جديدة مرجعيون مع جبل حرمون وكروم ابل وسهل الخيام، مع الناس والطيور والشروق والشتاء والثلج والخريف". لقد تكونّت عنده فـي هذه البلدة الحرية بأرفع درجاتها.

" أهمية الحرية في كونها تضع الإنسان في موقع يطل فيه على الدنيا بأسرها، والإنسان الحر يظلم نفسه إذا لم يطل على الدنيا". عن الأغنية التي ترمز فعلاً إلى الجنوب اللبناني قال المايسترو في حواره الإذاعي "لا أجد أية أغنية تمثل الجنوب. الموسيقى، وليس الأغنية، هـي التي تمثل الجنوب" :

 

 

 

" فلينطلق لبنان ويطر"

الموسيقار وليد غلمية وصف نفسه بأنه إنسان بسيط وصديق حميم ومتحفظ جداً، وهذا التحفظ نابع من إدراكه للمسؤولية : " أتحفظ جداً فـي تعداد أصدقائي، لأنني عندما اختار صديقاً أكون حاملاً مسؤوليته، مهما كانت الظروف". كمثقف وفنان في لبنان والعالم العربي، تألم ودعا هذه البقعة من العالم إلى "أن تعرف تاريخها لأنها طالما تتجاهل هذا التاريخ وتتحدث بغيره". كما دعا إلى إعادة النظر والى قراءة جديدة لموروث هذه المنطقة وفكرها وتراثها.

عن الوطن كان يرى أن لبنان هو دوماً "طائر فينيق يغدر الزمان السلبي، فينطلق ويطير":

 

 

 

وكان يؤمن أن لبنان تاريخياً كان مسؤولاً ثقافياً وموسيقياً في المنطقة وانه سيبقى مبادراً، رغم كل السلبيات والمآسي والإخفاقات" . سياسيا لم يجيّر نفسه لأية فئة أو أي سياسي، فما مـن مثقف يجير نفسه لأية سياسة، بل أن السياسة هي التي تجيّر له، بمعنى أن المثقف هو الذي يضفي على السياسة مسارها، بالتالي فهو لم يكن يرضى مطلقاً بان يقرر السياسي مصير الثقافة، بل بالعكس، " لذا ما زلنا نتخبط في حلقة طويلة من النكبات".

وداعاً وليد غلمية، مايسترو الإبداع الموسيقي وعاشق طائر الفينيق رمز لبنان. معك رحل أحد عمالقة الفن في وطن الأرز الذي طالما حملت أجنحته إلى العالم وكنت وفياً إلى مبادئه الأساسية ألا وهي الانفتاح والتعددية والحرية.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم