تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الشرق الأوسط

أعمدة الدخان السوداء إشارات إلى عودة أهالي بلدة قرقوش المسيحية إلى بيوتهم

عراقية أمام منزلها في قراقوش (أ ف ب / أرشيف)
نص : مونت كارلو الدولية | مونت كارلو الدولية / أ ف ب
6 دقائق

يرى الناظر إلى بلدة قرقوش المسيحية في شمال العراق دخانا أسود كثيفا يرتفع في سمائها، لكأن "بلدة الاشباح" التي نهبت ودمرت وأحرقت بعدما استولى عليها الجهاديون قبل نحو ثلاث سنوات تأبى عودة أهاليها إليها من دون إشعال حرائق تزيل آثار آلامها.

إعلان

وبعد ستة أشهر من طرد القوات العراقية جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" من هذه البلدة التي يطلق عليها العرب اسم الحمدانية ويسميها أهاليها باسمها التاريخي السرياني "بخديدا" أي "بيت الله" لا تزال قرقوش فارغة من سكانها الـ 50 ألفا الذين هجروها يوم احتلها الجهاديون في صيف 2014 بعد استيلائهم في هجوم ساحق على الموصل، ثاني كبرى مدن العراق.

ولكن هذا الأسبوع عادت الحياة لتنبض في شوارع قرقوش وكرمليس، القرية الصغيرة المجاورة التي كان يقطنها حوالى خمسة آلاف مسيحي نهبت منازلهم ومتاجرهم بالكامل وأحرق القسم الأكبر منها، ففي مطلع الأسبوع باشرت الكنيسة خطة لإعادة الإعمار سيبدأ تطبيقها عمليا مطلع الأسبوع المقبل.

ولدى عودة أي أسرة تباشر بتنظيف منزلها المنهوب في عملية لا بد أن تنطلق من خلال جمع كل ما تبقى في المنزل من أثاث مخرب وملابس وستائر ووضعه أمام المنزل تمهيدا لحرقه، كون البلدية غير قادرة على جمع هذه النفايات والتخلص منها بطرق أفضل. ومع تزايد الأسر العائدة تزايدت الحرائق أمام المنازل وقلما يمر يوم دون أن تتصاعد من قرقوش وكرمليس أعمدة الدخان الأسود وكأنها تعلن طرد الاشباح من هذه البلدة وعودة الحياة اليها.

"17 أسرة عادت"

يقول الأب جورج جحولا رئيس "الهيئة العليا للإعمار" في قرقوش وقد ارتدى ملابس رياضية تسهّل له مهمة التنقل بين أفراد طاقمه من مهندسين وفننين وخبراء إن "الهيئة التي شكلت بتكليف من المطران يوحنا بطرس موشي رئيس أساقفة الموصل وكركوك وكردستان للسريان الكاثوليك تحاول تسريع العودة لأنه حتى الآن عادت 17 أسرة فقط إلى قرقوش والقسم الأكبر من الاهالي مستعدون للعودة في الأسابيع المقبلة".

ويوضح أن "قسما من أهالي قرقوش غادر إلى الخارج لكن أكثر من نصف الأهالي ما زالوا في العراق وقد قمنا باستبيان أظهر أن 68 بالمئة منهم يريدون العودة بينما البقية مترددون". ويضيف "العودة تتوقف على سرعة إنجاز أعمال البنية التحتية وتوفير الأمان".

وعن خطة إعادة الإعمار يقول الأب جحولا إنه "أمام عدم تحرك أجهزة الدولة لمساعدة الأهالي في إعادة بناء منازلهم وجدت الكنيسة نفسها مجبرة على أداء هذه المهمة، واستطاعت بتمويل من منظمات مسيحية أجنبية وضع خطة لإعادة الإعمار سيبدأ تنفيذها الأسبوع المقبل".

ويقول المهندس صباح زكريا (60 عاما) "لقد استعنا بخرائط جوية من غوغل وقسمنا البلدة إلى عشر مناطق ثم قمنا بجولات ميدانية لتوثيق حجم الخسائر في كل وحدة سكنية، ثم وزعنا هذه الوحدات على ثلاثة أقسام: الوحدات المهدمة كليا، والمهدمة جزئيا أو المحروقة والوحدات المتضررة".

ويتابع "تبين لنا أن العدد الأكبر من الوحدات السكنية في قرقوش يندرج في القسم الثالث الذي يتميز بقلة كلفة إعادة الإعمار (ثلاثة الاف دولار بالمعدل) وسرعة الانجاز (حوالى أسبوعين)، وبالتالي فقد قررنا البدء بإعادة إعمار هذه الوحدات".

"تمويل محدود"

ويوضح "بما أن التمويل حاليا محدود، وضعنا قائمة بأهالي هذه المساكن الراغبين بالعودة وسنبدأ الأسبوع المقبل توزيع المال عليهم كي يبدأوا تحت إشراف مهندسين من الهيئة على أن يكون كل من يشارك في عملية إعادة الإعمار من سكان قرقوش من عمال ومقاولين ومزودي مواد".

ويوضح أن هذا "يحرك الدورة الاقتصادية ويوفر العمل لأبناء البلدة ويشجع بالتالي العودة".

كان الألم والأسى ممزوجا بفرح العودة هو الشعور الطاغي على العائدين الذين كلما تذكروا يوم غادروا منازلهم على أمل العودة بعد أيام - طالت لتصبح سنتين ونيفا .

يقول ابراهيم توما (46 عاما) الذي أحرق منزله بالكامل ولكنه عاد مع زوجته ليقطن منزل قريب له هاجر إلى أستراليا، إنه اختار العودة لأنه لم يعد يقوى على دفع الإيجار في عينكاوا، المدينة المسيحية المجاورة لاربيل عاصمة إقليم كردستان العراق.

أما اخوه نوري الذي ما زالت أسرته في عينكاوا فيقول "انتظر انتهاء العام الدراسي كي أعود وأولادي إلى بغديدا، فهذه ارضنا ولن نتركها. نظفت البيت وأصلحته من جيبي بكلفة 15 ورقة (1500 دولار)، من دون الأثاث طبعا".

ولكن الأكثر تأثرا وتأثيرا هي نجمة بطرس العائدة مع ابنتها ماري إلى منزلهما المتواضع الذي نجا من الحرق خلافا لمنزل مجاور فخم نهب وأحرق عن بكرة أبيه.

تقول العجوز التي تقوس ظهرها بينما تنظف أريكة متهالكة في باحة منزلها "لماذا عدت؟ الى أين أذهب؟ هنا عشت كل حياتي. 87 عاما قضيتها هنا".

وتضيف وصدرها يحبس ألما تفشل عيناها الغائرتان في كبته "أنا وابنتي نعيش لوحدنا، لقد عدنا لأننا لم نعد قادرتين على دفع الإيجار. لا أحد يساعدنا"، لتنحدر على خدها دمعة تكفي لاستدرار دموع كثير من الحاضرين.
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.