ثقافة

بيرينيس لوفيه: التعددية الثقافية طريق مسدودة وأصنام التقدّم إلى أفول!

مونت كارلو الدولية

في عالم كعالمنا اليوم، يبدو أكثر فأكثر واقفاً على رأسه، يشهد هزيمة قاصمة للنموذج الاشتراكي الديمقراطي (دولة الرفاه الاجتماعية ومشاركة الدولة للسوق في إدارة الشأن العام، دعم التنوع الثقافي، احتقار مراكز المدن الكبرى لهويات الجماعات البشرية الوطنية، الترحيب باختفاء الطبقة العاملة بمعناها التقليدي لمصلحة "عمّال" التقنيات الحديثة والإعلام الجديد... الخ) وانحداراً أخلاقياً خطيراً في سياسات اليمين المحافظ التقليدي، لا يبدو، والحال هذه، أن من السيء تلقي جرعة أفكار خفيفة ممن يسميهم سلافوي جيجك بـ"المحافظين الأذكياء".

إعلان

ويظهر للمتابع المشغول بالتغيرات الطارئة على المشهدين الاجتماعي والسياسي في فرنسا أن الصحف والمجلات الموصوفة "يمينية" أكثر صراحة لجهة توصيفهما في مقابل وسائل إعلام يسارية تقليدية مثقلة بأوهام "المثقف العضوي" و"توجيه الرأي العام" لا تغني قراءتها اليوم ولا تسمن من جوع بالنسبة إلى يساري يرى عالماً قديماً يترنح دون أن يكون بديل "تقدمي" قد تشكل فعلاً. وإذا كان اليسار مريضاً (ولأعراض المرض توصيفات متنوعة)، فإن بداية العلاج على الأقل قد لا تأتي بالضرورة من جانب اليسار المهيمن... بل، ربما، من جانب المحافظين والأكثر ذكاءً بينهم بالتحديد!

وكان قد شاع بين شيوعيي ما بعد الانهيار الكبير أن أكثر من استفاد من تحليلات ماركس في "رأس المال" هم الرأسماليون أنفسهم لجهة وضع اليد على التناقضات الكبرى والطرق المسدودة التي ستحكم على الرأسمالية بالانهيار لمصلحة العمال. ولمزيد من جلد الذات، فقد طورت هذه النظرية نفسها لتبرر انتصار الرأسمالية، رغم أنها أنتجت "حفاري قبرها"، وهزمت مشروع العبور بالبشر إلى ما بعد التاريخ: إلى بداية تاريخهم الفعلي الذي يبدأ بتحررهم. وعلى هذا، فإن فائدة ما يقدمه المحافظون المتنورون (والماركسيون المتمردون) قد لا تُقَدر بثمن في هذه الأزمنة العصيبة. إن تاريخ اليسار كان دوماً تاريخ نقد ونقد ذاتي و"انحرافات" وانشقاقات واتهامات متبادلة.

بيرينيس لوفيه، فيلسوفة فرنسية من مواليد 1971. تعرّف نفسها صراحة بـ"المحافظة غير الرجعية"، فالرجعي هو السائر نحو الخلف ناظراً إلى الماضي مقدساً إيّاه. أما لوفيه، فتعتبر أن المسائل التي قرّر التقدميون أنها حلّت ولم تعد موضع نقاش (الإجهاض، الهوية الوطنية، الثقافة القومية... الخ) تعود إلى الواجهة بقوة "إيمان" قطاعات شعبية واسعة بها وتصويتها بالتالي لصالح ترامب ولوبان و"بريكست" وغيرها. ومعنى أن يكون المفكّر محافظاً، بالنسبة إلى لوفيه، هو أن يولي قدراً أكبر من الاهتمام والجدية في التعامل مع هذه المسائل وألا يعمد متسرعاً إلى إنكارها باعتبارها محض "مسائل زائفة" من ابتكار العنصريين... الخ. لكن "غير الرجعي" لا يعني بالضرورة أوتوماتيكياً "التقدمي". تحاول لوفيه من خلال أعمالها ومداخلاتها الصحافية وضع اليد على ما لا يصلح في فكر اليسار التقليدي وسلوكه. وكما أن مارين لوبان تجرأت يوماً أن تقول إن يسارياً كميشال أونفري قد يصبح من أنصارها مستفيدة من أفكاره وخطابه النقدي العنيف، فإن على اليسار الفرنسي ربما الانفتاح أكثر قليلاً (أي مرة أخرى التعامل الجاد) مع أفكار محافظين كآلان فنكلكروت وميشال ويلبيك وبيرينيس لوفيه أو متمردين كمارسيل غوشيه ولوران بوفيه وجيل كيبيل... وغيرهم.

نضع بين أيديكم ترجمة لمقابلة أجرتها بيرينيس لوفيه مع مجلة "لو تيليغرام" الفرنسية يوم 8 نيسان/أبريل 2017، قبل أسبوعين من الدورة الأولى في الانتخابات الرئاسية التي تصدرها إيمانويل ماكرون ومارين لوبان وهزم فيها مرشحو الأحزاب التقليدية التاريخية، وركزت فيها على أن التعددية الثقافية (وهو اسم ملطّف قادم من القاموس الأنجلوسكسوني لـ"الطائفية" Communautarisme) ليست سوى طريق مسدودة!

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------

يسلط كتابك "أفول الأصنام التقدمية" (2017) الذي صدر خلال فترة الانتخابات، الضوء على الحاجة إلى هوية وطنية. هل تعتقدين أن هذه هي القضية الرئيسية للرهانات السياسية؟

يجب أن تكون مسألة الهوية الوطنية، أي مسألة تخلّعها، في قلب الحملة الانتخابية. إن الطائفية التي تلتهم فرنسا هي قضية حقيقية. ويتعلق الأمر بمعرفة فيما إذا كنا لا نزال ملتزمين بتقليدنا الجمهوري وشغفنا بعالم تشاركي يميزه، أم أننا قد تحولنا إلى النموذج الأنجلوسكسوني، حيث تعيش كل طائفة وفقاً لأعرافها وقوانينها الخاصة وعاداتها في الملابس. ستكون هذه الانتخابات هي الأولى بعد الهجمات التي ضربتنا عام 2015 والتي أظهرت لنا أن فرنسا هي وطن أعدائها.

تتحدثين عن "أفول الأصنام التقدمية"، ولكن إلى أي تاريخ يعود ذلك وما هي تمظهرات هذا الأفول؟

من الصعب القيام بتحديد دقيق للحظة التي عادت إلى المجال العام الحاجة إلى هوية وطنية وإلى إعادة امتلاك تاريخ لم يعد يتم تناقله، وإن تم تناقله فبطريقة سلبية حصراً بناءً على مشاعر الذنب والتوبة، وذلك بعد أن أفقد الفكر التقدمي الهوية الوطنية والتاريخ كل شرعية. لكن التصويت لصالح حزب "الجبهة الوطنية"، والذي يتّبع خطاً متصاعداً منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، يعد مؤشراً جيداً على ذلك.

رغم ذلك فقد سمحت انتفاضة أيار/مايو 1968 بإحداث انقلاب في الهرميّة القديمة والانفتاح على العالم الذي كان "وطننا العزيز والعريق" في حاجة ماسة إليه.

ما يهمني هو سنوات السبعينات حين وصلت اليساروية الثقافية إلى مقاليد القرار. عذراً، لكن لا يوجد في ذلك ما يجب الحفاظ عليه. ربما باستثناء تمكين المرأة. وماذا عن الفرد ورغباته؟ بعد أن أعيد تعريف الفرد ورغباته، تم تبجيلهم ومن ثم وضعهم في أساس كل شيء. وكانت النتيجة تذرير مجتمعنا. من الواجب إعادة خلق ظروف لنضوج الكائن والتي بدونها لا وجود لأفراد حقيقيين مسؤولين.

تقولين إن تحرير المرأة قد تحقق، لكن النساء يعانين تمثيلاً ناقصاً في كل مكان ويتقاضين أجوراً تقل بنسبة 20 إلى 25٪ (عن الرجال).

الفجوة في الأجور تضيق تدريجياً. ما يبدو أكثر أولوية هو إعادة المدرسة إلى مهمتها الأساس المتمثلة في تعليم لغتنا من خلال أدبنا وتاريخنا. وربما سأصدمك بقولي إن دور المدرسة هو تكوين الفرنسيين. لا بد لنا من إعادة خلق ظروف تعليم ممكن وإعادة بناء سلطة المعلم والتأكيد مجدداً بصوت عال أن الطالب ليس على قدم المساواة مع المعلم. ليست تفاصيل غير مهمة أبداً أن يطلب المعلم من تلاميذه الصمت وألا يمنحهم الكلام قبل أن يكون قد قدّم لهم المعرفة. التدخل في ملابس التلاميذ ليس تفصيلاً كذلك.

ألا يمكن اعتبار نظرتك الخاصة تلك ماضوية عفي عليها الزمن؟

لا، فيما لو اعتبرنا الماضي بمثابة حافز أو مصدر إلهام. ليس لدي أي حنين إلى الماضي ولا أقدسه، غير أنه يحتوي كنوزاً يجب علينا أن نعرف كيف نتابعها. أنا أعرف نفسي بصفتي محافظة، لكن ذلك لا يعني أنني رجعية.

تؤكدين أن التقدمي هو كالمسافر بلا حقائب، ولكن عبر دعوتك إلى التأصيل، ألن يتم تفضيل الفرنسيين الأصليين على حساب الفرنسيين الفرعيين؟

نعم، أنا لا أخشى استخدام كلمة "الفرنسيين الأصليين" رغم مخاطرة أن أحول نفسي إلى مشتبه بها، ودون أن أتجاهل أوهام النقاء العرقي التي يحملها هذا التعبير. غير أنه يشير أيضاً إلى واقع هو أن هنالك فرنسيين تضرب أنسابهم أعمق من غيرهم في الأراضي الوطنية. مع ذلك، فأن يكون المرء فرنسياً لا يعني أن ذلك يجري في عروقه، بل هو إرث يمكن لأي إنسان تمثله بشرط أن يطمح إلى ذلك. أنا مع الإبقاء على حق المواطنة بالولادة شريطة أن يكون مصحوباً بسياسة استيعاب حقيقية.

لقد كتبتي أيضاً أن "الكثير يتم فعله من أجل المهاجرين"، ولكن أليست فرنسا متأخرة عن غيرها حين نرى أن عمدة روتردام من أصل مغربي وعمدة لندن من أصل باكستاني؟

نحن نفكر كثيراً بما هي عليه حال المهاجرين لكننا لا نقوم بما يكفي من التفكير حول ما يجب أن يصبحوه... أي أن يصبحوا فرنسيين. يمكنهم في حياتهم الخاصة أن ينمّوا أصولهم وأديانهم، لكن عليهم أن يظهروا في المجال العام قدراً من الكتمان. يجب علينا ألا نضحي بكل شيء على مذبح الانفتاح على الآخر، إن تخلينا عن تكوين الفرنسيين هو ما الذي قدّم أرضاً خصبة للإسلام الأكثر تطرفاً.

تقتبسين عبارة فولتير التي يقول فيها "جعلوا من أنفسهم متدينين خشية أن لا يكونوا شيئاً". ألا يمكن أن يكون ذلك بسبب أننا لم نقدّم لهم شيئاً سوى المساعدات المالية البسيطة فأصبحوا متطرفين؟

التعددية الثقافية هي طريق مسدود لأنها تحبس كل واحد في عالمه. كلا اليمين واليسار مسؤول على قدم المساواة في هذا التفكك الذي أصاب مجتمعنا الوطني. إن فكرة "العيش معاً" التي يطرقون بها آذانناً مراراً وتكراراً تشهد على أننا تخلينا عن محاولة نسج المشترك. ولقد تم إدراج عبارة "العيش معاً" في القاموس الفرنسي العام الماضي، غير أن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد تهدئة دون أي تشارك حقيقي.

كما كان يقول [جول] ميشليه "ليس كثيراً حتى نشرح فرنسا أن نستخدم كل تاريخ العالم" ولكن ألا تحمل هذه الجملة في كتابك نبرة شعبوية؟

أنت تستخدم نعت الشعبوي مثل جميع الصحفيين الآخرين! وفي مفرداتكم الخاصة فإن الشعبوي هو ذلك الذي يقر بشرعية الحاجة للهوية الوطنية. لا أعتقد أن أحداً يستطيع اتهامي بالاستسلام لتبسيط يتملق القارئ، فالقارئ هو الحكم.

الشعبوية ليست مجرد نعت، بل هي كذلك خط سياسي. قال رئيس الوزراء الهولندي إنه بفوزه في انتخابات 15 آذار/مارس قد قام "بإيقاف الشعبوية".

بعد انتصار بريكست ودونالد ترامب، نشهد انتفاضة للشعوب، ولكن فرنسا لا تزال متخلفة عن الركب.

إذا ما فاز إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية بطريقة شعبوية، ألا يتناقض ذلك مع أطروحاتك؟

إيمانويل ماكرون لا يمثل القوى التي تتعامل مع فرنسا من الأعماق.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن