تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

آلان باديو: حول "الحياة الحقيقية" والقلق الذي ينتاب الحضارة (2 من 2)

مونت كارلو الدولية
نص : علاء خزام
13 دقائق

يجيب آلان باديو في هذا الحوار على أسئلة جولييت سيرف من مجلة "تيليراما" الفرنسية حول الأزمات متعددة الأشكال في الغرب والعالم والتي يعتبرها الفيلسوف الفرنسي أعراضاً لـ"قلق عميق في الحضارة" يستدعي تجاوزها ابتكار نموذج يتخطى الراهن ويستقي، برأي باديو، من مبادئ أربعة قامت عليها الفكرة الشيوعية. هنا ترجمة غير حرفية للشريط المصور، بسبب من طبيعة الكلام المرسل في لقاء حي، ولكن الملتزمة بإيصال المعنى واضحاً ودقيقاً.

إعلان

آلان باديو: حول "الحياة الحقيقية" والقلق الذي ينتاب الحضارة (1 من 2)

------------------------------------------------------------------------------

 تفضلون إذاً تركيز جهودكم على "إفساد الشباب"؟ ماذا يعني ذلك؟

للإجابة علينا العودة إلى أستاذنا المؤسس سقراط الذي حوكم بتهمة "إفساد الشباب" بالمعنى التالي: كان سقراط يحوّل الشباب ويبعدهم عن طريق العبادات في المدينة وكذلك حتى عن اللعبة السياسية (لم يكن سقراط راضياً عن الطريقة التي تعمل بها المجالس السياسية... الخ). لذلك، فقد اعتبره محاكموه شخصاً يبعد الشباب عن الانخراط في العالم كما هو. ورغم أن المجتمع هناك كان ديمقراطياً إلا أنه كان في الوقت نفسه مجتمعاً محافظاً بالنسبة لقوانينه. وسقراط في هذا الجو اعتبر خارجاً عن الشرعية الديمقراطية وحكم عليه تالياً بالإعدام. إذاً فإن مهمة الفلسفة تكمن في التوجه إلى الشباب في ظروف تتضمن نقداً راديكالياً للعالم الاجتماعي والسياسي والعام كما هو عليه. لا يمكن للفلسفة أن تتردد ولا تبادر بهذا النقد بحجة الخضوع والامتثال للقواعد العامة الاجتماعية أو الوطنية. هذا تراث ثمين وصلنا من ذلك الزمن وكان دائماً يتم تبريره بالوظيفة النقدية للفلسفة وبأن الفلسفة تعيّن إمكانية إنشاء حياة مختلفة عن تلك الموجودة، حياة تكون متجهة بشكل أكثر وضوحاً نحو قيم ذات معاني كليّة (universalisme) ولا تكون محكومة من قبل شخوص ذوي نزعات قومية معادية للأجانب وتتركز حول إرادة النجاح وشؤون الموازنة... وغيرها مما لا يعطي معنى حقيقياً للسياسة عموماً. هذا هو إذاً ما اعتبره المواطنون الأثينيون المتزمتون "فساداً" وباسمه أجبروا سقراط على تجرّع السم... الفرق بيني وبين سقراط هو أني لم أحاكم بالموت وهو ما يسأل عنه القضاة في زماننا.

تقدمون قراءات فلسفية على خشبة مسرح "La Commune" في ضواحي باريس وأنتم معروفون كذلك ككاتب مسرحي وعرضت أحد أعمالكم الأوبرالية بعنوان "الشال الأحمر". ما الذي يمثله المسرح في حياتكم وعملكم؟ وهل صحيح أنكم كنتم ترغبون في أن تصبحوا ممثلاً كوميدياً؟

هذا صحيح تماماً، وربما لقد أصبحت هذا الممثل الكوميدي رغم كل شيء. اللقاء بالمسرح كان بالنسبة لي لقاءاً مزلزلاً حين كنت شاباً (12-13 عاماً). ظهرت في تلك الفترة في مدينتي تولوز فرقة متأثرة بأفكار (جان) فيلار حول المسرح الشعبي تسمى "Le Grenier de Toulouse" قدمت عروضاً أثرت فيّ بشدة وتضمنت أفكاراً تجديدية (كاعتمادها خطاباً أكثر مواجهة مع الجمهور بالإضافة لبساطتها وتحطيمها للقوانين القديمة في الكوميديا... الخ). وكان أستاذي في تلك المرحلة قد أدخل المسرح في التعليم وقدم بعض العروض ومن ثم أصبحت كوميدياناً كما كثيرين في تلك المدرسة. قدمنا بعض المسرحيات لموليير مثل "غيرة المخدوع" و"الصقلي" وصولاً إلى "خيانات إسكابان" التي حظيت فيها بدور البطولة وبدأت أعي أن المسرح هو ذلك المكان المتفرد حيث تقدم ويعاد تقديم شخوص البشرية في حيواتهم، هو المكان الذي يوضح "اللعبة" الاجتماعية بمعنى مزدوج لكلمة "لعبة"... أي هو "اللعب" من جهة وكون اللاعبين يشكلون في الوقت نفسه "لعبة" في المجتمع... الخ من جهة أخرى. المسرح هو مكان هذه اللعبة المزدوجة والتي تتناسب بطريقة ما مع الفلسفة. ستحاول الفلسفة تبيان أن بإمكاننا أن "نلعب" بشكل مختلف في الحياة الشخصية والجماعية. هنالك برأيي نوع من التوافق بين المسرح والفلسفة وهنا أعارض أستاذي أفلاطون الذي لم يكن يثق كثيراً بالمسرح باعتباره مكاناً للتقليد والأوهام والشهوات المنفلتة... الخ. أعتقد أنه كان مخطئاً في ذلك.. ربما لأنه لم يتلق مثلي تعاليم بريشت فيقوم بإصلاح خطئه. أخطأ أفلاطون لأنه لم يدرك أن اللعب/التمثيل في المسرح يتم تناوله بشيء من التباعد الذي يسمح بتقييمه كواقع وكلعب/تمثيل في الآن ذاته... أو كلعب/تمثيل الواقع. للمسرح وفق وجهة النظر هذه وظيفة تعلمية وجوهرية. بالتالي، بقيت متعلقاً بالمسرح الذي لم يتعارض مع الفلسفة في حياتي... على العكس فقد قام بتنشيطها من الداخل.

وهل ما زلتم تكتبون للمسرح؟

نعم، لقد كتبت مؤخراً مسرحية إذاعية بعنوان "محاكمة سقراط الثانية" قدمتها إذاعة "فرنسا ثقافة" وسجلت في الاستديو الكبير لـ"بيت الإذاعة" ولعبت فيها دور سقراط.

أعرف أن واحداً من أحلامكم هو تنفيذ فيلم سينمائي على الطريقة الهوليودية عن حياة أفلاطون وأنكم تتمنون أن يقوم براد بيت بدور أفلاطون وشون كونري بدور سقراط. هل ما زلتم تفكرون بذلك؟

نعم لكنه لم يحرز أي تقدم وذلك خطئي لوحدي لأن علي بداية أن أحضر سكريبت كاملاً عن حياة أفلاطون باللغة الإنجليزية. لقد كتبت بالفعل 7 مشاهد من خطة عامة تتضمن 24 أو 25 مشهداً. لذا فإن أمامي عملاً كثيراً بعد لكنني أنوي فعلاً كتابة هذا العمل المهم لأننا لا نعرف تقريباً أي شيء عن حياة أفلاطون والبعض يطلق العنان لخياله وابتكاراته حول هذه الحياة. هناك الكثير من القصص الكاذبة حول حياته... الخ. نستطيع إذاً إعادة بناء قصة حياة أفلاطون من وجهة نظر أفلاطون نفسه وهذا هو الأمر المهم. أي إعادة كتابة قصة حياة أفلاطون انطلاقاً من حواراته نفسها ومحاولة تقديم حياته الفلسفية في فيلم يجب أن يكون إنتاجاً ضخماً جداً... لماذا؟ يجب علينا أن نتعامل بجدية مع القصص التي تروى عن أفلاطون. يقال مثلاً أن قراصنة قبضوا عليه خلال عودته من إحدى رحلاته إلى صقليا وذهبوا به إلى الجزائر.. إذاً، ترون أن الواجب تقديم معركة بحرية بإمكانيات معتبرة، فالفلسفة تستحق أن تنفذ من أجلها معارك بحرية جديرة بأن تسمى معارك.

ولذلك يجب إقناع هوليوود؟

طبعاً... وما زلت أعتقد أن براد بيت يمكن أن يقبل الاشتراك مجاناً دون مقابل في الفيلم... إنه لشرف عظيم أن يحظى أي شخص بتمثيل دور أفلاطون.

كتابكم "مديح الحب" كتاب صغير حظي بنجاح كبير وتمت ترجمته حول العالم. الآن وبعد عدة سنوات على صدوره، كيف تفسرون هذا النجاح وما الذي تغير في فلسفتكم وعلاقتكم بالجمهور بعد هذا الكتاب؟

أود في البداية أن أقول إنه ليس غريباً إحراز النجاح حين يتعلق الأمر بموضوع الحب... فهذا معروف من زمن طويل، لكن كان من الضروري أن أقدم شيئاً جديداً على هذا الصعيد حتى يثير الكتاب الاهتمام. في الحقيقية لقد دافعت ومنذ زمن طويل عن فكرة أن الحب، جنباً إلى جنب مع العلم والفن والسياسة التحررية، هو إحدى دعائم الحقيقة. لكن ما هي حقيقة الحب؟ هذا ما حاولت أن أبينه في الكتاب الصغير. وجاوبت أن حقيقة الحب هي حقيقة الاختلاف، بمعنى أن الحب هو أن يقبل المرء في حياته نفسها بوجود شخص آخر يكون مختلفاً إلى أبعد الحدود عنه، وذلك باعتبار أن كل الأشخاص مختلفون عن بعضهم إلى أبعد حد. وقلت إن الحب هو ذلك الشيء الذي يتغلب بشكل جذري على الصعوبة التي تطرحها الغيرية. هذا هو المسار الذي يجري فيه هذا التغلب رغم أنه ينطوي كذلك على صعوبات أو أزمات أو حتى على أحداث تراجيدية. وقلت كذلك إن الحب هو العالم وقد اختُبر لا من وجهة الواحد بل من وجهة نظر الاثنين معاً. إنه العالم وقد أعيد تشكيله وأعيد تكوينه وأعيد اختباره انطلاقاً من أننا اثنان وليس واحداً. إنه ومن خلال هذا القبول النهائي لغيرية متضمنة في وجودكم ذاته يأخذ الحب مساره. إذاً، فالحب في العمق فلسفياً هو ما يمنح الاختلاف حقيقته لكن ليس بأن نردد بأن "الاختلاف هو الاختلاف"، بل أن نرى أن الاختلاف فعل خلاق... فنحن حين نكون في علاقة حب مع أحد ما تتغير علاقتنا كلها بالعالم وتنتظم بطريقة مختلفة. هذا ما حاولت قوله في الكتاب، الذي هو في الأصل حوار مع نيكولا تريونغ في مدينة أفينيون، وانتبهت إلى أن لهذا النوع من الأفكار جمهوراً معتبراً ومهماً فهم الأطروحة التي يدافع عنها الكتاب وهي أن الحب بوصفه كذلك يتعرض للتهديد اليوم. الحب مهدد لأنه لا يتوافق في الحقيقة مع الفردانية التنافسية المطلوبة في مجتمعاتنا حتى يتم قبولنا فيها كمنتصرين. فالحب يتوقف على قبولنا التام للآخر في حياتنا الخاصة ويخضع فردانيتنا ليس لاختبار النجاح الشخصي والانتصار على الآخرين ولكن لاختبار الغيرية. هنالك بالتالي انعدام توافق خفي بين الحب والعالم كما هو اليوم. لقد انتبهت إلى أن انعدام التوافق هذا هو ربما قلق منتشر لدى كثيرين يتساءلون حول ما إذا كان للحب مكان اليوم ويقولون أليس الحب خطيراً؟ هل علاقة الحب ما زالت ممكنة؟ وذلك إذا أخذنا بالاعتبار أن نصف الأزواج ينفصلون بعد مضي عدة سنوات على حبهم وأننا نعيش أزمة في الشعر (لقد توقف رامبو كذلك عند موضوع أزمة الحب). هذه الأزمة تقلق كثيرين إذاً لأن لقاء الحب وتجربة الحب هو في نهاية الأمر تجربة كونية (universalisme). ونرى أن صعوبة الحب المحتملة اليوم أو فكرة أنه في نهاية الأمر من المستحسن ألا تكون علاقة الحب عميقة كثيراً ويكون بديلها نوعاً من العقد بين الطرفين... لقد انتقدت مثلاً طرق العثور المنظم عن طريق مواقع التعارف على شريك الحب حيث يقولون لنا "سنجد لكم الشريك الذي يشبهكم كثيراً.. الذي يتوافق معكم: لديه نفس ذوقكم ويحب الرحلات التي تحبونها... الخ". وقلت إن قصص الحب الحقيقية كانت دائماً مناقضة لهذا المسار. قصص الحب الحقيقية كانت دوماً اختباراً لاختلاف رئيسي ومسار حياة تقوم بدمج هذا الاختلاف الرئيسي. حين يصبح هذا عبارة عن عقد بالتراضي يعود بالمنفعة على الطرفين فمن الأفضل أن يتم توقيعه مسبقاً والقول إنه وبحسب ملف الشخص الذي عرضوه علي على الانترنيت سأختار هذه وذاك. أعتقد أن هذا يشكل عرضاً لأزمة الحب لأننا في النهاية نتعامل معه كما نتعامل مع حيازة السلعة أي بحسب مبدأ التوافق وإشباع رغبتنا التجارية. والآن لأجيب عن سؤالك تماماً، أنا أيضاً دهشت من نجاح هذا الكتاب وقلت لنفسي يبدو أنني قد لامست فيه مسألة تتعلق بصيانة الحب وفكرة أنه إذا كان الحب مهدداً... إن اختفى الحب من الحياة الاجتماعية سيشكل ذلك فقداً كبيراً لحيوات كثيرة تعيش وحيدة وفاقدة للاتجاه. حتى اليوم حين أعرض الكتاب يأتيني كثيرون لأوقع لهم الكتاب وتقريباً في أغلب الحالات يطلبون مني أن أوقعه باسم أحبائهم... يأتي مثلاً ألفريد ويقول لي "وقع لي الكتاب باسم بريجيت" أو بالعكس... والعكس هو ما يحصل في أكثر تلك الحالات أي أن القوة الكبرى التي تدعم الحب نسوية على ما أعتقد. وقد دافعت كذلك عن هذه الفكرة الأخيرة.. أعتقد أن هناك أسباباً رئيسية وليس ثانوية تجعل من النساء عناصر جيش الدفاع عن الحب.

هل يعود ذلك لكونهن من يسعين لتستمر مغامرة الحب عبر الزمن؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى أنهن كن يشكلن رمزاً للغيرية لردح طويل من الزمن في العالم الهيراركي القديم. في ذلك الوقت كانت البشرية ذكورية ولسبب رئيسي هو أن "الله" نفسه كان مذكراً. حتى أستاذي (جاك) لاكان كان يقول أن الكلمة اليونانية التي تعني "الآخر" وهي héteros مرادفاً للقول أن hétérosexuel هو الشخص الذي يحب النساء ذكراً كان أم أنثى. من يحب النساء إذاً يحب الاختلاف. والنساء بقين أكثر انفتاحاً على فكرة الاختلاف هذه، رغم أنها أضرت بهن ووقعن ضحيتها خلال زمن طويل، وهذه الفكرة تبقى ذات قيمة إيجابية تقوم على احتضان الاختلاف وبناء العالم انطلاقاً منه. هم أكثر انفتاحاً من الرجال الذي يبقون محافظين فيما يتعلق بهويتهم... لكن عليهم أن يتغيروا.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.