تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أزمة اليونان

اليونان: مستقبل غامض أم خطة مدروسة؟

(أرشيف رويترز)

فرضية خروج اليونان من منطقة اليورو وإن كانت قائمة، إلا أن حدوثها يظل في غاية الصعوبة. فعندما بدأت أزمة ديون اليونان عام 2007، مع بداية أزمة الرهن العقاري، دخلت أثينا دوامة لا نهاية لها من الاستدانة المفرطة من دول الاتحاد الأوروبي، وتحديداً من فرنسا وألمانيا، وظلت اليونان تقترض من بنوك هذين البلدين بشكلٍ مفرط للحفاظ على مستوى نموٍ اقتصادي يسمح لها باستحقاق عضوية منطقة اليورو.

إعلان

 

 القوى الأوروبية الكبرى أول المتضررين
 
اليوم، وعلى الرغم من إجمالي دين عام يقترب من الترليون يورو، بين دين خارجي وداخلي، يصعب بتر هذا العضو المصاب، فأول المتضررين في حال خروج اليونان وإعلان إفلاسها هي البنوك الفرنسية والألمانية. وهنا يمكن الاستدلال بتصريحات محافظ البنك المركزي الألماني الذي قال بأن خسائره قد تتجاوز أضعاف مخصصات البنك لأزمة اليورو والبالغة 15 مليار يورو.
وبالنسبة إلى فرنسا، فبنوكها ستنهار وتدخل السندات مرحلة الاحتضار والموت السريري، وهو ما سيضر بجميع أسواق المال في العالم حتى العربية منها بسبب ارتفاع تكلفة الإقراض على المستثمرين جراء تأثر المحافظ الأجنبية بما يحدث في أوروبا.
  
مصائب قوم اليونان عند قوم ألمانيا وفرنسا فوائد
 
وهنا لا يجب أن ننسى بأن اقتصادي فرنسا وألمانيا يشكلان 45% من إجمالي اقتصاد منطقة اليورو ولهما ثقلهما في اتخاذ القرار. علاوة على استفادة البلدين بشكلٍ أو بآخر من الأزمة.
 
فألمانيا التي أظهرت مواقف متشددة تارة ومتهاونة تارةً أخرى، استفادت هي ونظيراتها من الدول الأوروبية المصدّرة، من أزمة اليونان التي هوت بالعملة الموحدة (اليورو) إلى مستواها الحالي، مما رفع من مستوى الطلب على منتجاتها، وبالتالي جاء في صالح ميزانها التجاري طيلة الفترة الماضية مستفيدةً من حالة الشد والجذب.
 
كما لا يجب أن ننسى بأن البنك المركزي الأوروبي كان يهدف إلى خفض أسعار اليورو من أجل إنعاش الاقتصاد وهنا تشير البيانات الأوروبية إلى ارتفاع مؤشر معنويات المستثمرين في منطقة اليورو خلال الشهر الجاري على الرغم من غموض ملف اليونان، بالإضافة إلى أن استطلاع رأي المستثمرين يظهر بأنهم يعتقدون أن منطقة اليورو تعيش أزخم حالاتها وأفضلها.
 
المقرضون الدوليون يمتنعون عن معاقبة أثينا
 
يضاف إلى كل ما سبق أن البنك المركزي الأوروبي، الجهة الوحيدة المخولة بإعلان إفلاس اليونان، لم يتخذ قراراً بإيقاف التمويل الطارئ الذي يقدمه للبنوك اليونانية والبالغ 89 مليار يورو. مما يعني أن الأبواب لا تزال مفتوحة لاسيما وأن صندوق النقد الدولي هو الآخر أبدى استعداده للمساعدة بعد أن كان من المنتظر أن يعاقب اليونان جراء تخلفها عن السداد من خلال طردها وحرمانها من مساعداته وأسعاره التفضيلية فيما يخص فوائد الديون.
 
ومن جهةٍ أخرى، اجتماع الرئيس الفرنسي مع مستشاريه ووضعه لتصور عاجل من أجل إنقاذ الموقف، بعد مكالمة أجراها معه رئيس الحكومة اليوناني أليكسيس تسيبراس، بالإضافة إلى مطالبة فرنسا وألمانيا بعقد قمة عاجلة للاستماع إلى مقترحات أثينا، كل ذلك يشكل دليلاً واضحاً على عدم رغبة القوى الكبرى في خروج اليونان من منطقة اليورو.
 
احتواء أثينا مقابل نفوذ روسيا والصين
 
الخروج من منطقة اليورو يعني لجوء أثينا إلى كلٍ من روسيا والصين، وتعزيز نفوذهما في المنطقة أمام منافسيهما الأوربيين، خصوصاً وأن تسيبراس زار موسكو أكثر من مرة في محاولةٍ لتوجيه رسائل تنبيه مبطنة إلى الأوروبيين، لينجح بالفعل في إثارة حفيظة زعماء منطقة اليورو. هذا بالإضافة إلى أن اختفاء اليونان من خريطة اليورو يعادل خسارة الدائنين لأكثر من 300 مليار يورو ستذهب أدراج الرياح ولن تعود في يومٍ من الأيام، وستكون السندات والبنوك الأوروبية أكبر المتضررين حينها.
 
من هنا يمكن القول إن أليكسيس تسيبراس قد حقق بالاستفتاء مكسبين، الأول هو بقاء حكومة اليسار في منصبها، والثاني البقاء في منطقة اليورو بشروطٍ يونانية هذه المرة.
ولذلك صرح  تسيبراس، قبيل الاستفتاء، بأنه متمسك ببقاء بلده داخل منطقة اليورو، وهذه رغبة الشعب الفعلية. ومباشرةً بعد إعلان نتائج الاستفتاء أعلنت الحكومة عن استقالة وزير المالية يانيس فاروفاكيس الذي كانت الأطراف الدولية تعتبره حجر العثرة أمام المفاوضات بسبب شراسته وحنكته، وهو ما يمثل رسالةً واضحة للنظراء الأوروبيين تؤكد استعداد أثينا للتفاوض مجدداً.
 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة اليونانية استعانت بأفضل المؤسسات العالمية المتخصصة في مجال الاستشارات المالية، على غرار مجموعة لازار، والتي أوجدت لأثينا ثغراتٍ متعددةً مالية وقانونية، من بينها تلك الثغرة في بنود صندوق النقد الدولي التي استخدمتها اليونان للتنصل من سداد شريحة قرضٍ بقيمة 1.6 مليار يورو كانت مستحقة نهاية يونيو حزيران 2015.
 
للقوى العالمية الكبرى حسابات أخرى
 
اليوم تبدو النتيجة واضحة، وهي صعوبة خروج اليونان من منطقة اليورو، وهو الأمر الذي استشعرته أسواق المال التي، وعلى الرغم من تراجعها الطفيف، لم تنهار وحافظت على رباطة جأشها ومعنويات مستثمريها.
 
وفيما يخص المملكة المتحدة فهي لا تهتم كثيراً بالموضوع، بل يمكن القول إن الخروج يصب في مصلحتها لأنها تحتاج إلى عذرٍ تخرج به من الاتحاد الأوروبي ولذلك فإن مؤشر الفايننشال لم يتأثر بشكلٍ كبير كغيره من المؤشرات الأوروبية.
 
أما بالنسبة إلى الدول الأكثر مطالبةً بخروج اليونان فهي الدول الصغيرة التي سبق وأن عانت من أزمة مالية وتعافت وتقبلت شروط الدائنين، على غرار ايرلندا مثلاً، فتلك الدول تعيش اليوم حالة من الغيرة والغضب، لا تقل عن غضب شعوب الدول المقرضة لليونان والتي تضغط على حكوماتها لتكون أكثر حزماً.
 
إذا هي بالفعل هزة للاقتصاد الأوروبي، ولها تبعاتها، لكنها ليست بتلك القسوة والدموية التي قد نتخيلها أو نتوقعها، فذاك سيناريو بعيد جداً حتى الآن.
فإسبانيا التي عانت ولا تزال تعاني من الديون تمكنت من إنجاح خطة الإنقاذ وإنعاش اقتصادها الذي بدأ ينمو بنسبة 1% في الربع الثاني من هذا العام مع توقعات بتحقيق معدلات نمو تتخطى ال3% العام المقبل، وهي نسب كبيرة مقارنة بأكبر دول منطقة اليورو وبمعدل نمو المنطقة ككل والذي يراوح مكانه حول القيمة الصفرية.
 
كما أن اسبانيا استطاعت خفض معدلات التضخم فيما يخص أسعار المستهلكين وخفض عدد العاطلين عن العمل لأول مرة منذ بداية الأزمة وفي مختلف القطاعات.
 
أضف إلى ذلك تعبير اسبانيا عن حالة من الرضا حول إعطاء اليونان فرصة جديدة للخروج من أزمتها وتمديد خطة إنقاذها.
 
علاوة على أن العديد من المراقبين السياسيين والاقتصاديين يرجحون أن يبادر الاتحاد الأوروبي بإجراء حزمة إصلاحات لنفسه ومعاييره، خصوصاً وأنه يواجه عدم التزام الدول الكبرى بنسبة العجز المتفق عليها.
 
ومن جهةٍ أخرى، الولايات المتحدة الأمريكية التي تواجه تعثراً في الحفاظ على طفرة إنتاجها من النفط الصخري بسبب تراجع الأسعار ما يجعل الإنتاج مكلفاً وأقل ربحيةً، فإنها لن تسمح بمزيدٍ من التراجع الذي قد يتسبب به تراجع الطلب على النفط العالمي وبالتالي عزوف الشركات عن التنقيب. وهناك نقطة أخرى، وهي أن استمرار انخفاض اليورو مقارنةً بالدولار الأمريكي لا يصب في صالح اقتصاد الولايات المتحدة ولن تتحمل الوضع لفترة طويلة خاصةً وأنها بصدد إبرام اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي.
 

 

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن