فرنسا

مرشحون للرئاسة لـ"شارلي إيبدو": العلمانية مبدأ غير قابل للتعديل والتجديف الديني "حق"

"الحرية تقود الشعب" عمل لأوجين دولاكروا من عام 1830 (ويكيبيديا)
إعداد : علاء خزام

نشرت أسبوعية "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة في عددها الصادر اليوم 13 نيسان/أبريل 2017 الردود التي أرسلها 7 من المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة على الأسئلة الثلاثة التي وجهتها لهم المجلة حول العلمانية والتزامهم بقانون عام 1905 الشهير الذي ينظم (ويفصل) العلاقات بين الدولة والعقائد الدينية.

إعلان

واتصلت المجلة بفرانسوا بايرو (زعيم حزب سياسي ولكنه ليس مرشحاً رسمياً) وكذلك بالمرشحين ناتالي آرتو وفرانسوا فيون وبنوا آمون ومارين لوبان وإيمانويل ماكرون وجان لوك ميلانشون وفيليبب بوتو. وقد أرسل جميع من تم الاتصال بهم ما عدا بوتو (زعيم الحزب الجديد المناهض للرأسمالية) ردودهم المكتوبة في حين بادر المرشح جاك شيميناد إلى الرد دون أن يتم الاتصال به.

وحملت الأسئلة التي طرحتها المجلة صيغة غاية في الوضح مركزة على استخلاص "تعهد" واضح من طرف المرشحين، وتقول: 1- هل تتعهد بعدم القيام بأي تعديل، أياً كان، على قانون 9 كانون الأول/ديسمبر 1905 حول العلمانية. 2- هل تتعهد بعدم إدراج أي تعديلات خاصة بجماعة دينية معينة في التشريعات؟ 3- هل تتعهد، في نطاق القانون حول حرية الصحافة الصادر في 29 تموز/يوليو 1881 والتشريعات السارية، بأن لا يدرج بأي طريقة من الطرق التجديف الديني في التشريع؟.

يتعلق السؤال الأول إذاً بسد الطريق أمام محاولات التعديل على مفهوم العلمانية ومعناها ومقصدها. والقضية المطروحة في فرنسا، ذات التراث العلماني القوي، هي منع المعادين للعلمانية من استخدام القوانين المتعلقة بحرية الرأي وغيرها في وضع "العلمانية الفرنسية" موضع شك وتساؤل بحجة أن معناها بحاجة إلى "تطوير". أما السؤال الثاني، فيندرج في سياق فرنسي وعالمي من الإرهاب، يمارس ضغطاً كبيراً على الدين الإسلامي وممثليه وشيوخه وحتى معتنقيه، فتعمد دول ومنظمات وتجمعات إلى محاولة تمييز المسلمين إيجابياً بإدراج مواد قانونية تجرّم ما يسمى بـ"الإسلاموفوبيا". وربما يعني سؤال "شارلي إيبدو" بطريقة ما أن "لا مجال لتميز إيجابي لأحد إذا كان القانون العلماني للجمهورية يجرّم صراحة التمييز بكل أشكاله" وأن "التمييز بهذه الطريقة سيستخدم انتهازياً في منع انتقاد الدين". السؤال الثالث يتعلق بـ"شارلي إيبدو" تحديداً، فهي المجلة الرائدة في مجال النقد السياسي الساخر والنقد الديني اللاذع (لا تنتقد ممثلي الأديان فحسب، بل الأديان ذاتها وتسخر من آلهتها ورموزها التي تعتبرها مقدسة)، والتي اتهمت طويلاً بـ"التجديف" و"السخرية المبتذلة" وغيرها حين تعرضت للرموز الدينية وخاصة نشرها للرسوم الكاريكاتورية عن نبي الإسلام.

للمزيد: أنفوغرافيك - المرشحون للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017

وإن يكن المرشحون السبعة المسؤولين قد أكدوا التزامهم الكامل بالقانون وتعهدهم بعدم تعديله، فإن تمايزات واضحة ظهرت في ردودهم تعود إلى انتماءاتهم الأيدلوجية المختلفة بالإضافة إلى خبراتهم السياسية ومستواهم الثقافي المتباينين. فما هي أهم تلك التمايزات؟

بنوا آمون (الحزب الاشتراكي)

مؤمن إيماناً كاملاً بالعلمانية وضد كل المحاولات الهادفة إلى دفع المجتمع الفرنسي نحو نقاش لا يحتمل حول التجديف. سيكون رئيساً ملتزماً بدوره كحام للمؤسسات العلمانية وحازماً حين يتعلق الأمر بالمبادئ وتطبيقها. بالنسبة له "لا شيء يبرر تعديل النصوص سوى إرادة إضعافها عمداً". رغم ذلك، فإن آمون لم ينس التذكير بأنه سيكون رئيساً "للجمهورية المرحبة التي ترى إلى قوتها مصدراً للحرية والتحرر لا للخوف والتمييز" وأن العلمانية كما يفهمها "لن تكون سيفاً قانونياً مسلطاً على جماعة دينية بكاملها ولا حجة لعنصرية اليمين المتطرف". وكما يرى جيرار بيار، الصحافي في "شارلي إيبدو" الذي كتب تلخيصاً لآراء المرشحين، فإن رأي آمون حول العلمانية هو من نوع "نعم، ولكن...". نعم للعلمانية، لكن ليس أي علمانية. نعم لفصل الدين عن الدولة، لكن ليس بأي طريقة... الخ.

ساركوزي خلال استقبال رسمي كبير لرأس الكنيسة الكاثوليكية السابق بندكت السادس عشر. 12 أيلول/سبتمبر 2008 (أ ف ب)

إيمانويل ماكرون (حركة إلى الأمام!)

رد ماكرون كان أكثر الردود "مدرسيّة" إن صح التعبير، كما لو أنه ينقل من كتاب التربية الوطنية للصفوف الابتدائية: جمل قصيرة واضحة ذات صياغات تعريفية وعبارات تقرأ في النصوص الرسمية كالدستور وغيره. بمعنى آخر، وكأن ماكرون لم يفكر أصلاً في هذه القضية بطريقته وعباراته الخاصة فجاء رده سهلاً ومباشراً و... غير استثنائي. وهكذا، فالعلمانية "مبدأ يصدر عن القيم الأساسية للجمهورية (...) منح مجتمعنا بعد 110 أعوام من إقراره السكينة". هي "حياة الدولة مفصولة عن الكنائس. لا تتحكم بالضمائر، لا تفضل ولا تسيء معاملة أي من الروحانيات"... الخ. بالنسبة لماكرون إن "الحق في الانتقاد ورسم الكاريكاتير والسخرية من العقائد والتعاليم الدينية معترف به بالقانون والتشريع" لكن الإساءة والتجريح الشخصي والتعرض لجماعة بسبب انتمائهم الديني يعاقب عليه. يعلق جيرار بيار "ماكرون يشبه الطالب الذي يكتب واجباً مدرسياً يكرهه. العلمانية ليست أبداً من أولوياته".

هولاند مستقبلاً شيخ الأزهر أحمد الطيب في "الإليزيه". 24 أيار/مايو 2016 (أ ف ب)

فرانسوا فيّون (الجمهوريون)

بحسب رده، فهو "مدافع أكيد عن المبدأ كما وضع في قانون 1905"، الذي هو قانون حرية وحماية يعلن حياد الدولة وحرية الضمير والاحترام المتبادل بين من يؤمنون ومن لا يؤمنون ومن يؤمنون بطرق مغايرة. إلى هنا، والنص يكرر الكتاب المدرسي الذي سبق ذكره. يضيف فيّون "لكن حماية الجمهورية للأديان لا يكون لها معنى إلا حين تندرج تلك الأديان ضمن قيمنا المشتركة (...) إطار الاحترام المتبادل القادر على مواجهة التحديات (...) ومنها ظهور السلفية الإسلامية المقلقة على نحو خاص". فيّون هو المرشح الوحيد الذي يذكر "الإسلام" بالاسم، لكن جيرار بيار يؤكد أن ذلك لا يعدو كونه راجعاً إلى انتماء يميني كاثوليكي يرى أن العلمانية تتعلق، في نهاية المطاف، بالدين الإسلامي فـ"فالتوافق بين الدولة والدين الكاثوليكي قد أقيم لفائدة الجميع". أما الإسلام "فعليه الالتزام الكامل بالإطار المشترك (...) وإذا كان القانون يقدم تسهيلات مالية للمسلمين" فإن "الرقابة الإدارية" يجب أن تتحقق بالكامل.

للمزيد: مرشحون للرئاسة الفرنسية يردون على أسئلة "شارلي إيبدو" حول العلمانية

جان لوك ميلانشون (حركة فرنسا العصيّة!)

المرشح اليساري الراديكالي أقرب زملائه إلى الكتابة المثقفة التي تنهل غالباً من التاريخ. رد ميلانشون جاء صريحاً وصارماً لجهة المنع "المطلق" من تعديل القانون أو مراجعته. "حرية الضمير مطلقة" وقانون العلمانية الحامي لها "لم يصدر عن لقاء علمي أكاديمي بل نتيجة مجازر لا يمكن وصفها" وبعد ثلاثة قرون من حرب أهلية دامية. "الدولة علمانية بشكل مطلق" ومفصولة تماماً عن الكنيسة، والمبدأ العلماني يضع السيادة في يد مصدر واحد هو الشعب الذي يجتمع ويتخذ قراراته في المكان الشرعي الوحيد: المجلس الوطني. ويضيف ميلانشون: "أرفض: 1- التمويل الحكومي لبناء الأماكن الدينية ودعم النشاطات الثقافية ودور الطوائف على أراضي الجمهورية". 2- اللقاءات مع أولئك الذين يفرضون على وزيراتنا ارتداء ملابس تتعارض مع الكرامة الجمهورية، وسيمنع على المسؤولين الحكوميين حضور المناسبات الدينية".

شيراك خلال حضوره احتفالاً دينياً يهودياً في كنيس باريس الكبير. 23 شباط/فبراير 2006 (أ ف ب)

مارين لوبان (الجبهة الوطنية)

المرشحة عن اليمين المتطرف هي الأكثر صعوبة لجهة فهم طبيعة موقفها رغم تأكيدها الذي لا لبس فيه على "العلمانية والجمهورية والمساواة بين جميع الفرنسيين". فلم يكن "الجبهة الوطنية" يوماً ذلك الحزب المعروف بعلمانيته الراديكالية ولا يعتبر رموزه مدافعين كبار عن فصل الدين عن الدولة. لكن، في برنامجها الانتخابي تؤكد لوبان على "تعزيز العلمانية (...) وتأسيسها في كل مكان وتوسيعها لتشمل المجال العام بأكمله وإدراجها ضمن قانون العمل". ستحارب المشاعر الطائفية الضيقة "والتمييز الإيجابي" وتعرض بلاً عنها ما سمته "حكم الكفاءة" الذي سيمنح الجميع فرصة التقدم في المجتمع بحسب كفاءته واقتداره. يعلق جيرار بيار "كان لحزب مارين دائماً علاقات وثيقة بالمتطرفين الكاثوليك وبعض نوابه يرغبون في وضع مجسمات لمغارة ولادة المسيح في الأماكن العامة وهي بالتحديد تريد منح مساعدات للتعليم الخاص الديني في أغلبه". فكيف تستقيم العلمانية؟

ناتالي آرتو (النضال العمالي)

المرشحة الأولى من خارج ملاك ما يطلق عليه اسم "المرشحين الكبار" الأكثر حظاً في الوصول إلى الرئاسة، وهي أيضاً الشيوعية الوحيدة والأكثر راديكالية دون منازع حيث تصبح العلمانية عندها "الرفض الكامل للدين في المجال العام (كتبت "الخاص" بالخطأ في رسالة آرتو) وإرساء مبدأ حقيقي للمعاملة المتساوية للأديان". "علمانية الدولة الحالية، تضيف آرتو، لا تعدو كونها تفاهماً فضفاضاً بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية" مذكرة مثل ميلانشون ولوبان بأن قانون 1905 ليس مطبقاً بحذافيره حتى اليوم في الألزاس واللورين وبأن تمويل التعليم الديني من قبل الدولة يجب أن يتوقف. ركزت آرتو في قسم كبير من ردها على أهمية التعليم وضرورة إصلاحه وحملت مسؤولية "الفشل" للحكومات الاشتراكية واليمينية المتعاقبة.

سياسيون فرنسيون من الحكومة والمعارضة خلال لقاءاتهم مع الدالاي لاما ويرتدون شالاً قدمه لهم كهدية. بين عامي 2008 و2009 (أ ف ب)

جاك شيمناد (التضامن والتقدم)

أرسل هذا المرشح الذي حصل على المركز العاشر في انتخابات عام 2012 بنسبة أصوات بلغت 0.25% بشكل تطوعي رده على الأسئلة الثلاث دون أن تتصل به "شارلي إيبدو". وكان رداً مقتضباً يوافق على التعهدات الثلاث ويدعو المجلة إلى الاطلاع على القسم المخصص لـ"العلمانية التضامنية" في برنامجه الانتخابي.

فرانسوا بايرو (الحركة الديمقراطية)

أكد بايرو التزامه العلماني كذلك لكنه أحال "شارلي إيبدو" إلى حليفه إيمانويل ماكرون باعتباره ليس مرشحاً للانتخابات الرئاسية.

صدر قانون 1905 في عهد إميل لوبيه، الرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية في الفترة التي يطلق عليها اسم "الجمهورية الثالثة" (1870-1940)، ويتضمن مع تعديلاته 44 مادة أهمها مادتاه الأولى والثانية اللتان تعلنان صراحة أن الجمهورية "تضمن حرية الضمير (...) حرية ممارسة العقائد" من جهة ولكنها "لا تعترف ولا تموّل ولا تدعم أي عقيدة". ويتولى القانون مهمة شرح وتفصيل المادة الأولى من الدستور التي تحدد هوية فرنسا السياسية والاجتماعية باعتبارها "جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واجتماعية. تضمن المساواة أمام القانون لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الدين. تحترم جميع المعتقدات (...)".

إعداد : علاء خزام
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن