تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ادب

نجيب محفوظ "اكتشف القاهرة القديمة أدبيا وإنسانيا وأكسب المكان قيمة وأعطاه الخلود"

9 دقائق

احتفلت مصر هذا العام بالذكرى المئوية الأولى لولادة الأديب الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988 وكان قد تم تأجيل هذه الاحتفالات عاما بسبب أحداث ثورة 25 يناير. يتوقف برنامج "ثقافات" عند هذا الحدث.

إعلان
 
جمال الغيطاني:"لن يصح الموقف في مصر إلا إذا تسلم شباب الثورة إدارة البلاد"
 
أول دراسة في العالم الغربي عن نجيب محفوظ كتبها الأب "جاك جومييه" الدومينيكاني المستشرق ونشرت عام 1957 في مصر وكانت دراسة عن الثلاثية. أما من قاد مشروع منحه للنوبل فهم أساتذة فرنسيون منهم "جاك بيرك" و"أندريه ميكيل"، وحسب جمال الغيطاني الذي قدم ندوة في المركز الثقافي المصري في باريس في 12 ديسمبر بعنوان "ذكرياتي مع نجيب محفوظ" بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادة نجيب محفوظ  فإن جائزة  نوبل جاءت متأخرة ثلاثين سنة على الأقل والسبب أن محفوظ  لم يكن قد ترجم إلى لغات عالمية، ومن الجدير ذكره أن نيله الجائزة عام 1988 قد أسهم في تنشيط حركة ترجمة الأدب العربي.
 
يتوقف برنامج "ثقافات" في مونت كارلو الدولية عند ذكريات يوسف القعيد وجمال الغيطاني معه. فاللقاء الأول ليوسف القعيد مع محفوظ كان عندما حضر من قريته في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي وكان مجندا في القوات المسلحة فأحضر رقم محفوظ من الدليل واتصل به وقدم نفسه وطلب موعدا للقائه فضرب له موعدا في مقهى ريش وكان يوم الجمعة بين الخامسة والنصف والثامنة والنصف فتوجه إلى المكان وسلم عليه فدعاه إلى شرب القهوة ولكن القعيد شرب الشاي لأنه كان آتيا من قريته والقهوة كانت في القرية مشروبا تركيا، ومنذ ذلك اليوم توطدت الصلة وتغيرت الأمكنة والمواعيد والظروف والملابسات وظل التلاقي أسبوعيا وبشكل شديد الانتظام وهي صفة من الصفات التي يتميز بها نجيب محفوظ.
 
أما جمال الغيطاني الذي كان يسكن في حارة تتفرع من شارع قصر الشوق، عنوان الجزء الثاني من الثلاثية، فقد لفت انتباهه وهو في العاشرة من عمره أن روايات محفوظ كانت تحمل عناوين المكان الذي يعيش فيه: قصر الشوق وبين القصرين وخان الخليلي. اللقاء الأول معه كان يوم جمعة من شتاء 1959 وكان الغيطاني في الخامسة عشرة من عمره يمشي في شارع عبد الخالق ثروت في الجانب الغربي من دار الأوبرا فرأى الكاتب الكبير قادما من ناحية ميدان العتبة فعرفه من الصورة في صفحة الكتاب الذهبي وهو لن ينسى أبدا "طلة" نجيب محفوظ وكلماته عندما قال له إنه معجب بأدبه وبأنه يكتب القصة القصيرة: "أهلا وسهلا ما تيجي تقعد معانا" وأعطاه موعدا في مقهى في بناء "صفية حلمي" تلميذة الراقصة "بديعة مصابني" في الوقت الذي كان يعتبر فيه الجلوس في المقهى نوعا من الفساد، واكتشف الغيطاني بعد ذلك أن أهم مكان يعلم الإنسان الحياة هو المقهى. وهكذا ابتدأت اللقاءات واستمرت العلاقة عبر مقاهي القاهرة ولم تنتظم في بيته إلا في السنوات العشر الأخيرة بعد حادث الاعتداء عليه.
 
وندوة محفوظ، كما يقول الغيطاني، "كانت مركزا يجذب أي مثقف يريد أن يلتقي بالأدباء وكانت أهم ندوة أدبية في الحياة الثقافية للقاهرة فمن الموضوعات التي فرضت نفسها جدا هي الموجة الجديدة من الرواية والنقاشات كانت كلها تدور حول اللارواية التي ظهرت في فرنسا في الستينيات. فانتقال الأفكار والاتجاهات الجديدة في الأدب في ذلك الوقت كانت أسرع مما هو عليه الآن رغم وجود الانترنت و"الفيس بوك" و"التويتر" حيث كان الكتاب يظهر في باريس ويترجم في مصر بعد شهرين أو ثلاثة". 
 
اتفق الكاتبان القريبان من نجيب محفوظ يوسف القعيد وجمال الغيطاني على الصفات الإنسانية التي كانت تميز عملاق الرواية العربية، ففي حين قال يوسف القعيد إن نجيب محفوظ كان ليبيراليا حقيقيا بمعنى أنه يمكن أن يختلف معك بالرأي من دون أن يؤدي ذلك لا إلى كراهية ولا إلى مشاكل ولا إلى شتائم، قال الغيطاني إن محفوظ لم يكن ينافق الرأي العام وفيما يخص مسألة السلام كان مختلفا معه إلى حد عميق لكنه لم يصل إلى حد أن يقاطع الواحد الآخر، فنجيب محفوظ كان أعنف ناقد للنظام الملكي ومع هذا فهو انتقد ثورة 52 وكان أعنف ناقد للأجواء غير الديمقراطية في تجربة عبد الناصر التي أدت إلى هزيمة 67 وكان مؤمنا بالعدالة الاجتماعية والعدالة الإنسانية وكان ناقدا لنظام السادات رغم أنه كان معجبا بالسادات وكانت هذه نقطة اختلاف كبير مع الغيطاني الذي لا يطيق لا شخص السادات ولا سياسته ولكن من المؤكد أن محفوظ كان مع العدل ولم يكن راضيا عن الفساد الفظيع في نظام مبارك وهناك كلام كثير سجله له في هذا المجال خلال لقاءاتهما ولكنه لم يهاجمه إطلاقا.
 
في احتفال في عيد ميلاد نجيب محفوظ الثالث والتسعين قبل سنتين من وفاته عندما سأله أحد الأصدقاء عن مصر وأحوالها قال "إنها تعاني ...وربنا يكون معاها" وعندما سئل كيف الخروج من المعاناة قال "إنت فكرك أنا عارف تخرج إزاي وما قلتش؟".
 
الملمح الأساسي عند محفوظ والذي يجهله كثيرون هو أنه كان شديد السخرية كما أكد جمال الغيطاني في ندوته الباريسية حول ذكرياته مع محفوظ، فنصف النكات في مصر كان مؤلفها وكان يهزم جميع رواد مقهى الفيشاوي في فن القافية.
 
أما حب العمل فمسألة مهمة عند محفوظ وصفة بقيت مرافقة له طوال حياته فهو رجل تعب كثيرا وقرأ كثيرا وكتب كثيرا ويقول يوسف القعيد إنه كان لا يحكي عن كتاباته وعندما كانت تأتيه فكرة رواية كان يقول "عندي شغل" وبالعامية المصرية تعني العمل المحبوب الذي يقوم فيه الإنسان لأنه يحبه وليس جريا وراء شيء آخر من خارجه.
 
أما التواضع لديه فحقيقي وليس زائفا كالذي يصدره المثقف المشهور لمن حوله حتى يقولوا عنه إنه متواضع وهذا مكنه من تطوير أدواته ليقرأ حتى آخر لحظة في حياته وطرح الأسئلة على من يحيطون به بعد أن توقف عن القراءة. كان يؤمن بالصداقة وهي مكنته من أن يواصل اهتمامه بالشأن العام بعد أن تعطلت حواسه وتلاشى نظره فمكنه أصدقاؤه من أن يقيموا له صلة بالدنيا كأنه يعيش فيها لحظة بلحظة. أما صداقاته في حي الجمالية والحسين فكان لا حصر لها ولا عد وكانت عنده موهبة التقاط ملامح هؤلاء الناس هو الذي عايش هذه الشخصيات وخلق منها عوالمه الخاصة في الحياة والأدب.
 
مشروع "المزارات المحفوظية" غال على قلب جمال العيظاني الذي اقترح تحويل زقاق المدق في شارع الجمالية في القاهرة القديمة إلى محمية ثقافية وتحويله إلى مزار سياحي يدخل الأموال والقيام بتسجيل الأماكن المرتبطة بمحفوظ مثل المقاهي التي ارتادها والبيوت التي أقام فيها والأماكن الأثيرة لدية في القاهرة القديمة على أن يتم ترميم ما يحتاج منها إلى ترميم والتعريف بها وتحديث الأماكن التي عاشت فيها شخصيات روايات نجيب محفوظ التي دخلت الأدب الإنساني في العديد من اللغات وكان هذا المشروع قد لقي ترحيبا وتمت الموافقة عليه إلى أن أجلته ثورة 25 يناير ولكن يبقى الأمل اليوم في إحيائه مرة أخرى.
 
أما حول الهجوم الذي شنه مرشح في مجلس الشعب في الإسكندرية ينتمي لإحدى الجماعات السلفية على أدب محفوظ قائلا بأنه يشجع على الرذيلة، فقد أعلن يوسف القعيد لبرنامج "ثقافات" أنه كان من الخطأ أن يشارك في الرد عليه لأنه اتضح له من كلامه فيما بعد أن هذا السلفي لم يقرأ حرفا لنجيب محفوظ لكنه شاهد بعض أفلامه السينمائية خاصة التي أخرجها حسن الإمام عن ثلاثية بين القصرين وهو قد فشل في الانتخابات كما يعتقد يوسف القعيد أن إساءته لنجيب محفوظ هي السبب الجوهري في سقوطه خاصة وأنه كان مرشحا في الإسكندرية المدينة المحفوظية التي لعبت دورا جوهريا في تحديث مصر وأن نجيب محفوظ في قبره وتحت الثرى قد هزم هذا السلفي الذي يمشي على الأرض.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.