تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الولايات المتحدة

ترامب وسياسات الهوية: لسنا الوحيدين رغم كوننا الأفضل

رويترز

كان من أبرز الصور التي رفعها المحتجون في تظاهرات واشنطن الكبرى ضد ترامب والتي جمعت أكثر من 500 ألف شخص يوم السبت 21 كانون الثاني/يناير 2017 واحدة تظهر سيدة ترتدي حجاباً بألوان العلم الأمريكي للتعبير عن التضامن مع "المسلمين" الذين تستهدفهم سياسات الرئيس الأمريكي التمييزية. فمن هي هذه السيدة؟ وكيف يحدث أن "الحجاب" بات رمزاً للنسوية الليبرالية الكوسموبوليتية الجديدة؟ وما دور الإعلام الليبرالي والنخبة في الدعاية، دون أن يدري، لإيديولوجيا ترامب الثقافو-هوياتية؟

إعلان

لم يقتصر الأمر على واشنطن. في باريس ولندن وبرلين وستوكهولم وسيدني وبوينوس آيرس، ظهرت صور السيدة كذلك في تظاهرات حملت عنواناً عاماً هو "مسيرة النساء" ضد رئيس ذي نزعة ذكورية محافظة وشعبوية داعية لتفوق البيض. ورغم أن الحجاب لا يقدّم باعتباره مستقبل أمريكا ورغم أن وجوب وضعه من عدمه هو مسألة مختلف عليها بين المسلمين أنفسهم، تم تقديم هذا الشكل من التضامن باعتباره أحد وسائل المقاومة ضد ترامب. ويمكن تبرير هذا الخيار بكون نتائج القرارات الأمريكية الجديدة "تميز صراحة ضد المسلمين" كما قد يقال، لكن ما يتم التركيز عليه في جميع الحالات هو الجانب الثقافي ومسائل الهوية (مسملون، نساء، سود... الخ)... تماماً كما هي خطابات وسياسات ترامب! وتنزع الفئات التي تسمي نفسها "يسارية" و/أو "نسوية" اليوم، أي نخب الطبقة الوسطى المدينية خاصة في المجتمعات الأنغلوساكسونية، إلى الاستناد على أطر من المفاهيم ترى إلى "المسلم" بروليتاري العصر وإلى "المسلمة" (التي تصبح محجبة بالضرورة!) معبراً عن التسامح والحرية.

رويترز

رويترز

رويترز

ورغم أن قرار الرئيس الأمريكي المعنون "حماية الأمة من دخول إرهابيين أجانب إلى الولايات المتحدة" يخلو تماماً من كلمات "مسلم" أو "دولة مسلمة"، دون أن يعني ذلك أن ترامب لم يفكر بواسطة هذه المصطلحات، نقلت وسائل الإعلام العالمية الأكثر شهرة وتابعت ولا تزال بأدق التفاصيل الاحتجاجات التي عمّت العالم على "منع المسلمين" أو "منع مواطني دول مسلمة" من دخول الولايات المتحدة. فكيف، إن اعتمدنا منطق الإعلام السائد نفسه، يتحول بلدان على الأقل من السبعة المشمولة بقرار المنع والمتميزان بتنوع ديني/طائفي/عرقي كبير، أي سوريا والعراق، إلى بلدين مسلمين؟ وكيف يقال أن "المسلمين ممنوعون" رغم أن القرار يتعلق بـ7 دول فقط؟

وليست المظاهرات التي قالت وسائل الإعلام أنها "مناهضة لترامب" بحاملة لمطالب تغيير حقيقية بقدر ما هي احتجاج على الاستبعاد أو التهميش (للأقليات طبعاً)، وغايتها، والحال هذه، هي الانخراط في "النظام" وفرض نفسها لاعباً من داخل المؤسسة الرسمية لا من خارجها، دون حتى أن تكون معادية فعلاً لترامب. الأقرب للحقيقية هي أنها تسعى إلى "اعتراف" ترامب بها. وباستخدام كلمات منيرة أحمد نفسها، 32 عاماً أمريكية من أصول بنغلاديشية وصاحبة صورة الحجاب الشهيرة، والتي نقلتها "الغارديان" فإن الصورة "ليست ضد أي شيء. إنها تتعلق فقط بالاندماج. تتعلق بالقول أنا أمريكية مثلك بالضبط". فمن هو المخاطب في هذه الجملة إن لم يكن ترامب نفسه؟

الشخصية الثانية ذات الدلالة في "مسيرة النساء" كانت ليندا صرصور. ناشطة فلسطينية أمريكية شهيرة ألقت خطاباً أثناء التظاهرة لا يحتاج تحليلاً رمزياً لفرط وضوحه في التعبير عن الروحية الجديدة ليسار جديد ما بعد حديث مشغول إلى أبعد حد بقضايا الأقليات المهمشة. وقفت صرصور وقالت بصوت مليء بالفخر مخاطبة "إخوتها وأخواتها" من الحاضرين المتحمسين "أنتم تمثلون لي الأمل بالنسبة لمجتمعي (المسلم) (...) لن أحترم الرئاسة التي ربحت الانتخابات على ظهر المسلمين والسود والـ"بدون أوراق" والمكسيكيين والمعاقين وعلى ظهر النساء". ويستمر خطاب "المجتمعات" (شيء قريب من خطاب الطوائف في الشرق الأوسط) بعد أن يأخذ نبرة استعلائية غريبة ناسباً لنفسه كل الأخلاق وكل الضمير بالقول: "نحن ضمير هذه البلاد. نحن بوصلة الأخلاق في هذه الأمة. إن أردتم معرفة فيما إذا كنتم على الطريق الصحيح فاتبعوا النساء الملونات. نحن نعرف أين يجب أن نتجه ونعرف أين توجد العدالة (...)".

أشار الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك في مقال حديث إلى أن السخرية من ترامب تفيد ترامب أكثر مما تفيد خصومه باعتبار أنه يقدم نفسه طوال الوقت ككوميدي وأن البرامج الليبرالية الساخرة تحول السياسة في نهاية المطاف إلى "نكتة". يمكن القول بالمثل إن الأسلوب المبتذل من السخرية من مقولات ترامب المعادية للمرأة في مظاهرات أمريكا يحوّل الابتذال والسوقية إلى قاعدة للخطاب السياسي، أي مرة أخرى اللعب في ملعب ترامب المفضل: جميعنا سوقيون، جميعنا طائفيون... ولا أحد أفضل من أحد! الأمر الذي ينذر بعاقبة (محتملة جداً) إعادة انتخاب ترامب قبل أن يكون بديل أكثر راديكالية في تعريف مطالبه (اقتصاد واجتماع البشر وطبقاتهم... الخ) وأكثر وضوحاً في مواقفه من الرجعيات الشعبوية القديم منها والجديد المحدث (الموقف من الدين والهويات والتسامح... الخ) قد تشكل.

تويتر

تويتر

تويتر

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن