تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

مارك ليلا: نهاية يسار الهويات والتنوع (1 من 2)

داعمون لهيلاري كلينتون وخيبة أمل ليلة الانتخابات الأمريكية في نيويورك 2016 (رويترز)

من المؤكد أن الولايات المتحدة قد باتت بلداً أكثر تنوعاً. وهو لأمر يثير الغبطة. الزوار الأجانب، ولا سيما أولئك القادمون من بلدان تعاني في سبيل دمج جماعات عرقية وأديان أخرى، يستغربون نجاحنا. رغم أن البلاد ليست على هذه الدرجة من الكمال بالطبع، لكنها تظل على أية حال أفضل من أي بلد آخر في أوروبا أو آسيا. إنه لنجاح كبير.

إعلان

ولكن كيف يجب ترجمة هذا التنوع في السياسة؟ الرد المعتاد من قبل اليسار منذ ما يقرب من جيل هي أن علينا مراعاة اختلافاتنا و"الاحتفاء" بها. إنه لمبدأ رائع في التربية الأخلاقية، غير أنه يؤدي إلى نتائج وخيمة حين يعتمده حزب ما أساساً لسياسته.

خطأ استراتيجي

في السنوات الأخيرة، رضخ اليسار الأميركي في قضايا الهويات العرقية أو الجنس أو الجنسانية لنوع من الهستيريا الجماعية شوهت رسالتها لدرجة منعتها من أن تصبح قوة موحدة قادرة على الحكم.

واحد من الدروس العديدة المستفادة من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة ونتيجتها المقيتة هو أن علينا وضع حد لعصر اليسار التنوعي.

لم تكن هيلاري كلينتون أبداً أكثر امتيازاً وإثارة مما كانت عليه حين تعرّضت لتورط الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، وكيف أن ذلك يرتبط بمفهومنا عن الديمقراطية. بالمقابل، وحين كان الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية، لم تكن في ذات المستوى من الرؤية ومالت إلى الاعتماد على خطاب التنوع، من خلال الدعوة الصريحة إلى تصويت السود واللاتينيين والنساء والمثليين (مثليات، مثليون، ثنائيو الجنس ومتحولون). لقد ارتكبت خطأ استراتيجياً هنا.

طالما تتم الإشارة إلى فئات في المجتمع الأمريكي، فمن الأفضل ذكرها جميعاً. خلاف ذلك، ستلاحظ الجماعات المنسية ذلك وستشعر بأنها مستبعدة. هذا هو بالضبط ما حدث مع الطبقات الشعبية من البيض وذوي القناعات الدينية القوية. ما لا يقل عن ثلثي الناخبين البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية صوتوا لدونالد ترامب، وكذلك فعل أكثر من 80٪ من الإنجيليين البيض.

نظرة مشوهة للتاريخ

بالطبع، كان للطاقة الأخلاقية المجيّشة حول قضايا الهوية العديد من الآثار الإيجابية. حوّل التمييز الإيجابي وحسّن أوضاع كثيرين من موظفي الشركات. وكان لحركة "حياة السود مهمة" [التي تدين عنف الشرطة ضد السود] أثر كاشف لدى جميع الأميركيين ممن يتمتعون بقليل من الضمير. كذلك، فقد ساهمت هوليوود، عن طريق تطبيع المثلية الجنسية في الثقافة الشعبية، في تحويلها (المثلية) إلى أمر عادي في الحياة العامة وضمن الأسر الأمريكية.

غير أن الهوس بالتنوع في المدارس وفي الصحافة أنتج في اليسار جيلاً من النرجسيين الذين يتجاهلون مصير غير المنتمين إلى الجماعات التي يعرّفون أنفسهم بها، ولا يبالون بضرورة أن يستمعوا إلى جميع الأميركيين أياً تكن ظروفهم.

يتم تشجيع أطفالنا، ومنذ سن مبكرة، على الحديث عن هويتهم الفردية، حتى قبل تكونها. وحين يدخلون الجامعة، يعتقد كثيرون بينهم أن الخطاب السياسي ينحصر في خطاب التنوع، وسنصاب بالفزع حين نعرف أن لا رأي لهم في قضايا كبرى كالطبقات والحرب والاقتصاد والصالح العام.

ويتحمل المسؤولية عن ذلك، إلى حد كبير، تدريس التاريخ في المدارس الثانوية، فالبرامج المعتمدة تلصق بالماضي خطاب الهوية الحالي وتقدم صورة مشوهة للقوى والشخصيات الكبرى التي صنعت بلدنا. على سبيل المثال، فإن انتصارات حركة حقوق المرأة، وإن كانت حقيقية ومهمة، لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء إنجازات الآباء المؤسسين الذين أسسوا نظاماً في الحكم يستند على ضمان الحقوق.

تقدم اجتماعي كبير

عندما يدخل الشباب إلى الجامعة، يتم تشجيعهم على التركيز على ذواتهم من قبل الاتحادات الطلابية والأساتذة والإداريين الذين يعملون بدوام كامل لإدارة "قضايا التنوع" ومنحها أهمية أكبر.

"فوكس نيوز" وغيرها من وسائل الإعلام اليمينية المحافظة تعشق السخرية من "جنون الجامعات" الذي يحيط بهذه القضايا، وهم محقون في ذلك في أحيان كثيرة. وهذا يلعب لعبة الديماغوجيين الشعبويين الذين يسعون إلى نزع الشرعية عن التعليم في عيون من لم تطأ أقدامهم الجامعة.

كيف يمكن أن تشرح للناخب العادي الحاجة الأخلاقية الملحة المفترضة لمنح الطلاب الحق في اختيار ألقاب شخصية خاصة يرغبون في أن يعرفوا بها؟ كيف لا نضحك مع هؤلاء الناخبين حين نعلم أن شاباً مخادعاً من جامعة ميشيغان طلب أن يطلق عليه لقب "صاحب الجلالة"؟

استولت هذه الحساسية تجاه التنوع في الجامعة على وسائل الاعلام اليسارية بشكل كبير. إن توظيف نساء وأفراد من الأقليات في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية بحجة التمييز الإيجابي لهو تقدم اجتماعي كبير – ولقد غيّر ذلك حتى وجه وسائل الإعلام اليمينية. لكنه ساهم أيضاً في إعطاء الشعور، وخاصة لدى الصحفيين الشباب ورؤساء التحرير، أنهم بتطرقهم إلى قضايا الهوية فقد أتمّوا عملهم.

مارك ليلا - مؤرخ وصحافي أمريكي وأستاذ الإنسانيات بجامعة كولومبيا

(ترجمة لترجمة جولييت كوبيكا الفرنسية المنشورة في "لوموند" للنص الأصلي الذي ظهر أول مرة في "نيويورك تايمز" في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2016)

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن