تونس

عادل الخذري: بوعزيزي جديد يدق ناقوس انحراف مسار ثورة الياسمين

أقدم عادل الخذري على سكب مادة حارقة على جسده يوم الثلاثاء 12 مارس/ آذار الجاري أمام مبنى المسرح البلدي في قلب العاصمة التونسية وتحديدا في شارع الحبيب بورقيبة الذي شهد قبل سنتين سقوط النظام السابق بعد أن أحرق شاب آخر يدعى محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد الواقعة وسط البلاد.

إعلان

 

وليست هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها شاب تونسي بعد قيام ثورة الياسمين على إضرام النار في جسده. فقد تعددت عمليات الانتحار بالنار أمام الملأ بعد الثورة التونسية في تونس وفي بلدان عربية أخرى مر عبرها " موسم الربيع العربي " أو لم يزرها. بل إن شابا تونسيا آخر يبلغ السادسة والعشرين من العمر حاول في اليوم الذي قضى فيه عادل الخذري الحذو حذوه داخل المحكمة الابتدائية في مدينة توزر الواقعة في جنوب البلاد. فسكب على نفسه بنزينا احتجاجا على إيقاف شقيقه من قبل أعوان الحرس الوطني. ولكن أعوان الشرطة تدخلوا في الوقت المناسب وحالوا دونه ودون إضرام النار في نفسه.
 
وهناك اليوم قناعة لدى كثير من المحللين السياسيين الملّمين بوقائع الثورة التونسية وإرهاصاتها أن إقدام عادل الخذري على إحراق نفسه في شارع الحبيب بورقيبة رسالة واضحة موجهة إلى الطبقة السياسية برمتها بعد مرور أكثر من عامين على الثورة التي أطاحت بنظام بن علي الذي بدأ واعدا ولكنه انخرط بشكل متدرج في منظومة الاستبداد والفساد وتهميش الفئات الفقيرة وبخاصة شباب ما يسمى "مناطق الظل". ولابد من الإشارة هنا إلى أن الطريقة التي ينطق بها التونسيون هذه التسمية تجعلها تسمع لدى غير التونسيين باعتبارها " مناطق الذل".
 
النار ولا الذل
 
هذا الذل كان متعدد الوجوه خلال زمن حكم بن علي في تونس. وكان رجل الشرطة أو رجل الأمن بشكل عام  يجسد  الأداة الفضلى لتنفيذ أشكال الذل  المتعددة ومنها مثلا إرغام الباعة المتجولين الذين لا يملكون رخصا للبيع على قارعة الطريق أو في أماكن أخرى على إتلاف بضاعتهم .
 
وكان رجل الأمن يضرب به المثل في استخدام طرق جهنمية فيها رغبة في إذلال الناس وتضييق الخناق مثلا على العاطلين عن العمل والذين يجدون أنفسهم مضطرين للبحث عن لقمة العيش عبر مسالك غير معترف بها.  ووراء تكرار هذه العملية بشكل يومي لاسيما في مناطق " الظل " التي كانت منطقة سيدي بوزيد واحدة منها  أحرق البوعزيزي نفسه وأشعل عود ثقاب في غضب كثير من الشباب الذين كانوا وقود ثورة الياسمين وفي مقدمة ضحاياها رميا بالرصاص.
 
وتشبه معالم  مسار البوعزيزي كثيرا مسار عادل الخذري. فهذا الأخير كان من أصيلي ولاية جندوبة الواقعة في شمال البلاد الغربي. وهي بدورها جزء مما كان يسمى " مناطق الظل " أو " الذل ". وهو أيضا ينتمي إلى أسرة فقيرة جدا. وقد وجد نفسه  مضطرا إلى بيع السجائر على قارعة الطريق حتى يستطيع التخفيف من وطأة الفقر عليه وعلى أبنائه وأمه وأشقائه الثلاثة. ولكن رجال الأمن ضايقوه أكثر من اللزوم فأشعل بدوره النار في نفسه .
 
ومن العبارات التي رويت عنه قبيل إقدامه على إحراق نفسه عبارة قال فيها " هذا ما يحدث لشباب تونس". هذه العبارة تترجم بصدق   مشاعر مئات الآلاف من التونسيين الشبان الذين يشكلون أكثر من 60 في المائة من العاطلين عن العمل في البلاد.
 
وكثيرون هم شباب تونس من الذين يرزحون تحت عبء البطالة يدركون أن الوضع الثوري الذي تعيشه بلادهم منذ سنتين لا يمكن بأي حال من الأحوال السماح بوضع حد لهذه المشكلة. ولكنهم مقتنعون اليوم بأن مواطن العمل القليلة المفتوحة في القطاع العام هي حكر على أنصار حزب " حركة  النهضة " الذي يقود الائتلاف الحاكم والذين يحسبون عليها على المستوى الوطني و"الجهوي" أي نسبة إلى الجهات والمحلي.
 
غضب ممزوج بمرارة
 
وما يثير حفيظة كثير من شبان تونس وشاباتها من العاطلين عن العمل - وكان عادل الخذري أحدهم - أن الأحزاب الحاكمة اليوم أو الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي أو الأحزاب الأخرى  الراغبة في اقتطاع مكان لها في الخارطة التونسية الجديدة التي أفرزتها الثورة في بداياتها لا تشعر بألمهم ولا تتحرك بجدية لمساعدتهم على تجاوز أشكال الذل التي لم تقض عليها الثورة. ويمتزج عندهم الغضب بمرارة تعزى إلى قناعة أخرى أصبحت لديهم ومفادها أن هذه الأحزاب الحاكمة وغير الحاكمة سرقت منهم ثورتهم وأصبحت لا تراهم.
 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم