تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

لماذا تنتصر لوبان؟ لوران بوفيه: بفضل "يسار الزومبي" وانعدام الأمن الثقافي!

مونت كارلو الدولية

فيما عدا بضع مئات من الشباب الأناركيين الذين تظاهروا وسط باريس، لا يبدو أن الاعتراف الشعبي الهائل الذي نالته مارين لوبان وحزبها اليميني المتطرف عقب إعلان نتائج الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 23 نيسان/أبريل 2017 قد يفضي إلى سيناريوهات كتلك التي شهدتها انتخابات 2002 الشهيرة: تظاهرات كبرى ضد والد مارين، جان ماري لوبان، وتصويت جمعي كثيف لمصلحة منافسه اليميني الديغولي جاك شيراك.

إعلان

حزب "الجبهة الوطنية" اليوم بين الأحزاب الكبرى في فرنسا بعد أن كان جماعات متفرقة مكروهة؛ اليمين الجمهوري مثخن بالانقسامات والفضائح، أما الاشتراكيون، فهم إلى جانب الانشقاقات والخيانات، مصابون بفقدان صواب الرؤية واستراتيجيتهم الدائمة الوحيدة هي "منع وصول اليمين المتطرف" حتى لو كان ذلك يعني التصويت لوزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون الموصوف علناً بـ"مرشح رؤوس الأموال الكبرى". من جهته، فاجأ زعيم أقصى اليسار جان لوك ميلانشون، الذي كان قريباً للغاية من تحقيق قفزة نوعية بوصوله إلى الدورة الثانية، المتابعين بامتناعه عن دعم ماكرون علناً وترك الأمر لما سيقرره أنصاره في حركة "فرنسا العصيّة" عبر التصويت. استجلب هذا الموقف على ميلانشون نقمة اليساريين التقليديين وصلت حد اتهامه بالخيانة. هذه الصورة المستجدة للحال السياسي في فرنسا (والعالم) تفرض قراءة مستجدة بدورها لا تتوفر لدى اليسار السائد لإنجازها لا الأدوات الفكرية، بعد أن حصر اهتمامه في دعم التنوع الثقافي وقراءة الواقع عبر مفاتيح الهويات والاضطهاد و"الإسلاموفوبيا" و"الرأسمالية ذات الوجه الإنساني"... الخ، ولا الوقت الكافي وهو المشغول دائماً وأبداً بـ"سد الطريق" على خصوم خصومه الذين يعتبرهم أسوأ من خصومه!

هذه "الكركبة" النظرية والعملية لليسار اليوم هي موضوع كتاب كان أصدره عالم السياسة الفرنسي والقيادي في حركة "الربيع الجمهوري" اليسارية لوران بوفيه بعنوان صادم هو "يسار الزومبي". يسار "الزومبي" هو أيضاً، وفق مصطلح ثان نحته بوفيه، "يسار القندس"، أي ذلك اليسار الذي يلملم كل ما يجده في طريقه بغض النظر عن صلاحيته الفعلية ودونما تدقيق كبير لبناء بيته (السد) على النهر والمشغول بغريزة بقاء حيوانية أصلية.

هنا ترجمة لمقابلة أجرتها "لوفيغارو" مع بوفيه قبل حوالي شهر من الدورة الأولى للانتخابات (29 آذار/مارس 2017)، في وقت كان فيه رئيس الوزراء السابق الاشتراكي مانويل فالس قد أعلن دعمه لماكرون لسد الطريق على لوبان.

مونت كارلو الدولية

أعلن مانويل فالس أنه سيصوت لماكرون في الدورة الأولى لتجنب لوبان. هل بات سد الطريق أمام لوبان الهدف الوحيد لما تسمونه "اليسار على طريقة القندس"؟

عادة ما يبرز سد الطريق أمام حزب "الجبهة الوطنية" في الدورة الثانية من الانتخابات. مصطلح "يسار القندس" يعبر عن هذا اليسار الذي لا يلتفت إلى "خطر لوبان" إلا عندما تمر الدورة الأولى وتظهر مفاجأة النتيجة الجيدة التي حققها "الجبهة الوطنية". أما الآن، فنحن أمام صورة مختلفة تماماً: فالجميع تنبّه إلى الخطورة التي يمثلها "الوباء الأشقر" حتى قبل الدورة الأولى لأن هنالك احتمالاً كبيراً جداً أن تعبر مارين لوبان إلى الدورة الثانية وحتى برصيد أصوات مرتفع. هذا هو الأمر المستجد الذي دفع بوضوح رئيس الوزراء السابق الذي يرغب في ضمان ألا يتواجه اليمين (فرانسوا فيون) و"الجبهة الوطنية" في الدورة الثانية، بل مرشحاً يجلب معه جزءاً من اليسار (اليسار المسمى حكومي أو إصلاحي) هو إيمانويل ماكرون. (أجريت هذه المقابلة في 29 آذار/مارس 2017 أي قبل الدورة الانتخابية الأولى وصدور نتائجها التي أهلت لوبان وماكرون فعلاً إلى الدورة الثانية).

بالطبع، فإن موقف مانويل فالس هذا يثير بعض الأسئلة: فهل يرغب في الانخراط دون مزيد من التفكير تحت راية ماكرون؟ ألم يكن من الحكمة انتظار استقرار أكبر للحالة الانتخابية خاصة إن علمنا أن التحاقاً كهذا غير مرحب به لا من جانب ماكرون (فالس يعبّر عن استمرارية قوية مع نهج فرانسوا هولاند) ولا بطبيعة الحال من جانب "الحزب الاشتراكي" بالنظر إلى الالتزام الذي كان رئيس الوزراء السابق قد قطعه على نفسه بدعم الفائز في الانتخابات التمهيدية التي شارك فيها؟ ويمكن للمرء أن يتساءل كذلك عن ماهية المكاسب السياسية التي يتوقع فالس الحصول عليها بعد أن يختفي في حشد "الملتحقين" بماكرون.

النتيجة المباشرة لهكذا التحاق هو جعل الانقسام العميق داخل "الحزب الاشتراكي" بين "يسارين لا يمكن التوفيق بينهما"، كما وصفهما فالس نفسه منذ بعض الوقت، موضوعياً. وهكذا نصل إلى نهاية صيرورة لجميع الفاعلين فيها مسؤوليته الخاصة.

ألا يكرّس انتفاء الانقسام إلى يمين ويسار لمصلحة انقسام بين ماكرون ولوبان حزب "الجبهة الوطنية" كحزب كبير يتناوب على السلطة مع غيره؟

إذا ما جمعت الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ماكرون ولوبان فعلاً، سنشهد تمركز انقسام هيكلي جديد في الحياة السياسية: بين ليبرالية اقتصادية ولكن كذلك ثقافية و"مجتمعية" تدعي تأييدها لأوروبا وللعولمة من جهة وبين معاداة للليبرالية تفترض هي أيضاً أنها مدعوة بعودة المشاعر السيادية داخل الحدود الوطنية وبتعريف ثقافوي وعضوي للهوية الفرنسية. هذا الانقسام الجديد يتقاطع بشكل واسع مع انقسام اجتماعي وإقليمي وثقافي في البلاد.

في مثل هذه الحالة، سيظهر حزب "الجبهة الوطنية" في الواقع باعتباره قطب التناوب الرئيسي على السلطة -معارضاً لائتلاف واسع منتظم خلف ماكرون- للسنوات الخمس المقبلة، مستقطباً في الوقت ذاته مسؤولين منتخبين (قادمين من حزب "الجمهوريين" اليميني خاصة) وناخبين. وإن معارضة كهذه ستبرر تماماً الخطاب الذي يعتمده حزب "الجبهة الوطنية" منذ وقت طويل والذي يظهره كحزب "معادي للنظام". هذا المنظور يطرح مسألة نقطة الوصول في عام 2022 لنظام سياسي تمت إعادة هيكلته، جزئياً على الأقل، حول الانقسام.

ومنذ الآن، يُطلب بإلحاج من قوى اليسار واليمين التقليدية أن تعلن موقفها إزاء هذا التقسيم، فإما أن تقبل به وتلتحق بأحد القطبين (بأشكال يمكن أن تكون متنوعة) أو أن ترفضه لتجد نفسها على هامش الجدالات السياسية التي ستنتج عنه.

يقول إيمانويل ماكرون "وجوه جديدة واستخدامات جديدة". بماذا توحي إليك التحاقات الشخصيات السياسية من ذوي الخبرة (من اليمين أو اليسار) بحركة "إلى الأمام"؟

في هذه الحال هناك، في آن واحد، أمر كلاسيكي جداً حيث يرى المرء السهولة التامة التي تغيّر بها شخصيات سياسية معينة خطها بدون أن تقوم أبداً بأي تغيير في وظيفتها، في محاولة منها لتكون إلى جانب السلطة المستقبلية، وهنالك أيضاً أمر على قدر من الجدّة يتمثل في إقامة قوة وسطية أو حتى مركزية في الحياة السياسية الفرنسية تحوز احتمالاً لا بأس به من النجاح (على عكس المحاولات السابقة). ومن الواجب على بعض "الملتحقين" أيضاً أن يتم النظر إليهم باعتبارهم صادقين في نهجهم، هم يريدون حكومة وسطية تتضمن الإصلاحيين جميعاً أياً تكن اتجاهاتهم السياسية.

الأمر الجديد الآخر يكمن في موقف ماكرون الواضح للغاية فيما خص مسألة الالتحاق به. فهو لم يطلب ذلك من أحد (فيما عدا فرانسوا بايرو) ويرحب بكل الالتحاقات دون أن يقوم مطلقاً بالمفاوضة على أي شيء - على الأقل علناً. كل من ينضم إلى مرشح حركة "إلى الأمام" يقوم بذلك وفقاً لنهج انضمام إلى مشروعه دون أن يكون هناك أي عقد انضمام إلى الحزب على سبيل المثال، كما حصل بين هامون ويانيك جادو (القيادي في حزب الخضر). وهذا يعطي دفعة كبيرة لماكرون ويسمح له بالضبط بتأكيد أنه سيكون هناك وجوه جديدة واستخدامات جديدة دون أن يكون مديناً لأي أحد بأي شيء. يمكن القول إنه من وجهة النظر هذه فإن العقد واضح.

استعمل ماكرون وفيّون عنوان أحد كتبك وهو "انعدام الأمن الثقافي". هل تعتقد أن السياسيين قد أدركوا هذه الظاهرة؟

إنه لأمر مرض للغاية أن يرى مؤلف، هو بالإضافة لذلك يسعى إلى تقديم بعض الأفكار وطرحها إلى النقاش العام، أن بعض المرشحين للرئاسة يعتمدون تحليلاته. هنالك وعي واضح جداً حول التحديات المتعلقة بما يسمى بالهوية الثقافية في هذه الانتخابات. الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية التي تبقى أساسية لم تعد منفصلة عن تلك المتعلقة بانعدام الأمن الثقافي. أنا أكتب وأشرح منذ سنوات أن هذه الاعتبارات لا يمكن النظر إليها بشكل منفصل تحت طائلة عدم إدراك التطورات الهيكلية في المجتمع وبين الناخبين. أظهر الصعود القوي في التصويت لصالح "الجبهة الوطنية"، والذي يقوم "برنامجه" السياسي تحديداً حول انعدام الأمن الثقافي في جميع أبعاده، ما قلته للأسف وما أثبته مع آخرين منذ سنوات.

على اليسار، لم يكن المصطلح مفهوماً بشكل جيد ولم يستقبل بتقدير كبير. غالباً ما كان يُقال لي، من جانب "يسار اليسار" أو الاشتراكيين الليبراليين، في أحسن الأحوال أنني لم أفهم مركزية القضايا الاقتصادية والاجتماعية، أما في أسوأ الأحوال فقد كُنت أنعت "باللوبيني" بسبب تجرئي على طرح انعدام الأمن الثقافي. على أي حال، قليل فقط من المسؤولين السياسيين قد كلّفوا أنفسهم عناء الاستماع إلى ما أردت قوله لهم، وبالتالي فهم أن الطريقة الأكثر فعالية للكفاح ضد صعود "الجبهة الوطنية" كانت في محاولة رؤية الأسباب وجهاً لوجه بدل الاكتفاء بإدارة الرأس عنها أو لعب دور الأخلاقي أمام الناخبين.

نحن اليوم في نهاية هذا الخط من تجاهل المشكلة والحلول الكاذبة. إن حال اليسار تعود إلى حد كبير إلى هذا الإنكار لحقيقة انعدام الأمن الثقافي. إن الخطاب التقليدي لبعض اليسار والذي يلقي باللوم على عاتق الانحراف الاجتماعي الليبرالي في الاقتصاد غير صالح أو على الأقل فهو غير صالح تماماً. لو كان هذا الخطاب صالحاً لكانت استراتيجية حملة (بنوا) آمون الانتخابية أكثر إقناعاً ولكانت على أي حال قد أقنعت مزيداً من الناخبين. غير أن ماكرون يطغى عليه بفارق كبير. ولكن أيضاً، من على يساره، هناك ميلانشون الذي حقق نجاحاً أكثر من آمون ليس فقط لأنه أكثر شرعية في الاعتراض على نتائج سنوات هولاند الرئاسية الخمسة، ولكن أيضاً لأنه عرف مبكراً كيف يطعّم خطابه الانتخابي الاقتصادي والاجتماعي بواسطة بعد جمهوري وعلماني ووطني مجيباً بذلك جزئياً على القضايا المتعلقة بإشكاليات الهوية. وقيامه بذلك قد استجلب عليه بالمناسبة نقد جزء من اليسار! ما يدّل على أن الواقع السياسي المباشر في مجتمعنا يشق بالكاد طريقه في هذا الجانب من الطيف السياسي.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن