تخطي إلى المحتوى الرئيسي
اقتصاد

إفريقيا قارة صينية؟

الصورة من رويترز

يؤكد قرار الصين تقديم مساعدات إضافية لإفريقيا تبلغ 12 مليار دولار-موجهة بشكلٍ رئيسي نحو مشاريع هادفة إلى رفع مستويات المعيشة في إفريقيا-، استحالة تراجع الشركات الصينية عن التغلغل في إفريقيا، بالرغم من حذرها الشديد جراء ما تعرضت له من حوادث خطف ومصادرة شحنات، واتهاماتٍ بمعاملة الموظفين المحليين بشكل غير منصف. والجلي في جولة رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانج في إفريقيا، أن الجمهورية الشعبية تسعى بقوة إلى نفي اتهاماتٍ أمريكية بممارسة الاستعمارية الجديدة في القارة السمراء.

إعلان
جاء الإعلان عن زيادة خطوط الائتمان لإفريقيا بنحو عشرة مليارات دولار وتغذية صندوق التنمية الصيني الإفريقي بمليارين آخرين بمثابة نجاح جديد لبكين في توطيد علاقاتٍ لها جذور تاريخية ثابتة ومتنوعة يصعب تصنيفها أو وضعها في قالب واحد.. فبعد تقديم الرئيس الصينى شي جين بينج عام 2013 لوعودٍ دعم وتعزيز جهود إفريقيا لتحقيق السلام والاستقرار والرخاء والتنمية، تأتي الجولة الأولى لرئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانج إلى أربع دولٍ افريقية هي نيجيريا وأنجولا وكينيا، واثيوبيا التي كشف فيها النقاب عن عرضٍ لتبادل التكنولوجيا المتقدمة مع القارة الإفريقية للمساعدة في تطوير سكك حديدية للقطارات الفائقة السرعة تربط العواصم السمراء. وأسفرت المحطة الأولى في جولة تشيانغ عن توقيع ست عشرة اتفاقيةً من أجل شق طرق وبناء مناطق صناعية في إثيوبيا حيث استثمرت الشركات الصينية أموالا كثيرة في الأعوام الماضية تجاوزت المليار دولار هذا العام.

الجدير بالذكر أن الصين قدمت العام الماضي قروضاً لإفريقيا قيمتها 20 مليار دولار للفترة الممتدة بين عامي 2013 و2015، و ولا أحد ينسى أن الصين قدمت حتى عام 2012، مساعدات إلى 54 دولة إفريقية، وساعدت على إنشاء أكثر من 1000 مشروع في الزراعة، البنية التحتية، التعليم والصحة وغيرها من المجالات. لكن الجديد هذه المرة أن تصريحات المسؤولين الصينيين تؤكد عدم تركيز اتفاقيات التعاون على مجال الطاقة، بل على مشاريع تساعد في رفع مستويات المعيشة بإفريقيا. وهو ما يضاف إلى مساهمة نسبتها أكثر من 20 بالمائة للتنمية الإفريقية وفق تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي.

واللافت أن هذا التعاون المشترك الصيني الإفريقي وما يحققه من منفعة متبادلة وكسب مشترك، يتنافى مع اتهاماتٍ كانت قد وجهتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون للصين بممارسة "سياسة استعمارية جديدة" في إفريقيا. إلا أن ذلك لا يحمي الشركات الصينية من مواجهة اتهامات بمعاملة الموظفين المحليين بشكل غير منصف متمثلٍ في عدم المساواة في الرواتب.

ففي الوقت الذي تمنح فيه الصين علاقات استراتيجية طويلة الأمد لأنظمة الحكم المتواجدة في مناطق استثماراتها، تستخدم تلك الاستثمارات في التخفيف من الضغط على سوق العمل من خلال تشغيل موارد بشرية ضخمة تقارب المليون موظف صيني في الخارج.

وتعد السوق الإفريقية واعدةً بالنسبة للصينيين، فبالإضافة إلى كونها تضم أغنى الدول بالموارد التي تحتاجها المصانع والشركات الصينية، تمتلك السوق السمراء قدراتٍ استهلاكية عالية للسلع الخفيفة، وللصناعات المُقلَّدة التي تتففن فيها الصين بأسعار زهيدة تناسب القدرة الشرائية لسكان القارة السمراء، بالإضافة إلى توفر مجالاتٍ متعددة يمكن الاستفادة منها في إفريقيا، مثل الزراعة والصناعة الخفيفة، واستثمار المواد الخام الطبيعية التي تحتاجها الآلة الصناعية المتطورة في الصين. وهو ما ساعد في زيادة قيمة المبادلات التجارية بين الصين وإفريقيا من مليار دولار عام 2000 إلى أكثر من 210 مليار دولار بنهاية العام 2013، أي أكثر ب 2000 مرة عما كان عليه عام 1960.

كما تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط في الصين من امتلاك حصصٍ ضخمة في إفريقيا، تصل إلى 40% من مؤسسة النيل الأعظم للنفط، التابعة للحكومة السودانية، خلافاً لاستثمارات نفطية مُشابهة في نيجيريا والغابون، وامتلاك أسهم في حقول الغاز الطبيعي في الجزائر، والمشاركة بقوة في إنتاج النفط من حقول انغولا التي تعتبر المصدِّر الأول للواردات النفطية الصينية. ولا تزال الصين تحافظ منذ خمس سنوات على مركزها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا، حيث تعمل أكثر من 2500 شركة صينية، بما يوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل للمجتمعات المحلية. وتنفق الشركات الصينية بقوة على مشروعات البنية الأساسية والتعدين والطاقة في إفريقيا سعياً لزيادة ما تحصل عليه من إمدادات المواد الأولية مثل النفط والنحاس.

وتجدر الإشارة هنا إلى نجاح الصين عبر التاريخ في إدارة علاقاتها مع الشرق الأوسط والقارة الإفريقية بمهارة معقدة ووفق مبادئ براغماتية تهدف إلى خدمة مصالحها وتلافي الصدامات مع القوى الكبرى.. لكن الربيع العربي أحدث ارتباكًا في السياسة الصينية، بعد أن كانت قد أنشأت علاقات مستقرة مع الأنظمة التي أطاحت بها الثورات العربية. ويفسر بعض المحللين تركيز بيكين على أفريقيا وبعض الأسواق الناشئة الأخرى أو الأكثر اضطراباً، بتواضع المهارات النوعية المتوسطة لليد العاملة الصينية وبضعف القدرات التنافسية للشركات الصينية من حيث الجودة والكفاءة المطلوبين في المناطق الأكثر استقراراً، مقارنةً بالشركات الأوروبية والأمريكية وحتى الكورية الجنوبية.

ومع سعي الصين إلى الحفاظ على مصالحها وسيادتها ووحدة أراضيها، تحتاج إلى دعم وتعاون دول الشرق الأوسط بهدف بسط سيادتها على إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة، وهو ما دفع ببكين إلى إغراء تركيا بالتكنولوجيا والأجهزة المتقدمة في مجال الصواريخ الإستراتيجية والتجهيزات العسكرية وبزيادة حجم التجارة السنوية بينهما إلى 50 مليار دولار امريكى بحلول عام 2015 ومائة مليار دولار امريكى بحلول عام 2020، مقابل توقف اسطنبول عن مساندة الحركات الإسلامية الاستقلالية في تركستان الشرقية "شينجيانغ.

وربما للأسباب ذاتها تجري الصين مباحثاتٍ مكثفة مع تركيا لاستثمار اثني عشر مليار دولار في حقل للفحم ومشروع لتوليد الكهرباء في أفشين البستان جنوب تركيا. وذلك بعد أن تخلت شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) عن المشروع نهاية الصيف الماضي.

واللافت أن القاسم المشترك بين تركيا و الصين و دولة الإمارات هو كونها تعد من بين المحطات الرئيسية الخمس للسلع الإيرانية التي تصدر إلی مختلف دول العالم، بقيمةٍ إجمالية تتجاوز ال 12 مليار دولار وهو ما يشكل نحو 70 بالمائة من مجموع صادرات طهران.

ومع ذلك كله، بقليل من "التفاؤل"، قد يتيح ارتفاع أجور الصينيين الفرصة أمام كل من أفريقيا والشرق الأوسط لمنافسة الصين المنشغلة بالتركيز على تصنيع السلع ذات القيمة المضافة، خصوصاً مع تنامي أعداد الأيدي العاملة بشكلٍ سريع في المنطقتين، ما قد يؤهلهما، "يوماً ما"، لتأسيس مركزين صناعيين عالميين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.