ثقافة

جيجك: ترامب أو العالم رأساً على عقب (2 من 2)

مونت كارلو الدولية

ماذا يعني النصر المؤزّر الذي أحرزه دونالد ترامب في انتخابات رئاسة القوة العظمى على حساب "اليسارية" هيلاري كلينتون؟ أي مستقبل ينتظر العالم أجمع في ظل صعود الشعبويات اليمينية القادرة والفعالة سياسياً واقتصادياً؟ من هو العدو الحقيقي، أو "الـ"عدو بألف ولام كبيرتين، لترامب وأصدقاءه الأقوياء حول العالم؟ ما هي أعراض العجز اليساري المستديم عن إنجاز بديل يتجاوز في ضربة واحدة ليبرالية ذات منزع ثقافوي واهنة اقتصادياً وفاشية اجتماعية-ثقافية تنذر بخراب مديد وانغلاقات حول الذات والهوية؟

إعلان

هنا ترجمة الجزء الثاني من رؤية الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك المنشورة في مجلة "الصالون الفلسفي" 16 كانون الثاني/يناير 2017:

 ------------------------------------------------------------------------------

 اضغط/ي هنا لقراءة الجزء الأول

وتستمر قصة دونالد وهيلاري: يتغير اسم الزوج في فصلها الثاني ويصبح مارين لوبين وفرانسوا فيون. والآن بعد أن اختير فيون ليكون مرشح اليمين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، ومع اليقين (الكامل تقريباً) بأن الاختيار في الجولة الثانية من الانتخابات سينحصر بين فيون ومارين لوبين، وصلت ديمقراطيتنا إلى أدنى مستوى لها (حتى الآن). كتبت ناتالي نوغايريد Natalie Nougayrède في عمودها بجريدة الغارديان "فرانسوا فيون مثله كمثل مارين لوبين يشكل تهديداً كبيراً للقيم الليبرالية":

ليس من قبيل الصدفة أن يشيد بوتين علناً بفيون. لم يكن ذلك فقط لأن الكرملين يأمل في إيجاد حليف رئاسي فرنسي في شؤون السياسة الخارجية. بل كذلك لأن بوتين يرى في فيون تعبيراً عن أيديولوجيته المحافظة المتطرفة. لنلاحظ كيف قامت الدعاية الروسية بنعت أوروبا بلقب "أوروبا المخنثة" Gayropa"[1].

إذا كان الفارق بين كلينتون وترامب هو بين المؤسسة الرسمية الليبرالية والغضب الشعبوي اليميني، فإن ذلك الفارق يرتد إلى أدنى حد ممكن في حالة لوبين مقابل فيون. فرغم أن كليهما محافظان على الصعيد الثقافي، فإن فيون في مسائل الاقتصاد هو نيوليبرالي صرف في حين أن لوبين ذات نزعة أكثر توجهاً نحو حماية مصالح العمال. باختصار، طالما أن فيون يمثل اليوم أسوأ مزيج موجود -نيوليبرالية اقتصادية ونزعة محافظة اجتماعية- فإن المرء محمول بجدية على تفضيل لوبين. حجة وحيدة، من طبيعة شكلية تماماً، تدعم موقف فيون: فهو يدافع شكلياً عن أوروبا موحدة ويقف على مسافة حد أدنى مع اليمين الشعبوي، ورغم ذلك فإنه يبدو، فيما يتعلق بالمضمون، أسوأ من لوبين. ولذلك فهو يمثل الانحطاط المتأصل في المؤسسة الرسمية نفسها، أي حيث انتهى بنا الحال بعد صيرورة طويلة من الهزائم والانسحابات.

أولاً، كان لا بد من التضحية باليسار الراديكالي باعتباره منفصلاً عن عصرنا ما بعد الحديث الجديد و"باراديغمياته" الجديدة. ومن ثم تمت التضحية باليسار المعتدل الاشتراكي-الديمقراطي باعتباره منفصلاً كذلك عن ضرورات الرأسمالية العالمية الجديدة. واليوم، في آخر فصول هذه القصة المحزنة، ضحي باليمين الليبرالي المعتدل نفسه (جوبيه) كونه منفصلاً عن القيم المحافظة التي ينبغي تعبئتها إن أردنا، نحن العالم المتحضر، هزيمة لوبين. وكل تشابه مع قصة مكافحة النازية القديمة وكيف لاحظنا بسلبية حين تخلص النازيون بعد حصولهم على السلطة من الشيوعيين أولاً ثم من اليهود ثم من اليسار المعتدل ثم من المركز الليبرالي ثم حتى من المحافظين الشرفاء... هو تشابه عرضي محض. هنا يكون رد فعل ساراماغو، أي الامتناع عن التصويت، هو بكل وضوح الأمر الوحيد الملائم القيام به. يوفر الوضع في بولندا اليوم مثالاً إضافياً في هذا الصدد بمثابة رد عملي قوي على الرفض اليساري الليبرالي السائد للشعبوية المتسلطة باعتبارها جملة سياسات متناقضة محكوم عليها بالفشل. في حين أن هذا صحيح من حيث المبدأ -نحن جميعاً في عداد الأموات على المدى البعيد، كما قال ج.م. كينز Keynes- يمكن أن يكون هناك العديد من المفاجآت على المدى (غير) القصير (كثيراً):

"إن ما ينتظر الولايات المتحدة (وربما فرنسا وهولندا) في عام 2017 بحسب النظرة التقليدية هو حاكم غريب الأطوار يتبع سياسات متناقضة تعود بالنفع على الأغنياء في المقام الأول. الفقراء سيهزمون لأنه ليس لدى الشعبويين أي أمل في استعادة التوظيف الصناعي، وذلك رغم وعودهم. وسيستمر تدفق أعداد هائلة من المهاجرين واللاجئين لأنه ليس لدى الشعبويين أي خطة لمعالجة الأسباب الجذرية للمشكلة. في نهاية المطاف، فإن الحكومات الشعبوية، غير القادرة على الحكم الفعال، ستنهار وما سيواجهه قادتها سيكون إما الاتهامات أو الفشل في أن يعاد انتخابها. ولكن الليبراليين كانوا مخطئين. حول حزب "القانون والعدالة" اليميني-الشعبوي (الحاكم في بولونيا) نفسه من مجرد تفاهة أيديولوجية إلى حزب نجح في إحداث تغييرات مذهلة بسرعة وكفاءة قياسيتين. (...) شرّع الحزب لأكبر مساعدات اجتماعية عرفها تاريخ بولندا المعاصر. يحصل الآباء على 500 زلوتي بولندي (120 دولار) شهرياً عن كل طفل بعد الابن البكر أو عن جميع الأطفال في الأسر الفقيرة (متوسط صافي الدخل الشهري يصل إلى حوالي 2900 زلوتي، رغم أن أكثر من ثلثي البولنديين يكسبون أقل من ذلك). ونتيجة لذلك، فقد انخفض معدل الفقر بنسبة 20-40٪ وبنسبة 70-90٪ بين الأطفال. والقائمة تطول: عام 2016، سنّت الحكومة تقديم الدواء مجاناً للأشخاص فوق سن 75 ويتجاوز الحد الأدنى للأجور اليوم ما كانت تسعى إليه نقابات العمال، كما تم تخفيض سن التقاعد من 67 عاماً لكل من الرجال والنساء إلى 60 للنساء و65 للرجال وكذلك تخطط الحكومة لإعفاء ذوي الدخل المحدود من الضرائب"[2].

لقد فعل حزب "القانون والعدالة" ما تعد مارين لوبين بفعله أيضاً في فرنسا: مجموعة من التدابير لمكافحة التقشف - مساعدات اجتماعية لا يجرؤ أي حزب يساري على إقرارها بالإضافة إلى ضمان النظام والأمن الذي يؤكد الهوية الوطنية ووعود بالتعامل مع التهديد الذي يمثله المهاجرون. من الذين يمكنه أن يتغلب على هذه المجموعة من التدابير التي تتعلق مباشرة باثنين من أكبر هموم الناس العاديين؟ يمكننا بذلك أن نستشف في الأفق وضعاً شاذاً يفرض فيه "اليسار" الرسمي سياسات التقشف (حتى وهو يدافع عن التعدد الثقافي وغير ذلك من حقوق) فيما يكافح اليمين الشعبوي في الوقت نفسه لتحقيق إجراءات ضد التقشف ومساعدة الفقراء (حتى وهو يقدم جدول أعمال قومي معادي للأجانب). هذه هي النسخة الحديثة لما وصفه هيغل بـ"العالم رأساً على عقب" (die verkehrte Welt).

وماذا لو تحرك ترامب في الاتجاه نفسه؟ ماذا لو نجح، بطريقة أو بأخرى، مشروعه المتضمن نزعة حمائية معتدلة وأشغال عامة ضخمة، جنباً إلى جنب مع إجراءات أمنية معادية للمهاجرين واتفاق سلام فاسد جديد مع روسيا؟

في اللغة الفرنسية هناك ما يطلق عليه اسم ne explétif ويستخدم بعد بعض الأفعال وأدوات العطف. ويسمى أيضا بـ"ne الغير نافية" لأنه لا يمتلك قيمة نفي في حد ذاته وبذاته بل يستخدم في الحالات التي تكون فيها الجملة الرئيسية ذات معنى نافي (نفي سيء أو نفي استنكاري)، مثل التعبير عن الخوف والتحذير والشك والإنكار[3]. على سبيل المثال: في جملة "Elle a peur qu’il ne soit malade" (هي تخشى أن يكون هو مريضاً) لاحظ لاكان كيف أن هذا النفي الذي لا لزوم له يبيّن الهوّة التي تفصل بين رغبتنا اللاوعية الحقيقية وبين رغبتنا الواعية: يمكن لزوجة ما تخشى أن يكون زوجها مريضاً أن تقلق من كونه غير مريض (رغبة منها في أن يكون مريضاً). ألا يمكننا أن نقول الشيء نفسه بالضبط عن اليساريين الليبراليين المرعوبين من ترامب؟ "Ils ont peur qu’il ne soit une catastrophe" (هم يخشون أن يكون ترامب بمثابة الكارثة) ما يخشونه حقاً هو ألا يكون ترامب كارثة.

ينبغي على المرء أن يتخلص من الذعر الكاذب، والخشية من انتصار ترامب باعتباره يجسد الرعب الأقصى، الأمر الذي يجعلنا ندعم هيلاري على الرغم من كل عيوبها الفاضحة. خلق انتصار ترامب وضعاً سياسياً جديداً تماماً مع فرص ليسار أكثر راديكالية. يقع اليوم كل من اليسار الليبرالي واليمين الشعبوي على حد سواء ضحية سياسة الخوف: الخوف من المهاجرين، من النسويين... الخ، أو الخوف من الشعبويين الأصوليين... الخ. أول شيء يجب فعله هنا هو إتمام الانتقال من الخوف إلى القلق Angst: الخوف هو خوف من أمر خارجي ينظر إليه كتهديد لهويتنا، في حين يظهر القلق عندما ندرك أن هناك ما هو خاطئ في هويتنا نفسها، مع ما نريد حمايته من التهديد الخارجي المخيف. الخوف يدفعنا لتدمير الشيء الخارجي. الطريق لمواجهة القلق هو تغيير أنفسنا.

شكلت انتخابات عام 2016 الهزيمة النهائية للديمقراطية الليبرالية، أو بتعبير أدق، ما يمكن أن نسميه حلم اليسار الفوكويامي، والطريقة الوحيدة لهزيمة ترامب فعلاً والحفاظ على ما يستحق الحفاظ عليه في الديمقراطية الليبرالية هي إحداث انشقاق "طائفي" عن الإطار الرئيسي للديمقراطية اليبرالية - باختصار، إجراء انتقال في الثقل من كلينتون إلى ساندرز. الانتخابات المقبلة يجب أن تكون بين ترامب وساندرز. ومن السهل تخيل عناصر برنامج هذا اليسار الجديد. يعد ترامب بإلغاء الاتفاقيات الكبرى للتجارة الحرة التي تدعمها كلينتون، البديل اليساري لكليهما يجب أن يكون مشروعاً لاتفاقيات دولية جديدة ومختلفة -اتفاقات من شأنها السيطرة على البنوك، اتفاقات حول احترام المعايير البيئية، حول حقوق العمال، والرعاية الصحية، وحماية الأقليات الجنسية والعرقية، وما إلى ذلك. إن الدرس الكبير للرأسمالية العالمية هو أن الدول القومية لا تستطيع وحدها القيام بهذه المهمة، وحدها أممية سياسية جديدة من قد يمكنه لجم رأس المال العالمي.

ذات مرة قال لي أحد اليساريين المعادين للشيوعية أن الشيء الجيد الوحيد حول ستالين هو أنه أخاف فعلاً القوى الغربية الكبرى. ويمكن للمرء أن يقول الشيء نفسه عن ترامب: الشيء الجيد حوله هو أنه يخيف فعلاً الليبراليين. بعد الحرب العالمية الثانية، تعلمت القوى الغربية الدرس وركزت أيضاً على أوجه القصور الخاصة بها، والتي أدت بها إلى تطوير دولة الرفاه. فهل سيكون يساريونا الليبراليون قادرين على القيام بشيء مماثل؟

 هوامش:

[1] https://www.theguardian.com/commentisfree/2016/nov/28/francois-fillon-threat-liberal-values-marine-le-pen-france.

[2] كلام مقتبس من هنا https://www.project-syndicate.org/commentary/lesson-of-populist-rule-in-poland-by-slawomir-sierakowski-2017-01

[3] انظر http://french.about.com/od/grammar/a/negation_form_2.htm

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم