تخطي إلى المحتوى الرئيسي
اقتصاد

الغاز كعب آخيل الأوروبي

الصورة من رويترز

اعتزام إيطاليا زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي من الجزائر وليبيا وهولندا، يعد مؤشراً خطيراً على أن تزايد الصراع السياسي بين أوروبا وروسيا، قد يدفع باتجاه أزمة حقيقية تهدد بقطع إمدادات الغاز الروسي. فقد كشفت تصريحات كلاوديو دي فينسينتي، نائب وزير الصناعة الإيطالي، عن بحث شركة النفط والغاز العملاقة إيني المملوكة للدولة عن بدائل جديدة على الرغم من أن مستويات انتاجها لم تتأثر حتى الآن بالتوترات في أوكرانيا.

إعلان
وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي تعتمد على الغاز الطبيعي الروسي في توفير 30% من استهلاكها، فإن أزمة أوكرانيا سلطت الضوء على اعتماد روما شبه الكلي على الإمدادات الروسية. فهي تستورد من الخارج نحو 90% من احتياجاتها من الغاز، يأتي أكثر من نصفها من روسيا، بالإضافة إلى اعتمادها أيضا على واردات الغاز من الجزائر وهولندا وليبيا.
 
اللافت أن هيكل إمدادات الغاز لإيطاليا يسمح لها بالتغلب على أية أزمة تتعلق بأحد المصدّرين، لكنها تصبح أمام كارثة حقيقية في حال توقف الواردات من مصدر ثاني، وهو ما يحدث في ليبيا حيث تشوب الضبابية المشهد السياسي العام الذي تلقي اضطراباته بظلالها على قطاع النفط والغاز. الأمر الذي دفع التقى رئيس شركة «إيني» الإيطالية، باولو سكاروني، خلال لقائه برئيس الحكومة الليبي السابق عبد الله الثني، إلى حث طرابلس الحفاظ على مستويات إنتاج «إيني» الحالية في البلاد وزيادتها لتأمين إمدادات الغاز الايطالية. لكن الحكومات الليبية لا تمتلك القدرة والإمكانات للسيطرة على قطاع الطاقة الذي تتحكم فيه الميليشيات المسلحة.
 
وقد تكون إيطالياً منفذاً هاماً لبعض الدول الأوروبية، مثل النمسا، التي تنوي في حال احتدام الأزمة الروسية الأوكرانية تعويض واردات الغاز الروسي الذي يمثل نحو 60% من استهلاكها عبر اللجوء إلى استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال وضخه في أنابيب الغاز الممتدة من موانئي شمال إيطاليا المعدة تقنيا لإعادة تسييل الغاز، لكن هذا الحل سيؤدي حتماً إلى ارتفاع سعر الغاز بنحو 25%.
 
من جهتها، تحاول اسبانيا لعب دور المنقذ لجاراتها في سيناريو الغاز، عبر ربط أوروبا بالغاز الجزائري الذي 50% من الاستهلاك الاسباني. وفي هذا الإطار كان وزير خارجية مدريد مانويل غارسيا مارغايو قد زار العاصمة الجزائرية ليقنع نظراءه بضرورة الرهان على الغاز الآتي من شمال إفريقيا. لكن المحللين يؤكدون أن العلاقات الإستراتيجية بين الجزائر وروسيا لا تصب في صالح الأوروبيين.
 
الاتحاد الأوروبي، يعي تماماً أن لا مفر من الاعتماد على الغاز الروسي الذي يصلهم 66% منه عبر أوكرانيا. واليوم، بات الجميع، وعلى رأسهم ألمانيا التي تستورد 35% من حاجاتها من روسيا، يبحثون عن بدائل عن الغاز الروسي، لتلافي الضرر الاقتصادي الذي قد يلحق بشركاتهم وقطاعاتهم الصناعية كثيفة الاستهلاك للغاز. وهو ما سيرفع الكلفة وبالتالي الأسعار ويؤدي إلى عودة شبح الركود من جديد إلى منطقة اليورو.
 
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وعلى الرغم من امتلاك أوروبا لقدراتٍ غير مستغلة في مجال تسييل الغاز الطبيعي، إلا أن الغالبية العظمى من محطات التسييل تقع جنوب القارة، بعيداً عن بلدان وسط وشرق أوروبا الأكثر اعتماداً على الغاز الروسي، كما أن اختناقات شبكات الغاز الأوروبية تحد من القدرة على نقل الغاز عبر الحدود.
 
وفي ما يتعلق بالحلول الأخرى التي تم طرحها على طاولة المباحثات الأوروبية، فإن المتابع للمشهد يمكنه بسهولة أن يلاحظ أن جميع المقترحات، رغم إمكانية تنفيذ بعضها، تصلح على المديين المتوسط والبعيد. فاستيراد الغاز الصخري الاميركي عبر الخط البحري الذي قد يبدأ عام 2016 سيصطدم بمعارضة الأمريكيين الحريصين على الاحتفاظ بثروتهم النفطية للاستهلاك الداخلي.
 
أما خط أنابيب "نابوكو" لنقل الغاز من تركمانستان وآذربيجان والعراق وإيران الى أوروبا عبر شرق تركيا سيستغرق سنواتٍ طويلة إضافة إلى كلفته الباهظة، تماماً كما هو الحال فيما يخص الاعتماد على الطاقة النووية كمصدر متجدد للطاقة، والذي تراجعت بعض الدول مثل ألمانيا عن الخوض فيه.
 
يبقى أمام دول الاتحاد الأوروبي منفذان متمثلان في إنشاء سوقٍ مشتركة للطاقة من اجل توحيد الأسعار، وهو ما يستدعي إجراء تعديلاتٍ تشريعية قد تتطلب وقتاً لتنفيذها. والحل الآخر، الذي يعد الأهم والأفضل، هو اللجوء إلى الطاقات المتجددة والنظيفة، لكنها هي الأخرى تتطلب إجراء أبحاث ودراسات لتطوير هذا القطاع. بمعنى آخر، قد يكون التصرف الأمثل على المدى القصير هو إجراء محادثات ثلاثية، أوروبية-روسية-أوكرانية، لضمان عدم وقف تدفقات الغاز، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور النزاع في أوكرانيا ونجاح البلاد في انتخاب رئيسٍ شرعي.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.