تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

"كانار أنشينيه": موعد مع رعب أسبوعي في الوسط السياسي الفرنسي

روجيه فريسوز رئيس تحرير "كانار أنشينيه" عام 1979 (أ ف ب)
نص : مونت كارلو الدولية
8 دقائق

أثبتت صحيفة "كانار أنشينيه" الفرنسية مجدداً، بعد كشفها لفضيحة "بينيلوبي غيت" المتعلقة باتهامات فساد موجهة للمرشح اليميني فرانسوا فيّون، قدرتها على بلبلة الوسط السياسي الفرنسي وإيقاع رعب أسبوعي في قلوب السياسيين أياً تكن انتماءاتهم عن طريق كشوفاتها الصحفية الفذة وذلك منذ قرن من الزمن.

إعلان

الـ"Canard Enchaîné": صحيفة سلميّة ضد الرقابة

أسست الصحيفة في صيف عام 1916 من قبل الزوجين موريس وجان ماريشال في شقة متواضعة قرب ساحة الجمهورية في باريس. غير أن أول أعدادها كان قد صدر في أيلول/سبتمبر 1915 ووزعت حينها خمس نسخ فقط بنوعية ورق سيئة للغاية. فيما بعد سيتصل موريس ماريشال بالفنان هنري بول جاسييه وسيعرض عليه فكرة صحيفة ساخرة تحاول تجاوز نزعة شوفينية مسيطرة في فرنسا الجمهورية الثالثة بسبب الحروب المتكررة مع ألمانيا؛ صحيفة تُضحِك وسط الحرب العالمية الأولى! ولدت "البطة" وأخذت على نفسها عهداً بأن توزع نقراتها ووخزاتها ضد اثنتين من سلبيات ذلك الزمن (وكل زمن!): ضجيج الحرب والرقابة.

عن "بطته" يلخص موريس بالقول "حين أسمع عن فضحية ما، أول ما ينتابني هو شعور بالسخط، لكن بعد ذلك أريد أن أضحك. وهذا أمر أكثر صعوبة لكنه أكثر فعالية". ولذلك فقد سعى موريس ماريشال إلى تكوين "عصابته" الساخرة اللاذعة منتقياً أفضل الأقلام في تلك الحقبة ومهاجماً خاصة النخبة المثقفة من أعضاء الأكاديمية الفرنسية وجماعة "العمل الفرنسي" القومية المتطرفة والداعية لعودة الملكية، بالإضافة إلى الكنيسة... وجميعهم ممن يدفعون إلى استمرار الحرب بأي ثمن "بينما هم قابعون على بعد مئات الأميال من الجبهات". وسيتميز خط "كانار أنشينيه" بنزعة سلمية في السياسة الدولية وبتوجه يساري واضح، خاصة وأن موريس ماريشال كان قد عمل لفترة في جريدتي "L’Humanité" و"الحرب الاجتماعية".

http://bbernard.canalblog.com

40 عاماً من كشف المستور السياسي

من صحيفة تباع بـ10 سنتيمات مكونة من أربع صفحات توزعها جان زوجة موريس بنفسها على أكشاك البيع متنقلة على دراجتها الهوائية في شوارع باريس، إلى واحدة من أهم صحف فرنسا، مرت "كانار أنشينيه" بمراحل عدة كانت في بعضها مهددة بالزوال. في ظل الجنرال ديغول، تحولت إلى صحافة التحقيقات وبدأت سلسلة لم تتوقف حتى اليوم من الخبطات الصحفية المتعلقة أساساً بفساد الطبقة السياسية الفرنسية.

في عام 1972، كشفت الصحيفة عن أن رئيس الوزراء الأسبق جاك شابان دلما لم يدفع ضرائب لمدة أربع سنوات. بعد عدة سنوات سيتعرض الرئيس جيسكار ديستان لسياط الصحيفة كذلك حيث ستكشف عن تلقيه عام 1979 هدايا من الألماس من دكتاتور إفريقيا الوسطى بوكاسا، ثم في أيار/مايو 1981، بين جولتي الانتخابات الرئاسية، أعلنت الصحيفة عن دور وزير الميزانية موريس بابون في ترحيل يهود فرنسا في ظل حكومة "فيشي" العميلة للنازيين حين كان الوزير يشغل منصب السكرتير العام لبلدية جيروند.

وتتوالى الفضائح:

1983: فضحية شركة البترول الوطنية والخسارة التي تكبدتها خزينة الدولة عام 1975 حين تم خداعها بإمكانية الكشف عن حقول النفط من الجو. قدرت الخسائر بمليار فرنك فرنسي في تقرير سري من عام 1981.

1989: الكشف عن حماية أعطيت للزعيم السابق لمليشيا مدينة ليون في ظل الاحتلال الألماني بول توفييه من قبل إحدى الجمعيات الكاثوليكية التقليدية الأمر الذي أدى إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

1993: الكشف عن قرض بدون فائدة بقيمة مليون فرنك قدمها رجل أعمال فرنسي إلى بيير بيريجوفوا صديق فرانسوا ميتران ورئيس الوزراء في عهده، لشراء شقة باريسية. بعد ذلك بقليل أقدم بيريجوفوا على الانتحار في ظروف غامضة.

1995: الكشف عن شقة يملكها رئيس الوزراء آنذاك آلان جوبيه في باريس مساحتها 180 متر ربع اشتراها عام 1990 بسعر أقل من بكثير من سعر السوق. بعد أربعة أشهر، قرر المدعي العام إغلاق القضية شريطة أن يترك جوبيه الشقة. كشفت الصحيفة في هذا العام عن فضائح مماثلة تتعلق بالإسكان تورط فيها رئيس بلدية باريس ووزير الاقتصاد.

1997: الكشف عن وجود 3 إلى 4 آلاف ناخب مسجل بشكل غير قانوني في الدائرة الخامسة في باريس، معقل جان تيبيري رئيس بلدية العاصمة وقتها والمنتمي إلى حزب "التجمع من أجل الجمهورية" اليميني. حكم على تيبيري عام 2009 بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ وثلاث سنوات من عدم الأهلية.

2002: نشرت الصحيفة تقريراً عن "نفقات استهلاكية" لرئيس بلدية باريس جاك شيراك وزوجته وصلت إلى مليوني يورو. بعد عامين من التحقيقات قررت المحكمة عدم كفاية الأدلة.

2011: الكشف عن العطلة التي قضتها وزيرة الخارجية ميشيل أليو ماري في تونس أواخر عام 2010 في خضم الاحتجاجات الأولى ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والتي أجبرتها على الاستقالة.

2014: نشر تقدير حول كلفة تجديد مقر إقامة ومكتب تييري ليوباون الأمين العام لواحدة من أكبر نقابات العمال الفرنسية وأوسعها تأثيراً، الأمر الذي أطاح به بعد شهرين فقط.

فيّون: آخر الضحايا

واليوم يضاف اسم المرشح اليميني الأكثر حظوة للانتخابات الرئاسية فرانسوا فيون إلى قائمة ضحايا "كانار أنشينيه" عبر فضيحة تعيينه لزوجته بينيلوبي بصفة "مساعدة برلمانية" حصلت عبرها على حوالي 500 ألف يورو، المبلغ الذي يشمل أيضاً راتب عملها الذي تدور حوله الشبهات كذلك في صحيفة "العالمين". بعد أسبوعين على انتشار الخبر، زادت "كانار أنشينيه" الطين بلة بين أقدام فيون حين كشفت أنه وظف اثنين من أبناءه كذلك حين كان عضواً في مجلس الشيوخ ليرتفع بذلك ما تلقته العائلة إلى حوالي مليون يورو.

تعتمد الصحيفة في معلوماتها فائقة السرية على مجموعة من المصادر المتنوعة التي تتراوح بين الموظفين العموميين الصغار إلى الصحافيين إلى الوزراء إلى رؤساء الأحزاب التي تنسج مع بعضهم علاقات ودية، ويكون لهم مصلحة في تسريب بعض المعلومات للصحيفة التي تقوم بالتحقيق اللازم وتوفير الدلائل الدامغة. ويقال إن الرئيس فرانسوا هولاند قبل أن يصبح رئيساً كان يلقب بـ"رئيس التحرير الصغير" للصحيفة لأنه كان يروي قصصاً بصيغة ساخرة لصحافيي الأسبوعية. وتلتزم الصحيفة بقواعد أخلاقية صارمة حيث ترفض نشر الإعلانات التجارية مطلقاً على صفحاتها كما تمنع على صحافييها الظهور أو الإدلاء بأي تصريحات لوسائل إعلامية أخرى.

أما لماذا تسمى "البطة المقيدة"، فغالباً ما يتم الترميز في لغة الصحافيين إلى الأخبار الكاذبة والإشاعات أو المبالغات بـ"البطة"، وسميت بذلك سخرية من أخبار الصحافة "الجادة" أيام الحرب والتي كانت مليئة بالأخبار الكاذبة. أما "المقيدة" فكانت تغمز من قناة السياسي والصحافي والوزير جورج كليمنصو الذي خضعت جريدته "الإنسان الحر" إلى الرقابة قبل أن يقوم هو نفسه بالرقابة على الصحافة حين عين رئيساً للحكومة عام 1917.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.