الشرق الأوسط

جدران السجون في سوريا تروي إصرار المعتقلين على الحياة

(فيس بوك)
إعداد : مونت كارلو الدولية | أ ف ب

على جدران سجن كان تحت سيطرة الجهاديين في مدينة الباب السورية، ترك عشرات المعتقلين شعارات ورسومات وأبيات شعر تعبر عن مشاعر متناقضة، امتزجت فيها حالة اليأس بتوقهم للخلاص من كابوس مزعج.

إعلان

وبعد أسبوعين من تمكن الجيش التركي وفصائل سورية معارضة من طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من مدينة الباب، التي كانت تعد آخر أبرز معاقله في محافظة حلب (شمال)، يتفقد الناشط المعارض خليفة الخضر (23 عاماً) مركز اعتقال أمضى فيه أشهراً عدة.

بخطوات ثقيلة، يتجول خليفة بين الزنزانات المظلمة لأول مرة منذ هربه منها، بعدما كان قد اعتقل فيها من حزيران ـ يونيو حتى كانون الأول ـ ديسمبر 2014 بعد إلقاء الجهاديين القبض عليه بجرم حمل آلة تصوير في مناطق سيطرتهم

ورغم طردهم من المدينة، لا يحول ذلك دون أن يتملكه الخوف في اللحظات الأولى من دخوله المبنى المؤلف من ثلاث طبقات.

داخل إحدى الغرف، يجول خليفة بنظره على حائط تزدحم عليه العبارات والأسماء والتواريخ حتى تقع عيناه على جملة كتبها حين كان معتقلاً، اقتبسها من قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

ويوضح الشاب الأسمر البشرة والمتوسط الطول، أن "غالبية السجناء كانوا يكتبون على الجدران.. للقول إنهم لا يزالون على قيد الحياة".

ويتابع خليفة وهو يضع في معصمه سواراً عليه علم المعارضة السورية، أنه إذا رأى المعتقل "اسم أحدهم مكتوبا يعرف أنه مر من هنا.. ما يمكنه أن يعطي أملاً لعائلته".

ومنذ اندلاع الحرب قبل ست سنوات، اعتقل عشرات الآلاف من الأشخاص داخل سجون النظام السوري أو الجهاديين وحتى الفصائل المقاتلة. ولا يزال مصير الكثيرين منهم مجهولاً.

وتمتلئ الجدران بالعبارات المؤثرة. واختار أحدهم أن يلخص رؤيته لتجربة اعتقاله قائلاً "السجن لي مرتبة والقيد لي خلخال والبالانغو أرجوحة الأبطال".

و"البالانغو" طريقة تعذيب متبعة في سوريا تعود إلى القرون الوسطى، يتم بموجبها تعليق المعتقل بزرد حديدي متدل من السقف ويداه مقيدتان إلى الخلف.

وعلى جدار آخر، كتب معتقل يبدو أنه ملّ من الانتظار الطويل "إذا مرت الأيام ولم تروني فهذا خطي اذكروني" فيما اكتفى معتقل آخر بخط كلمة واحدة "مظلوم". واختار أحدهم رسم عصفور أفرد جناحيه مذيلاً بتعليق "يريد أن يطير".

ويضم السجن الذي كان متصلاً عبر نفق بمحكمة شرعية للجهاديين، بين 75 ومئة زنزانة بينها حجرات فردية ضيقة للغاية، وفق ما يقول خليفة.

"إبعاد الملل"

ويقول علاء (25 عاماً) وهو اسم مستعار لناشط معارض اعتقل في السجن ذاته نهاية العام 2013، "عندما يدخل الشخص إلى السجن، يخبر كل قصصه خلال أسبوعين ومن بعدها لا يبق لديه شيء ليتحدث عنه. ويشعر بروتين قاتل".

ومع مرور الأيام، يفقد المعتقل وفق علاء "إحساسه بالزمان والمكان، لذا يحاول بأي وسيلة كانت سواء عبر القلم أو الحفر، أن يسجل علامات يومياً ليحتسب الأيام التي يمضيها".

ويشير علاء الذي ترك اسمه على أحد جدران السجن إلى أن "أموراً كثيرة تخطر على بال المعتقلين لإبعاد الشعور بالملل، كأن يخطون على الجدران ذكريات أو عبارات مفيدة أو حتى الشعر، كل سجين ومزاجه".

ويروي علاء مع ابتسامة عريضة كيف تمكن وزملاؤه من الحصول على الأقلام. ويقول "ذات يوم، طلب عناصر داعش عشرة متطوعين منا لتنظيف غرفة كبيرة كانت مليئة بالمستندات والسجلات العقارية الرسمية".

وكان سجن المحكمة الشرعية قبل اندلاع النزاع في العام 2011 مبنى رسمياً يطلق عليه اسم السراي، ويضم مقرا لمجلس المدينة ومركز قيادة المنطقة ومركز توقيف مؤقت.

ويضيف "أثناء تنظيف الغرفة عثرنا على علبة أقلام، فخبأ كل منا قلمين وأخذناها الى الغرف".

ويتذكر علاء رؤيته كتابات قديمة في السجن يعود تاريخها إلى العام 2004 وأخرى حين كان السجن تحت سيطرة الفصائل المعارضة عليه قبل استيلاء الجهاديين في العام 2014. ويضيف متهكما "أجيال تناوبت على الكتابة على الجدران".

ولا يزال شعار تنظيم "الدولة الإسلامية" مكتوباً باللون الأحمر على أحد جدران السجن.

"التابوت" و"بيت الكلب"

في طابق تحت الأرض، كان التنظيم يتفنن في طرق تعذيب المعتقلين لا سيما داخل غرفة كبيرة تضم نوعان من الزنازين الانفرادية الضيقة للغاية.

ويتحدث خليفة عن "أسوأ" أنواعها وتعرف باسم "التابوت"، وهي عبارة عن خزانات مستطيلة ضيقة في الحائط، بالكاد تتسع لشخص واحد وقوفاً من دون أي إمكانية للحركة.

وفي الجهة المقابلة، توجد حجرات تعرف بـ"بيت الكلب"، وهي عبارة عن خزانات صغيرة مربعة يوضع فيها المعتقل بوضعية الجلوس والانحناء لفترة "تتراوح من يوم إلى أربعين يوما، بعد وضع حفاضات لهم" بسبب عدم السماح بخروجهم منها لقصاء حاجاتهم. وينقل خليفة عن معتقلين في هذه الزنازين قولهم "لقد ذاقوا الويل وكانوا يتمنون الموت".

ورغم الذكريات السيئة التي يحتفظ بها، يقول خليفة بنبرة لا تخلو من التشفي "موجود حالياً باختياري وإرادتي داخل هذا المبنى، حيث كنت معرضا للقتل في أي لحظة". ويضيف "حين كنت في السجن لم أكن أحلم بأي شيء أبداً".

ويبدو أن كثيرين ممن عانوا في هذا السجن كانوا يتشاركون شعور المرارة ذاته. أبو أديب، واحد منهم.
 

إعداد : مونت كارلو الدولية | أ ف ب
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن