تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أخبار منوعة

من هم النرجسيون ؟

لوحة "التقليد ممنوع" لرونيه مارغريت 1937- متحف
لوحة "التقليد ممنوع" لرونيه مارغريت 1937- متحف
نص : رامتان عوايطية
6 دقائق

سؤال مغر للقراءة أليس كذلك؟ هذا ما انتابني من شعور وأنا أقرأ مقالا في هذا الصدد، حيث نفكر دائما أن البعض من حولنا نرجسيون دون أن ندرك معاني هذه الكلمة وهي بالأحرى تشخيص طبي لتصرف إنساني غير صحي سيكولوجيا.

إعلان

من حب الذات ما قتل 

الشخص الذي يعاني من النرجسية وفق مجلة "علوم إنسانية" الفرنسية،فرد معجب بنفسه بصورة مبالغة فيها ويصاحب هذا الغرام الذاتي حاجة ماسة لحب الآخرين. لا بل إن هذا الشعور يصاحبه نوع من جنون العظمة فيحسب المرء نفسه نصف آلهة لم يخلق أحسن منه على وجه البسيطة.
وهكذا يعتبر الشخص النرجسي أنه أحسن من الآخرين وأنه من الطبيعي أن يعطي لنفسه حقوقا على حساب الآخرين وهو يعتقد أن من الطبيعي أن يكون الآخرون في خدمته كما يتميز بالأنانية والتعالي واحتقار الغير.
 
تحضرني هنا صورة العقيد "معمر القذافي" الذي جسد قمة النرجسية وهو يرفع رأسه عاليا مخاطبا شعبه "من أنتم أيها الجرذان" ؟ لم ينتبه القذافي حينها أنه فقد البصر والبصيرة، وأن "نرجسيته" حرمته من التواصل مع شعبه. فماذا لو كان السناريو مخالفا؟ ماذا لو أصغى القذافي للمحتجين، واستقبلهم، واستمع إلى انتقاداتهم ومطالبهم وفتح أمامهم مجال المواطنة في دولة مؤسسات ؟ أعتقد أن نهاية الرجل المأساوية كانت ستكون مختلفة تماما.
 
نظرية "النرجسية"
 
كان "سيغموند فرويد" وفق ما تكتبه مجلة علوم إنسانية، أول من تحدث عن مصطلح "النرجسية" عام 1910 من خلال دراسته حول "المثليين جنسيا" الذين يغرمون بشخص من جنسهم لأنهم مغرمون بأنفسهم، ولكن الفضل في تطوير نظرية علمية حول "النرجسية" يعود للمدرسة الأمريكية في علم النفس، وقد وضع الأمريكي "أتو كونبورغ" عام 1970 نظرية تعريف "الشخصية النرجسية" انطلاقا من أعمال فرويد وتقوم على افتراض "نرجسية" بدائية "صحية" عند الأطفال كمرحلة هامة في النمو السيكولوجي، ونرجسية "ثنائية" تستمر عند الشخص البالغ الذي لم يستطع الخروج من "التركيز على نفسه" للتفاعل مع العالم الخارجي. ولكن السؤال الذي حير الكثيرين هو كيف يقع الشخص النرجسي في الحب؟ فالحب عطاء وخروج من النفس قبل أن يكون تبادلا.
 
حول هذا الموضوع تكتب الطبيبة النفسية "جانفييف أبريال" أن القليل من النرجسية مطلوب لكل إنسان سوي، لأنها تمنحه الحب الذاتي الكافي الذي يدعمه في خياراته وفي حياته. ولكن تحول الحب الذاتي إلى تأليه الذات واحتقار الغير، هو مرض اكلينيكي ناتج عن قصور في اعتقاد الشخص أنه جدير بحب الآخرين. وهكذا يحرص النرجسيون على أن يكون محط الاهتمام والإعجاب من قبل أصدقائه أو أحبابه. وهو يجذبهم بوعد أنه قد يحبهم، وفي الحقيقة هو يفشل دائما في الوفاء بهذا الوعد لأنه غير قادر على أن يحب شخصا غيره هو.
 
"نرسيس" لم يكن جميلا ...
 
صفات النرجسية التي يعتبرها علماء النفس مرضا نفسيا، تجعلني أتساءل إن كان العالم اليوم يؤم شعوبا وقبائل من المرضى النفسيين. ف"نارسيس" بطل الاسطورة الإغريقية الذي أغرم بصورته في بركة الماء،
"نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ
. لكن صُنَّاعَهُ ورَّطوهُ بمرآته.
 فأطال تأمُّلَهُ في الهواء المقَطَّر بالماء
لو كان في وسعه أن يرى غيره
لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ، وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان
ولو كان أَذكى قليلاً لحطَّم مرآتَهُ ورأى كم هو الآخرون"
 
كلما أفكر في "نرسيس" أفكر في محمود درويش صاحب هذه الأبيات الذي تفطن إلى أن مرض العصر هو النرجسية. فأين تبدأ النرجسية؟ قد يقول البعض إنها تتجسد في كلام وزير العدل المصري السابق الذي أعلن وبكل ثقة بأن "ابن الزبال مستحيل يبقى قاضي، مش للدرجة دي " وقد تبدأ عند رئيس الدولة الذي يرفض أن يستمع إلى شعب يئن تحت القنابل ليبقى هو في منصبه معززا مكرما أو آخر يرهن شعبا وطننا لا لشيء لأنه يريد أن يموت رئيسا وأن يشيع كالرؤساء وبعده الطوفان.
لا بل أنني أكاد أجزم أننا نصنع النرجسيين بأن نطبل لهذا المسؤول ونتملق ذاك الصديق أو ذلك القريب ونبتعد عن الصدق مع أنفسنا قبل أن يكون مع الآخرين.
 
ولكن لكي لا نضحك على أنفسنا، كم من "نرسيس" بين ظهرانينا، نحن البشر العاديون، كم من صحفي او إعلامي أصيب بجنون العظمة، كم من شخص حقر غيره لأنه يعتقد بأنه الأحسن، كم رجل أو امرأة غذى هذا الشعور في نفسه وكيف عززت مواقع التواصل الاجتماعي وابتكارات "السلفي" و"الانستاغرام" والهواتف الذكية" نرجسيتنا وحرضتها على النمو ؟ ظنا منا أننا نحقق انتصارات وهمية على واقعنا وعلى طواحين الهواء؟
والحل ؟ لا أدري، ربما أن نتذكر أننا ذاهبون يوما ما كما ذهب نرسيس قبلنا إلى بعد آخر، لا يتجسد فيه الحب بمقاييس بعدنا المادي الراهن. فهل يا ترى نحن قادرون على التذكر؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.