تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

كريستوف بوتون: "الوقت الداهم يهدّد الديمقراطية"

من فيلم "سبارتاكوس" لستانلي كوبريك (مونت كارلو الدولية)

يرى استاذ الفلسفة الفرنسي في جامعة "مونتانيه" في بوردو كريستوف بوتون صاحب كتاب "الزمن الداهم" (عن دار "لو بور دو لو") أن "الديموقراطية مهددة بفعل الوقت الداهم".

إعلان

ما هو الوقت؟ هل أن عالما وفيلسوفا وشابا وشخصا مسنا يقدمون التعريف ذاته له؟

المقاربات الفلسفية والعلمية الكثيرة لمفهوم الوقت التي تتضمن حتما اختلافات، تتفق جميعها على نقطة واحدة على الأقل، هي أن من يتحدث عن الوقت، إنما يتحدث عن تعاقب. المعايشة الشخصية للوقت، التي تختلف بحسب الأفراد ومزاجهم وعمرهم وجيلهم والمجتمع والحقبة اللذين يعيشان فيهما، الخ... لا تعيد النظر بفكرة التعاقب هذه. كما قال الروائي كاتب الخيال العلمي راي كامينز، الوقت "هو ما يمنع حصول كل شيء دفعة واحدة".

استبداد السرعة الذي يمكننا لمسه اليوم، ألم يكن القدماء معنيين به؟

حتى إن كنا نجد تعريفات للحياة في ظل الوقت الداهم في العصور القديمة، ولا سيما عند سينيك، في ما يتعلق ببعض النخب التي كانت تواجه كما من المسؤوليات يفوق طاقاتها (تجار ومحامون)، إلا أن هذه الظاهرة اتخذت بعدا غير مسبوق في العالم الغربي اعتبارا من نهاية القرن الثامن عشر، وبصورة خاصة بعد الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، حيث ظهر الإحساس بتسارع التاريخ. وهذا الشعور ناجم من جملة ما هو ناجم عنه، عن تسارع وسائل النقل، مدعوما بتسارع وسائل الاتصال، وهو ما أشار إليه عن حق الفيلسوف (الفرنسي) بول فيريليو منذ السبعينيات والثمانينيات. ثم جاءت الوسائل الافتراضية وتكنولوجيات الإعلام الجديدة لتعزز هذا التوجه، الذي ينبغي رغم كل شيء عدم التنديد به جملة وتفصيلا. السرعة ليست شرا بحد ذاتها، بل ينبغي التمييز ما بين مختلف الأوضاع وتطوير معاييرنا لنقدها.

اعتبارا من أي حد يصبح بالإمكان انتقاد السرعة؟

حين تؤدي إلى ظواهر مضرة، مثل تلوث البيئة، أو على صعيد آخر، تردي ظروف العمل. لكن التقدم التكنولوجي في مجال النقل او الاتصال يمكن أن تكون له منافع، ولا سيما بإتاحة المزيد من التفرغ للأفراد. لكنه يتم في معظم الأحيان استغلاله في الاتجاه المعاكس، لتفعيل سباق الإنتاجية والربح وتسريعه. المشكلة بنظري لا تكمن في السرعة بقدر ما تكمن في رأسمالية متفلتة من أي ضوابط، ترسي آليات داهمة للإنتاج وتنظيم العمل. سعت الرأسمالية بمختلف الاشكال التي اتخذتها عبر تاريخها (التقسيم التقني للعمل أو المكننة أو النهج التايلوري الخ...) لإقامة رابط محدد مع الوقت، تهيمن عليه فكرة أن الوقت مورد ينبغي استغلاله واستخراج أفضل ما يمكن منه. ومن هنا الإيديولوجيا السائدة اليوم، المتعلقة بإبراز قيمة السرعة والتسارع والنشاط المفرط، والتي تؤدي في المقابل إلى ظواهر التواصل المفرط والارهاق المهني. ومن العواقب الأخرى أن عدم توافر الوقت يمكن أن يحمل المواطنين عن صرف اهتمامهم سواء جسديا أو نفسيا عن الشأن السياسي الذي بات بدوره يتطلب وقتا متزايدا لفهمه. ومن هذا المنطلق، فإن الديموقراطية التي تتطلب تفرغا، باتت مهددة بفعل الزمن الداهم.

من يمكن أن يفلت من هذا الخطر؟ هل هم النساك الذين ينسحبون من العالم؟ أو أنصار مفهوم تراجع النمو؟

علماء الاقتصاد أكثر كفاءة مني للتحدث عن إمكانية تطبيق فكرة "تراجع النمو" التي من محاسنها أنها تقترح بديلا لسباق الإنتاجية. في المقابل، لا أؤمن كثيرا في الحلول الفردية القائمة على الانسحاب، باعتبارها ترفا غير متاح للجميع. وبما أن المشكلة معممة على النظام بكامله، فهي تتطلب حلا جماعيا وسياسيا. المطلوب بالمقام الأول إعادة الاعتبار لهيبة الشأن السياسي في مقابل الاقتصاد. وفي مثال ملموس على ذلك، التقدم الذي سجله الحق في قطع التواصل مؤخرا في فرنسا، ولو أنه لا يزال خجولا، وهو ما يثبت أنه من الممكن سن قوانين تحد من الضرورة الداهمة في العمل.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن