تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

"ثربانتس الجزائري": من محارب صليبي إلى داعية للتسامح

الصورة من ويكيبيديا

يبدو أن السنوات الخمس التي قضاها الروائي والشاعر الإسباني الكبير ميغيل دي ثيربانتس في سجون الجزائر ساهمت في تحويله من "محارب صليبي" إلى مفكر منفتح على "الآخر" ومناضل في سبيل التسامح الديني. غير أن هذا التحول لم يمر بسلاسة في سياق القرون الوسطى الأوروبية التي عاش خلالها ثربانتس (1547- 1616)، فقد حاكمته الكنيسة بعد عودته إلى إسبانيا، وتبقى روايته "دون كيخوتة" الشهيرة من أجمل ما كُتب في تاريخ الأدب.

إعلان
 ثربانتس بين الجاسوس والأديب

يحظى ثيربانتس بتقدير كبير في المشهد الثقافي الجزائري الراهن. فقد كتب عنه الكثير من الباحثين والأدباء الجزائريين بينهم واسيني الأعرج، الذي استعار منه شخصية "دون كيخوتة" في روايته "حارسة الظلال"، كما أن له مؤلفاً أخر بعنوان "على خطى ثربانتس"، وثق فيه لرحلة الكاتب الإسباني في الجزائر.

وبمناسبة الاحتفال هذه السنة بـ"اليوم العالمي للكتاب"، والذي يتزامن مع ذكرى وفاة ثربانتس في 23 نيسان-أبريل، تحدث الروائي واسيني الأعرج لـ"مونت كارلو الدولية" عن معاني الاحتفال به في الجزائر والمنطقة العربية معتبراً أن "اختيار ذكرى وفاة ثربانتس كـ"يوم عالمي للكتاب" مهم بالنسبة لنا ككتاب جزائريين وعرب. فهو فرصة لمعرفة قيمة نصه المعنون "دون كيخوتة"، الذي يحضر فيه المجتمع العربي. هذا بالإضافة إلى أن النص، الذي كتب بطريقة شعبية ليكون قريباً من الناس ومؤثراً فيهم، يعطينا الصورة الحقيقية للكتاب في عصرنا الحالي".

تشير العديد من المراجع الجزائرية إلى أن ثربانتس كان "جاسوساً" في الجزائر، يؤدي مهمة عسكرية خلال الحروب الصليبية التي اشتركت بلاده في شنها على السواحل الجزائرية نهاية القرن السادس عشر، عقب سقوط الأندلس. وقد شارك ثربانتس سنة 1570 في معركة "ليبونت" الشهيرة ضد الجزائر العثمانية حيث فقد خلالها ذراعه الأيسر. بعد أعوام ثلاثة، كانت لثربانتس مشاركة أخرى في آخر حرب خاضها الباب العالي العثماني قرب سواحل تونس حيث وقع في الأسر في جزيرة كورسيكا وسجن لمدة خمس سنوات في الجزائر بين 1575 و1580.

وصف ثربانتس في كتابه "الحياة في الجزائر" مدينة الجزائر، التي كان يلقبها الإسبان بـ"عش القرصنة"، بجمالية وروحانية فائقة. كما وثق تفاصيل حياة الجزائريين وثقافتهم ومعالم حضارتهم وسيرة حكامهم، كما تعلم لغتهم وتعرف على ديانتهم وهو الأمر الذي يعتمده باحثون جزائريون في المحاججة ضد وصمه بالجاسوسية.

لوحة "دون كيشوت دي لا مانشا" للفرنسي هونوري دومييه (الصورة من ويكيبيديا)
لوحة "دون كيشوت دي لا مانشا" للفرنسي هونوري دومييه (الصورة من ويكيبيديا)

قصة حبه الأسطورية

ومن أجمل قصص ثربانتس في الجزائر كانت قصة حبه مع "زريدا"، الفتاة الجزائرية التي كتب عنها في رائعته "دون كيخوتة" قائلاً إنها ساعدته على الفرار من سجنه. غير أن المصادر التاريخية الأخرى ترجع تلك القصة إلى خيال الكاتب المحض وتثبت أن ثربانتس دفع فدية حتى يتحرر في عام 1580.

في عام 1605، بعد ثلاثين عاماً من أسره، نشر ثربانتس نصه الخالد "دون كيخوتة دي لامانشا". وهو الكتاب الذي أسس لفن الرواية الحديثة وخصص فيه للجزائر فصولاً ثلاثة. كما أظهرت كتاباته، خاصة مسرحية "ندوة الكلاب"، رغبة في التسامح وحباً بالتعايش بين الحضارات، الأمر الذي سبب له مشكلة كبيرة مع محاكم التفتيش المقدسة التي اتهمته بالتعاون مع المسلمين، خاصة وأنه كان ينتقد بأسلوبه الساخر طرد الأندلسيين من إسبانيا وما رافقه من اضطهاد وتعذيب طال مسلمي شبه الجزيرة ويهودها على حد سواء.

ويرى واسيني الأعرج أن أهمية الـ"دون كيخوتة" للإنسان العربي والمسلم في عصرنا الحالي هي في أنها "تناقش فترة معقدة تميزت بالصراع بين الإسلام والمسيحية في القرون الوسطى" ويقدم فيها ثربانتس "صورة عميقة للمجتمع العربي المتسامح مقارنة بأوروبا" رغم بعض الصور السلبية التي يعزوها الأعرج إلى تأثر الكاتب بـ"إملاءات القرن السابع عشر" وظروفه.

"مغارة ثربانتس" كأهم معلم حضاري في إفريقيا

ومن بين آثار ثربانتس في الجزائر مغارته في أعالي حي "الحامة" المحفور في جبال الجزائر العاصمة الصخرية، والتي تحولت مركزاً ثقافياً بعد ترميمها سنة 2006 بجهد مشترك للحكومتين الجزائرية والإسبانية تخليداً لمرور أربعة قرون على صدور الرائعة الأدبية "دون كيخوتة".

إعداد: فائزة مصطفى

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن