اقتصاد

مصرفان مركزيّان لتجنيب ليبيا الإفلاس

مقاتلون ليبيون يحرسون مصافي نفط في راس لانوف (الصورة من رويترز)

منذ انطلاق "عملية الكرامة" في أيار-مايو الماضي وانشقاق الصف الليبي، عاد الحديث مجدداً عن قرب إفلاس الدولة الليبية واستنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي جرّاء الصراع المسلح والدامي في أكثر من مدينة، ولاسيما في العاصمة طرابلس (شمال غرب البلاد) وبنغازي (شرقاً)، بين كتائب مسلحة تتقاتل لبسط السيطرة، ما أفرز جناحين للسلطة في البلاد؛ الأول يتمثل في البرلمان (مجلس النواب) بطبرق والذي يدعم حكومة عبد الله الثني المعترف بها دولياً، والثاني، الذي يتخذ من العاصمة طرابلس مقراً له، مكونٌ من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته والذي يدعم حكومة عمر الحاسي.

إعلان

ومع ازدياد حدة الحرب، لم يفلح مصرف ليبيا المركزي في النأي بنفسه عن حيثيات النزاع، بل أصبح جزءاً منها عندما أقال البرلمان محافظه الصديق الكبير لينصّب مكانه علي الحبري الذي يدير المصرف المركزي من المقر الجديد في طبرق. لكن وعلى الرغم من أن البنك المركزي ظل طيلة أشهر الحرب ملتزماً بتعهداته فيما يخص البنود الأربعة الرئيسية المتمثلة في دفع رواتب الموظفين، وسداد دعم السلع والمحروقات، والإنفاق على الطلاب الموفدين إلى خارج البلاد، وتغطية تكاليف علاج المواطنين الليبيين بالخارج، إلا أن استمرار الصديق الكبير في ممارسة مهامه وقيامه بمقابلة عدد من المسؤولين الأمريكيين والخبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين لمناقشة الأزمة المالية الليبية وتداعيات هبوط أسعار النفط، كل ذلك دفع بالحكومة الليبية في طبرق إلى الإعلان عن سعيها إلى وضع نظام جديد لتحصيل الإيرادات النفطية لا يمر عبر البنك المركزي في طرابلس التي لا تخضع لسيطرتها. فتحديد هوية من يملك النفط الليبي أساسية بالنسبة إلى المشترين الأجانب الذين كانوا على مدى عقود يسددون مدفوعات شراء الخام الليبي عن طريق بنك رسمي مرتبط بالبنك المركزي في طرابلس.

وقد تطرح هذه الظروف تساؤلاً بديهياً حول سبب ربما استمرار الشركات النفطية الكبرى المرتبطة مع ليبيا بعقود طويلة الأجل في العمل داخل المنشآت النفطية الليبية على الرغم من ضبابية الموقف وتوقف إنتاج أهم الحقول النفطية وإغلاق مرافئ التصدير، وذلك بتعاقدات غير معلنة المعالم والبنود ولا يعلم الشعب عن تفاصيلها.

وعلى الرغم من أن الحديث عن "الكارثة" المالية والاقتصادية ليس جديداً على ليبيا، فقد سبق وأن حذر البنك الدولي، في تقريره الصادر قبل أشهر، من خطر انكماشٍ يتجاوز معدله 34%، كما أن كلاً من ديوان المحاسبة والمصرف المركزي الليبيين كانا قد دقّا ناقوس الخطر في أكثر من بيانٍ صحفي مشيرين إلى وجود فساد وهدر في الإنفاق العام، الأمر الذي سيترتب عليه عجز، إلا أن حالة الرعب من انحدار الدولة من خانة "الإمبراطورية النفطية" إلى مصاف الدول المفلسة، تعود إلى إصدار مصرف ليبيا المركزي، بداية الشهر الجاري، لبيانٍ وصفه الخبراء السياسيون والاقتصاديون بـ"براءة الذمة" لإدارة المصرف والعاملين فيه يحذر فيه من انزلاق البلاد إلى جرف الإفلاس، مطالباً السلطات التشريعية والتنفيذية المنقسمة في البلاد بضرورة اتخاذ إجراءات من شأنها التقليل من الإنفاق الاستهلاكي للمحافظة على أرصدة العملة الصعبة، وبالتالي مواجهة مخاطر استمرار تدهور الأوضاع المالية. وأوضح المصرف في بيانه، أنه وبسبب تراجع أسعار النفط في السوق العالمية هبطت إيرادات ليبيا للعام الحالي إلى 18.5 مليار دولار حتى شهر تشرين الثاني-نوفمبر لسنة 2014، مقارنةً بـ69 مليار دولار قبل الإطاحة بنظام القذافي. هذا فيما بلغ حجم الإنفاق 34 مليار دولار، لتسجل البلاد عجزاً قيمته 15 مليار دولار. وأرجع المصرف ارتفاع حجم الإنفاق إلى المرتبات التي بلغت وحدها 19 مليار دولار، مقارنة مع 7 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي، وذلك نتيجة زيادة المرتبات في مختلف القطاعات بنسبٍ تراوحت بين 53% و183% والتي كانت من نصيب القطاع الصحي.

اللافت هو تفاؤل المحافظ الجديد للبنك المركزي الليبي، علي الحبري، الذي اعتبر، في مقابلةٍ مع "مونت كارلو الدولية"، أن تنبؤات الإفلاس ما هو إلا وهمٌ يسوق له بعض المراهقين السياسيين، مشيراً إلى أن بلاده تمتلك احتياطياً نفطياً يقدر بـ34 مليار برميل يبلغ ثمنها بالأسعار الحالية (60 دولاراً للبرميل) أكثر من تريليوني دولار. كما كشف الحبري أن احتياطي البلاد من النقد الأجنبي موجود بالكامل في أرصدةٍ مؤمنة وموزعة على 38 دولةً، حول العالم. لكن أياً من المحافظيْن، السابق الصديق الكبير والحالي علي الحبري، لم يعط صورةً واضحةً مدعمةً برقمٍ متفقٍ عليه بشأن حجم الاحتياطي النقدي الذي كان يبلغ، خلال عهد القذافي، 170 مليار دولار بخلاف الذهب، فيما تحدث الصديق الكبير في شهر ابريل نيسان الماضي عن 119 مليار لتسجل الاحتياطيات 105 مليارات دولار، وفقاً لتصريحات مصباح العكاري، الناطق الرسمي باسم مصرف ليبيا المركزي مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، ويتحدث الحبري اليوم عن 112 مليار دولار. تضاربٌ صارخٌ في الوقت الذي ينفي فيه البنك المركزي استخدام مبالغ من الاحتياطي النقدي "المجنب" لتمويل الموازنة العامة مؤكداً أن الاحتياطي النقدي المجنب هو فوائد مالية لسنوات سابقة لضمان الثروة النقدية للأجيال المقبلة، ولا يملك أحدٌ التصرف فيها إلا بقانون.

النقطة الأخرى التي فتحت الباب أمام سجال شعبي واسع في الشارع الليبي، كانت حديث مصرف ليبيا المركزي في بيانه الأخير عن اختفاء أرصدة مقدرة بنحو 300 مليار دولار كانت في حوزة الدولة قبل سقوط نظام القذافي، في إشارةٍ إلى تورط الحكومات المتتالية منذ حكم الرئيس الأسبق للمجلس لوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل مروراً بحكومتي الكيب وزيدان اللتين رصدتا ميزانيتين بقيمة 70 مليار دينار لكلٍ منهما، وانتهاءً بالمليشيات المسلحة من دروع وكتائب وقوات إرهابية متطرفة، جميعهم مسؤولون عن تبديد المال العام وإهدار موارد تكفي وتفيض في دولة بحجم ليبيا لا يتجاوز عدد سكانها 7 ملايين نسمة هاجرت النسبة الأكبر نحو وجهات عربية وغربية مختلفة.

بناءً على المعطيات المتوفرة لدينا، يمكننا التكهن بأن شبح الإفلاس قد يكون بعيداً عن ليبيا، لكن البلاد واقعة في براثن الصراع الأمني والسياسي من جهة والفساد وعدم الشفافية من جهةٍ أخرى. فإنتاج ليبيا من النفط، والذي يصل في الأحوال العادية إلى 1.65 مليون برميل يومياً ويناهز 400 ألف برميل اليوم، إضافةً إلى الثروات غير المستغلة سواء من الغاز أو الموارد المنجمية أو الثروة البحرية أو الأراضي الزراعية المهملة، كل ذلك يمكن أن يجعل ليبيا دولة من أغنى دول العالم بشرط أن تستقر الأوضاع السياسية والعسكرية ليتسنى لحكومة واحدة وبرلمان شرعي واحد العمل بتركيز على تنفيذ الإصلاحات التي دعا إليها البنكان المركزيان والمتمثلة في إلغاء الدعم الحكومي للوقود والسلع خلال نطاق زمني محدد، وإعادة النظر في النفقات الحكومية، بالإضافة إلى استحداث قاعدة بيانات وطنية كالرقم الوطني من أجل مواجهة معضلة الرواتب المكررة. عندها فقط يمكن الحديث عن انتشال تام ونهائي لليبيا من كارثة اقتصادية محدقة بها على المدى الطويل، وليس القصير فالبلاد لا تزال قادرةً على الصمود حتى هذه اللحظة.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن