سينما

عطر الثورة المصرية في شريط وثائقي لفيولا شفيق في مسابقة "الفوروم"

من شريط "أريج" لفيولا شفيق (Talal Khoury & Viola Shafik)

عرض شريط "أريج" الوثائقي للمخرجة المصرية فيولا شفيق في تظاهرة "الفوروم" ضمن فعاليات الدورة الرابعة والستين لمهرجان برلين السينمائي ناقلاً إلى الشاشة أجواء ما بعد الثورة بين الأقصر والقاهرة ومحاولاً عبر خطوط عدة متوازية تصوير الأمل والألم والإحباط والحسرة.

إعلان

 الفيلم يطرح أيضاً تساؤلات المرحلة عبر شخصيات تنتمي لأعمار وعوالم مختلفة وفي مقارنة يعقدها بين الحاضر والماضي في مقاربات تمر أولاً عبر خيط المخرجة-الراوية فيولا شفيق التي تحكي عن ذاتها ومشاعرها حيال الثورة والتغيرات التي جرّتها لكن التي لم تأخذ مكاناً لها بعد وهي تغيرات طالت السطح ولم تدخل إلى العمق وفق ما رصده الشريط من أحداث.

وتبدو مشاعر المخرجة متناقضة نتيجة كل ما حدث بعد الثورة أو خلالها من انقسام وعنف وتشتت واستمرار لسوء الحال والإهمال والفساد، وكلها أمراض مزمنة في مصر التي فتحت فيها علبة "باندور" كما تلحظ فيولا شفيق خلال تعليقها الذي يجمع ما بين الأحداث. وحين تشير المخرجة إلى الأمل فهي تعود في شريطها إلى ثورة عام 1952 عبر كتاب "زهر الليمون" وتحاور كاتبه الصحفي علاء الديب الذي يبدي ندماً على الحماس الذي عاشه وقت تلك الثورة ليأتي عبد الناصر بعدها ويسجن اليساريين كما الإخوان كما يتذكر الديب.

عبر إعادة قراءة مقاطع من كتابه، بدفع من المخرجة، يراجع علاء الديب تاريخه وعلاقته بتلك الثورة وفي مقابلها تبوح فيولا بشكوكها ومخاوفها من واقع مصر ثم تأتي شابة من الجيل الجديد ممن تعلم التقنيات وفن "الديزاين" وتخترع عوالم افتراضية تعوضها عن إحباطات الحياة العامة اليومية مثل برنامج "سيكوند لايف" الذي لا تكف عن اختراع قصص له. أما في الأقصر فتصور شخصية جمعت أرشيفاً مكوناً من نيجاتيفات آلاف الصور المأخوذة لمصر من قبل مصورين مصريين منذ الثلاثينات وإلى اليوم وتمتلك هذه الشخصية الباحثة نظرة على الحاضر وعلى الماضي الذي تجسده الصور.

من شريط "أريج" لفيولا شفيق
من شريط "أريج" لفيولا شفيق

كما أنها تضفي صوتا إضافياً على الفيلم، فالرجل جامع الصور لم يكتف بذلك بل هو يوثق لأحداث الأقصر بالصور في وقت لا يوجد فيه في مصر أي متحف للصورة التي تعكس جوانب من تاريخ مصر. ويقوم هذا الرجل بجمع أبواب العمارات الأثرية حين يتم تهديمها وأحيانا يحتفظ ببلاطها وأحيانا درابزينها، كل ذلك يشتريه بجهده الفردي في غياب كلي للدولة وليبقى منها أثر يشهد على الحضارة والتاريخ، إذ أن من ينسى حضارته، يقول الفيلم، لا يكون حضارياً وينسى بذلك ذاكرته.

هذه الخطوط مضافة إلى مشاهد من ميدان التحرير تضم بعض ملامح الثورة يقدمها شريط "أريج" قبل أن يذهب للإطلالة على ما يحدث في قرى الصعيد من نزاع طائفي يتكرر. هذه "الحتت" تصنع منها فيولا شفيق درباً يسلكه الشريط عاكساً أجواء مصر من الصورة إلى الصورة ومن الكتاب إلى الحكاية ومن الذاكرة إلى برامج وألعاب أو تصاميم الكترونية يبرع بها الشباب ويخترعونها تعويضا عن واقعهم وصولاً إلى الراهن الذي لم يتبدل إلا ظاهره.

هذه التعددية في تناول المشهد والشخصيات تعرض مجتمعة لحقيقة ما يشعر به المواطن المصري الذي يتخبط بين الإحباط والأمل وأحياناً الخوف في ظل استمرار الفساد والظلم والعنف الذي تمارسه الشرطة والإحساس السائد بعدم تغير شيء منذ ثلاث سنوات إلى اليوم. وفي الفيلم كثير من الأسى المشروع حيث يستمر في الأقصر تدمير المباني الأثرية والآثار باسم رعايتها بينما الأراضي تباع لشركات أجنبية تقوم بأعمال بناء وتبيع عماراتها غير الصالحة للسكن للسكان الأصليين الذين يدفعون الكثير لامتلاكها بعد أن طردوا من منازلهم الأصلية التي هدمت بحجة وجود آثار تحتها. كما يعمد هؤلاء المستثمرون إلى بناء فنادق جديدة فوق المنطقة الأثرية دون محاسبة من أحد في منطقة بات يطلق عليها اسم "المثلث الذهبي" في المدينة المطلة على النيل والتي تمتاز بمعابدها القديمة.

"أريج"، كأنه صورة سالبة وسلبية عما هي عليه مصر اليوم بانتظار أن تكتمل الصورة وتخرج في الضوء كما قصد إليها الشعب مختلفة ويتمتع فيها المواطن بالكرامة ويحترم. والفيلم قدم في مسابقة "الفوروم" التي تضم نحو خمسين فيلماً من مختلف البلدان وتتراوح الأعمال فيها بين الوثائقي والروائي. و"أريج" هو الفيلم المصري الوثائقي الثاني الذي يقدم في "الفوروم"، إلى جانب شريط "الميدان" لجيهان نجيم المرشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي أجنبي، وهو مصري أيضاً.

فيولا شفيق
فيولا شفيق

وكان مهرجان "الفيلم العربي في برلين" قدم قبل عامين لفيولا شفيق شريطها الوثائقي "جنة علي" الذي تناولت فيها سيرة المغربي الهادي بن سالم، الممثل الذي عمل في أفلام المخرج الألماني الكبير فاسبيندر وكان صديقاً له، بعد أن كان مهاجراً وصديقاً لسيدة عجوز ألمانية. ولا تضم تظاهرة "الفوروم" أفلاماً عربية أخرى هذا العام بينما يعرض شريطان فلسطيني ومصري وكلاهما وثائقيان في مسابقة الفيلم القصير. الأول بعنوان "أم أميرة" للمصري ناجي اسماعيل والثاني بعنوان "إضحك تضحك لك الدنيا" لإيهاب طربيه، وهو من الجولان السوري لكن الشريط الذي صوره بالتعاون مع عائلة حداد ومؤسسة "بيتسيليم" يصور الانتهاكات اليومية لجنود الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان.

ويعرض فيلم قصير آخر للفلسطيني مهدي فليفل لكنه خارج المسابقة بعد أن كان مهرجان برلين قدم لفليفل العام الماضي شريطه "عالم ليس لنا" عن مخيم عين الحلوة وهو شريط نال أكثر من ثلاثين جائزة. أما الشريط الجديد لمهدي فليفل فهو لا يبتعد عن عين الحلوة إلا ليقترب منها إذ يصور منفيين من المخيم .. إلى اليونان.

ودخل رشيد بوشارب في شريطه "رجلان في المدينة" الذي تدور أحداثه في الولايات المتحدة على الحدود المكسيكية المسابقة الرسمية لمهرجان برلين باسم الجزائر وبشريط ناطق بالانكليزية ومن إنتاج فرنسي. أما بطولته فيؤديها فوريست ويتاكر الذي أجاد في دور السجين الخارج إلى الحياة بعد ثمانية عشر عاماً قضاها داخله اعتنق فيها الإسلام، لكن الإسلام لم يكن حلاً أمام المصاعب التي يواجهها هذا الرجل الساعي للعيش بكرامة ترفضها له الحياة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم