تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

جيجك: ترامب أو العالم رأساً على عقب (1 من 2)

مونت كارلو الدولية
نص : مونت كارلو الدولية | علاء خزام
11 دقائق

ماذا يعني النصر المؤزّر الذي أحرزه دونالد ترامب في انتخابات رئاسة القوة العظمى على حساب "اليسارية" هيلاري كلينتون؟ أي مستقبل ينتظر العالم أجمع في ظل صعود الشعبويات اليمينية القادرة والفعالة سياسياً واقتصادياً؟ من هو العدو الحقيقي، أو "الـ"عدو بألف ولام كبيرتين، لترامب وأصدقاءه الأقوياء حول العالم؟ ما هي أعراض العجز اليساري المستديم عن إنجاز بديل يتجاوز في ضربة واحدة ليبرالية ذات منزع ثقافوي واهنة اقتصادياً وفاشية اجتماعية-ثقافية تنذر بخراب مديد وانغلاقات حول الذات والهوية؟

إعلان

هنا ترجمة الجزء الأول من رؤية الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك المنشورة في مجلة "الصالون الفلسفي" 16 كانون الثاني/يناير 2017:

 ------------------------------------------------------------------------------

لا يتثمل الجانب الأكثر إحباطاً لمرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية في التدابير التي أعلن عنها الرئيس المنتخب ولكن في الطريقة التي بررت بها الكتلة الأكبر للحزب الديمقراطي هزيمته التاريخية. الجدير بالملاحظة هو أن مؤيدي الحزب يتأرجحون بين اعتماد رأيين متناقضين: الرعب من الذئب الشرير المدعو ترامب والوجه الآخر لهذا الهلع والافتتان – أي القيام بتطبيع الوضع والقول بفكرة أن لا شيء غير عادي قد حدث، وأن ما جرى هو محض انقلاب في التناوب الطبيعي بين الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين: ريغان، بوش، ترامب ... وعلى المنوال نفسه، فقد أشارت نانسي بيلوسي مراراً وتكراراً إلى أحداث عقد مضى. بالنسبة لها، فإن الدرس واضح – الماضي مقدمة للمستقبل وما حصل في السابق سيحصل لاحقاً. سيتجاوز الجمهوريون حدودهم، وحين يحدث ذلك ما على الديمقراطيين إلا أن يكونوا على استعداد للقفز والتقاط الفرصة[1]. مثل هذا الموقف يتجاهل تماماً المعنى الحقيقي لانتصار ترامب وضعف الحزب الديمقراطي الذي جعل من ذلك ممكناً وإعادة الهيكلة الجذرية للفضاء السياسي التي يدلّ عليها هذا الانتصار.

 ولقد تم إيضاح إعادة الهيكلة التي أشير إليها عبر نسخة أخرى من تناقضات ترامب تتعلق بموقفه تجاه روسيا: ففي الوقت الذي كان فيه الجمهوريون المتشددون يهاجمون باستمرار أوباما بخصوص تعامله الرخو مع بوتين، بالتغاضي عن الاعتداءات العسكرية الروسية (جورجيا، شبه جزيرة القرم...) وبالتالي تعريض الحلفاء الغربيين في أوروبا الشرقية للخطر، يدعو أنصار ترامب اليوم إلى تعامل أكثر تساهلاً بكثير مع روسيا. المشكلة الأساسية هي، بالضبط، هنا. كيف لنا أن نجمع بين التناقضين الأيديولوجيين – تعارض النزعة التقليدية مقابل نزعة نسبية علمانية والتناقض الإيديولوجي الكبير الآخر الذي تستند عليه كلياً شرعية الغرب و"حربه على الإرهاب"، أي التعارض بين الحقوق الفردية الليبرالية-الديمقراطية والأصولية الدينية المتمثلة أساساً في "الفاشية الإسلامية"؟ هنا يكمن التناقض ذو الدلالة للمحافظين الجدد الأميركيين: بينما يفضلون فيما يتعلق بالسياسة الداخلية مكافحة العلمانية الليبرالية (الإجهاض وزواج مثليي الجنس... إلخ) -أي أن نضالهم هو ما يمكن إدراجه ضمن ما يسمى بـ"ثقافة الحياة" ضد "ثقافة الموت"- يميلون في السياسة الخارجية إلى قيم مناقضة تماماً أي إلى "ثقافة الموت" الليبرالية.

إن إحدى وسائل حل هذه المعضلة هي المقاربة الأصولية المسيحية المتشددة التي شرحتها كتابات تيم لاهاي Tim LaHaye وشركاه: أي إخضاع التناقض الثاني بشكل لا لبس فيه للتناقض الأول. وهكذا، ينظر المحافظون الجدد الأمريكيون، على مستوى عميق وغالباً ما يكون غامضاً، إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره "الـ"عدو. وهذا التصور، الذي ظل مسيطراً عليه في الخطاب السياسي العام، يتمخض عن نسخته السرية الفاحشة، أي الرؤية السياسية لليمين المتطرف المسيحي الأصولي مع خوفها الهوسي من النظام العالمي الجديد. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن أوباما متواطئ سراً مع الأمم المتحدة؛ ستتدخل قوات دولية في الولايات المتحدة وتقوم باحتجاز كل الوطنيين الأمريكيين في معسكرات اعتقال. وقبل عدة سنوات، انتشرت بالفعل شائعات تقول بأن قواتاً أمريكية لاتينية تقوم ببناء معسكرات اعتقال في سهول مناطق وسط غرب الولايات المتحدة.

ويشير عنوان واحدة من روايات لاهاي إلى الاتجاه نفسه: "مؤامرة أوروبا". إن العدو الحقيقي للولايات المتحدة ليس الإرهابيين المسلمين، فهؤلاء ليسوا سوى دمى يتلاعب بها سراً العلمانيون الأوروبيون الذين يشكلون القوى الحقيقية لعدو المسيح الدجال والذين يريدون إضعاف الولايات المتحدة وإقامة النظام العالمي الجديد تحت سيطرة الأمم المتحدة. هم محقون في هذا التصور بمعنى ما: أوروبا ليست مجرد كتلة قوى جيوسياسية مثل غيرها، بل هي رؤية عالمية تتنافى في نهاية المطاف مع الدول القومية. وهذا البعد الذي يتضمنه الاتحاد الأوروبي يوفر مفتاح ما يسمى "الضعف" الأوروبي، حيث يوجد ارتباط غريب بين تحقيق الوحدة الأوروبية وفقدانها لقوتها العسكرية والسياسية العالمية. على أي حال، إذا كان الاتحاد الأوروبي باعتباره كونفدرالية واهنة متجاوزة للدولة في حاجة متزايدة إلى حماية الولايات المتحدة، فلماذا تبقى هذه الأخيرة وهي المعتلّة مالياً على وفاق معه؟ لتنذكر الإشارات إلى أن الولايات المتحدة دعمت مالياً قوى سياسية نظّمت الحملة المعارضة للاتفاقية الأوروبية الجديدة في إيرلندا. ويعارض هذا الرأي الأقلوي الرأي الليبرالي الديمقراطي السائد الذي يرى العدو الرئيسي في جميع أنواع الأصوليات وينظر إلى الأصولية المسيحية الأميركية باعتبارها نسخة محلية بائسة من "الفاشية الإسلامية". ومع ذلك، هذا الرأي السائد مهدد اليوم وما كان حتى الآن موقفاً هامشياً يقتصر على نظريات مؤامرة ازدهرت سراً بات موقفاً مهيمناً في الفضاء العام لدينا.

كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ على المرء أن يعيد مراراً وتكراراً القول بأن هزيمة كلينتون كانت الثمن الذي توجب عليها دفعه بسبب تحييدها لبيرني ساندرز. لم تهزم كلينتون لأنها كانت يسارية أكثر من اللازم، بل تحديداً لأنها كانت في موقف وسط للغاية وفشلت بالتالي في الحصول على دعم الانتفاضة المناهضة للمؤسسة الرسمية التي دعمت كلاً من ترامب وساندرز. لقد ذكّر ترامب بعض ناخبيه بنصف الحقيقة المنسي والمتعلق بالصراع الطبقي، رغم أنه فعل ذلك بطبيعة الحال بطريقة مشوهة وشعبوية. إن الحنق المناهض للمؤسسة الرسمية الذي يتملّك ترامب هو نوع من عودة ما كان قد قُمع في سياسات اليسار الليبرالي المعتدل الذي يركز على القضايا الثقافية وقضايا الثقافة الشعبية. تلقى هذا اليسار رسالته الخاصة من ترامب وإن في شكل مقلوب كلياً. هذا هو السبب في أن الطريقة الوحيدة لمواجهة ترامب كان يمكن أن تكون الالتزام التام بالغضب المناهض للمؤسسة الرسمية وليس رفضه باعتباره بدائية مكونة من رعاع بيض.

لنتذكر كم مرة أخبرتنا وسائل الإعلام الليبرالية أن ترامب قد ألقي القبض عليه وقد أنزل سرواله وأنه أقدم على الانتحار الإعلامي (بسخريته من والدي بطل حرب متوفي ومفاخرته بإمساك النساء من فروجهن... الخ). كان المعلقون الليبراليون المتغطرسون مصدومين من أن هجماتهم اللاذعة المستمرة على هياج ترامب العنصري والجنساني المبتذل وعلى انعدام اتزانه وهرائه حين يتحدث في الاقتصاد وما إلى ذلك، لم يضر به على الإطلاق، بل ربما حتى قد عزز جاذبيته الشعبية. ما فاتهم هو كيف يشتغل التمثيل: القاعدة تقول أننا نتماثل مع ضعف الأخرين وليس فقط، أو حتى ليس على وجه الخصوص، مع قوتهم، لذلك وكلما تمت السخرية من حدود ترامب، كلما زاد تماثل الناس العاديين معه ونظروا إلى الهجمات ضده كهجمات متعالية ضدهم هم. الرسالة غير الواعية التي تنقلها بذاءات ترامب للناس العاديين كانت تقول: "أنا واحد منكم!"، في حين شعر أنصار ترامب العاديين باستمرار بالإذلال من السلوك الأبوي للنخبة الليبرالية تجاههم. وقد عبرت ألينكا زوبانشيتش Alenka Zupančič عن ذلك بإيجاز بالقول "الأشد فقراً يخوضون حروب الأشد ثراءً، كما بدا ذلك واضحاً في انتخاب ترامب، وما فعله اليسار لم يتجاوز تأنيبهم وإهانتهم"[2]، أو أن اليسار، ينبغي أن نضيف، يفعل ما هو أسوأ حتى من ذلك: فهو "يتفهم" بأسلوب أبوي تشوش وعمى الفقراء... تمخضت هذه الغطرسة اليسارية الليبرالية في أكثر صورها صفاءً عن هذا النوع الجديد من البرامج الحوارية التي تعتمد التعليق السياسي الكوميدي (جون ستيوارت، جون أوليفر...) التي تمثل عموماً غرور النخبة المثقفة الليبرالية الصرف:

"إن السخرية من ترامب تقوم في أحسن الأحوال بصرف النظر عن سياساته الحقيقية، أما في أسوئها فتحول السياسة بأكملها إلى نكتة. وهذه العملية لا علاقة لها بالفنانين أو الكتاب أو خياراتهم. لقد بنى ترامب ترشيحه على أدائه ككوميدي بائس وهو ما كانت عليه شخصيته المنتمية إلى ثقافة البوب على مدى عقود. ببساطة لا يمكن أن تجري محاكاة ساخرة على نحو فعال لرجل يسخر من نفسه بشكل واع وأصبح رئيساً للولايات المتحدة على أساس أداءه على هذا النحو"[3].

ومن ثم فإن الشعبوية والثقافة الشعبية هما شكلان متكاملان للكذب الذي يتبع التمييز التقليدي بين الهستيريا والعصاب الوسواسى: الهستيري يقول الصدق تحت ستار كذبة (ما يقوله هو حرفياً غير صادق، ولكن الكذبة تعبر بشكل زائف عن تذمّر أصيل)، أما ما يدّعيه المصاب بالعصاب الوسواسي فهو حرفياً صادق، ولكنه صدق يخدم كذبة. بطريقة متماثلة، فإن الثقافة الشعبية هي "مثل الكذب بصدق. فهي تقول أشياءً صحيحة، لكنها على نحو ما خاطئة. الشعبوية من ناحية أخرى، هي إلى حد ما مثل قول الحقيقة على شكل كذبة. ورغم أن كل ما تقوله خاطئ نشعر رغم ذلك أن شيئاً ما فيه صحيح"[4]. نزح الاحتجاج الشعبوي واتجه نحو العدو الخارجي والإحباط الأصيل والشعور بالفقد، في حين يستخدم يسار الثقافة الشعبية نقاط الحقيقية لديه (الكشف عن التمييز على أساس الجنس والعنصرية في اللغة... إلخ) لإعادة توكيد تفوقه الأخلاقي وبالتالي منع تغيير اجتماعي واقتصادي حقيقي.

اضغط/ي هنا لقراءة الجزء الثاني

 هوامش:

[1] كلام مقتبس من هنا http://www.politico.com/story/2016/11/nancy-pelosi-donald-trump-house-democrats-231716.

[2] ألينكا زوبانشيتش، "العودة إلى مستقبل أوروبا"، (مخطوط غير منشور).

[3] http://www.latimes.com/opinion/op-ed/la-oe-marche-left-fake-news-problem-comedy-20170106-story.html.

[4] ألينكا زوبانشيتش، "العودة إلى مستقبل أوروبا"، (مخطوط غير منشور).

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.