تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

مارك ليلا: نهاية يسار الهويات والتنوع (2 من 2)

بيل وهيلاري كلينتون أمام تمثال لروزفلت في متحف يحمل اسمه عام 1998 (أ ف ب)

خلال إجازة تفرّغ حديثة قضيتها في فرنسا قمت بتجربة صغيرة قررت فيها عدم تصفح الجرائد الأمريكية لمدة سنة واحدة وقراءة صحف أوروبية فقط.

إعلان

مصير جماعي

كانت فكرتي أن أحاول رؤية العالم كما يفعل القراء الأوروبيون. لكن الأكثر إفادة بالنسبة لي كان وقت عودتي حين وجدت كيف أن منظور الهوية قد غيّر أسلوب معالجة المعلومات في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.

كم من المرات مثلاً رويت وأعيدت رواية القصة الأكثر كسلاً في الصحافة الأمريكية حول "أول شخص من الفئة X يقوم بالفعل Y؟". نعثر كذلك على غواية قضايا الهوية حتى في تغطية الأخبار الدولية، وهو للأسف سلعة نادرة. قد يكون من المهم أن تقرأ على سبيل المثال مقالاً عن محنة المتحولين جنسياً في مصر، لكن ذلك لا يساهم أبداً في إعلام الأميركيين حول التيارات السياسية والدينية القوية التي ستحدد مستقبل مصر، وبشكل غير مباشر مستقبل بلادنا. لن يتبنى أي عنوان كبير في الصحافة الأوروبية زاوية النظر هذه.

لكن فشل اليسار التنوعي كما رأينا للتو كان أكثر دراماتيكية فيما يتعلق بالاستراتيجية الانتخابية.

 مارك ليلا: نهاية يسار الهويات والتنوع (1 من 2)

عادة، لا تركز السياسة الوطنية على ما يفرق بيننا ولكن على ما يوحدنا. ونختار لقيادة هذه السياسة الشخص الذي عرف أفضل من غيره كيف يحدثنا عن مصيرنا الجماعي. لقد كان رونالد ريغان جيداً في ذلك أياً يكن ما نعتقده عن رؤيته.

بيل كلينتون أيضاً حذا حذو ريغان. فقد تمكن من الهيمنة على الحزب الديمقراطي عبر تهميش جناحه الحساس تجاه قضايا الهوية، ركز طاقاته على تدابير سياسة داخلية تعود بالنفع على الناس جميعاً (مثل التأمين الصحي)، وحدد دور الولايات المتحدة في العالم بعد سقوط جدار برلين.

نظرية "الرجل الأبيض الغاضب"

ببقائه في منصبه لدورتين متتاليتين، كان كلينتون قادراً على فعل الكثير لمختلف فئات الناخبين من جماعات التحالف الديمقراطي. سياسة الهوية تعتمد بشكل أساسي على التعبير دون الإقناع. هذا هو السبب في أنها لا يمكن أن تفوز أبداً في الانتخابات – بل يمكن أن تخسرها.

الاهتمام الذي أبدته وسائل الإعلام مؤخراً، وبطريقة أنثروبولوجية تقريباً، بالرجل الأبيض الغاضب، يقول الكثير عن حالة اليسار الأميركي وعن هذه الشخصية المذمومة لزمن طويل والتي بقيت حتى وقت قريب مزدراة.

بالنسبة لليسار، فإن القراءة المريحة للانتخابات الرئاسية الأخيرة يمكن أن تعتبر أن دونالد ترامب فاز لأنه كان قادراً على تحويل وضع اقتصادي مأزوم إلى غضب عنصري - هذه هي الأطروحة المعروفة بـ whitelash (الضربة البيضاء)، أي رد الفعل العنيف للناخبين البيض.

وهي قراءة مريحة لأنها تعزز الشعور بالتفوق الأخلاقي وتسمح لليسار بصم أذنيه تجاه ما يعتبره هؤلاء الناخبون شاغلهم الرئيسي.

تغذّي هذه القراءة أيضاً فانتازم أن اليمين الجمهوري محكوم على المدى البعيد بالانقراض الديمغرافي – بمعنى آخر، فلا يترتب على اليسار سوى انتظار أن تسقط البلاد في طبقه بعد أن تكون قد طهيت بما فيه الكفاية. غير أن نسبة تصويت اللاتينيين العالية بشكل غريب لصالح السيد ترامب تأتي هنا لتذكرنا أنه كلما زاد تجذر الجماعات العرقية في الولايات المتحدة، كلما كان تصويتهم أقل تجانساً.

اللائق سياسياً politiquement correct

أخيراً، فإن أطروحة whitelash مريحة لأنها تبرئ اليسار من رؤية أن هوسه بالتنوع قد شجع الأمريكيين البيض، الريفيون المتدينون، على أن ينظروا إلى أنفسهم كمجموعة محرومة ذات هوية مهدد أو منتهكة.

لا ينشط هؤلاء ضد واقع أمريكا متعددة الثقافات (في الواقع، هم يميلون إلى العيش في مناطق متجانسة السكان). إن رد فعلهم هو ضد الحضور الطاغي لخطاب الهوية، أي ما يسمونه "اللائق سياسياً". سيكون من الجيد أن يتذكر اليسار أن "كو كلوكس كلان" هي أقدم حركة هوياتية في الحياة السياسة الأميركية، وأنها لا تزال موجودة. عندما نلعب لعبة الهوية فيجب أن نتوقع الخسارة.

نحن في حاجة إلى يسار جديد ما-بعد-تنوعي ينهل من النجاحات السابقة لليسار الحالي ما-قبل-التنوعي. يسار كهذا سيسعى إلى توسيع قاعدته من خلال التواصل مع الأميركيين بصفتهم أميركيين والتركيز على القضايا التي تهم الغالبية العظمى منهم، وسيتحدث إلى الأمة باعتبارها أمة مواطنين يركبون نفس القارب وعليهم الالتصاق ببعضهم البعض.

فيما يتعلق بالقضايا الأكثر حساسية وذات الرمزية المشحونة والتي قد تخيف الناخبين المحتملين، خاصة تلك المتعلقة بالجنس والدين، سيتصرف هذا اليسار بهدوء وعبر توظيف البراعة والتدرج.

تكوين مواطنين ملتزمين

سيركز المعلمون الملتزمون بيسار كهذا على المسؤولية السياسية الرئيسية التي تقع على عاتقهم في أية ديمقراطية: تكوين مواطنين ملتزمين يعرفون نظامهم السياسي والقوى الكبرى والأحداث الرئيسية في تاريخهم.

سيذكّر هذا اليسار ما-بعد-التنوعي أن الديمقراطية لا تتعلق فقط بالحقوق؛ بل تفرض واجبات على مواطنيها كذلك، منها مثلاً واجب الإعلام والتصويت.

وسائل إعلام هذا اليسار ستبدأ بإجراء تحقيقات في مناطق البلاد التي كانت تتجاهلها وحول القضايا التي تهم هذه المناطق وخاصة الدين. ستتعامل وسائل الإعلام تلك بجدية مع مسؤوليتها في إعلام الأميركيين حول القوى الكبرى التي تحكم العلاقات الدولية، وخاصة من منظور تاريخي.

دعيت منذ سنوات قليلة إلى مؤتمر نقابي في ولاية فلوريدا للحديث عن الخطاب الشهير للرئيس فرانكلين روزفلت عام 1941 حول الحريات الأربع. كانت الصالة ممتلئة بممثلي الفروع المحلية - رجال ونساء وسود وبيض ولاتينيين. بدأنا بترديد النشيد الوطني ثم جلسنا للاستماع إلى تسجيل لخطاب روزفلت.

لاحظت تنوع الوجوه بين الحضور وأدهشني إلى أي مدى كان هؤلاء الأشخاص رغم اختلافهم الكبير يركزون على ما يجمعهم. حين بدأ صوت روزفلت النابض بالحياة يذكر حرية التعبير وحرية العبادة وحرية العيش بعيداً عن العوز وحرية العيش بعيداً عن الخوف - الحريات التي كان يطالب بها "في كل مكان حول العالم" – تذكرت ما هي الأسس الحقيقية لليسار الأميركي الحديث.

مارك ليلا - مؤرخ وصحافي أمريكي وأستاذ الإنسانيات بجامعة كولومبيا

(ترجمة لترجمة جولييت كوبيكا الفرنسية المنشورة في "لوموند" للنص الأصلي الذي ظهر أول مرة في "نيويورك تايمز" في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2016)

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن