ثقافة

المهرجان الأفريقي النسوي في باريس: النضال التحرري وقد لوثته الهويات!

فيسبوك
إعداد : علاء خزام

لا تزال ردود الأفعال تتوالى إزاء المنع الذي تجرأت رئيسة بلدية باريس الاشتراكية على إشهاره في وجه منظمي مهرجان "أفريقي نسوي" كان مقرراً في العاصمة أعلن في برنامجه أن 80% من نشاطاته ممنوعة على غير النساء السود، باعتباره تمثيلاً ناجزاً لسياسات الهوية المزدهرة والمنتشرة في أيامنا والتي تمارس، بواسطة فاعلين ثقافيين متنوعين، ضغطاً على النموذج الفرنسي، الذي يوّحد تحت صفة "المواطن"، لدفعه إلى تبني خيارات تعددية ثقافية أنغلوسكسونية، أي سياسة "المجتمعات".

إعلان

وقد سارعت وسائل إعلام فرنسية معروفة (خاصة ليبراسيون وميديا بارت ونوفيل أوبسيرفاتور) إلى دعوة حشود علماء الاجتماع والمفكرين... الخ ليقولوا لقرائها أن منظمي المهرجان على حق وأن البلدية باقترافها جريمة المنع إنما تستقي من قاموس فاشي وعنصري و... و... و... إلى آخر التنويعة المعروفة. أما عن الحجة الرئيسية التي يستند إليها ناشطون ضمن التجمع "النسوي الأفريقي" ومدافعون عن وجهة نظره ونسويات/نسويون من اليسار الليبرالي (أو الآنتي-كولونيالي) هي أن للنساء السود الحق في التجمع لوحدهن دون وجود "الأبيض القامع" بالضبط كما يجتمع لوحدهم في ورشات مغلقة مرضى السرطان مثلاً أو النقابيون أو غيرهم. فهل لنا أن نتصور نقابة تدعو رب العمل إلى اجتماع يقرر خطة نضالها؟ وهل يمكن تصور مارك زوكربيرغ مدعواً إلى اجتماع تحضره النومنكلاتورا القائدة في الحزب الشيوعي؟ طبعاً لا!

هكذا، تصبح صفات مكتسبة (أو مفروضة) بالولادة كالدين والطائفة ولون البشرة والعرق... الخ موازية لمكتسبات تم تحصيلها بالمعرفة والتصميم واليقين والفعل البشري. هكذا أيضاً تصبح التجمعات المعزولة القائمة على أدلجة الهويات الأولى (مسيحي، أسود، قوقازي... الخ) مثلها مثل التجمعات الإيديولوجية (نقابي، شيوعي، قومي، أخضر... الخ). رفع شرط الولادة إلى شرط إيديولوجي هو بالضبط، على ما نعرف، هدف العنصريين والطائفيين والفاشيين وأمثالهم.

ولو افترضنا حسن النية في القول إن الصفة "أبيض" لا تشير إلى لون البشرة بل ترمز إلى الإيديولوجية العنصرية القمعية، فأين تكمن الحكمة التكتيكية والاستراتيجية في التصرف والتفكير بشكل لا يختلف كثيراً عن العنصريين المعزولين؟ كيف ستتمكن مبادرات نسوية "تحت الأرض" محملة بخطاب "عدم الاختلاط العرقي والجنسي" من كسب التأييد وفرض تحرر المرأة كقدر للبشرية؟ أليس من الأفضل مواجهة التمييز والعنصرية والاضطهاد بكلية وعمومية الحقوق والواجبات... الخ دون اللجوء إلى تمييزات هوياتية مشابهة وابتكار سياسة أضاد؟

أوليس الاستخدام المتكرر من قبل حركات نسوية لعبارات "أسود" و"ملون" و"ميتيس" و"مسلم" و... الخ، ورفدها تلقائياً بصفة الضحية، ثم التثبت عليها وتوكيدها (أو اعتبارها حتى "أرقى وأفضل" على طريقة "الفهود السود") يعيد إنتاج الخطاب العنصري ذاته الذي أنتج الأسود (والملون والمسلم... الخ) كمضاد أدنى مرتبة من الأبيض (والمسيحي والأوروبي... الخ)؟

الناشطة النسوية من منظمي المهرجان فانيا نويل قالت في تبرير منع "غير المقموعين" (البيض) من المشاركة في النشاطات إنها "تنطلق من مبدأ أنك لا يمكن أن تتحدث أبداً عن شيء لم تعشه بنفسك". ويعني ذلك بعبارة أخرى أن ينزوي كل منّا على تجاربه الشخصية ولا يسمح لنفسه بالحركة إلا في إطار خبرات عائلته وقبيلته وحارته وطائفته ولونه... إلخ وأن نترك جانباً، بالتالي، التضامن الإنساني العمومي العابر للهويات الأولى باعتباره منتجاً ثقافياً واجتماعياً للمركزية الأوروبية التي تريد نفسها كونية والتي مثلها عصر الأنوار المرفوض بوصفه استعمارياً.

من الأصوات القلائل التي ارتفعت لمعارضة سياسات الهوية العنصرية تلك واحد للسيدة أكسيل جاه نجيكي، الناشطة النسوية والكاتبة "السوداء"، في لقاء مشترك جمعها مع الكاتبة والممثلة أوسيان روز ماري على صفحات مجلة "Causette" النسوية الفرنسية ونشر على موقعها الالكتروني يوم الثلاثاء 30 أيار/مايو 2017. الصوت الواضح المدافع عن إلغاء التمييزين السلبي والإيجابي حسب اللون مقابل خطاب روز ماري القائم على جلد الذات وجوهرة الصراعات: "الأبيض أبيض والأسود أسود ولا يمكن أن يلتقيا!".

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

أكسيل جاه نجيكي

أكسيل جاه نجيكي (يوتيوب)

ما رأيك في برنامج مهرجان Nyansapo؟

أفهم أن بعض النساء قد يحتجن إلى لحظات ومساحات نضالية خاصة بهن. ولكن هناك مشكلة في الحالة المطروحة أمامنا هنا: إن الإشارة إلى "مساحة غير مختلطة خاصة بالسود" كما فعلوا في برنامجهم هو ربما خطأ كبير، ولكنه لا يمكن إلا أن ينظر إليه إلا باعتباره نهجاً إقصائياً صريحاً. وهذا يا أصدقاء يسمى عنصرية. وكان سينظر إلى هذا النهج على النحو ذاته لو أن جماعة أخرى خططت للقاء لا تستطيع النساء السود مثلاً المشاركة فيه. كون المرء أسوداً أو "خاضعاً للعنصرية" لا يعفينا من أن نكون عنصريين.

ولكن منظمات المهرجان يفكرن بكل ذلك من خلال منظور المهيمن/المهيمن عليهم

لا بد لي من أن أقول لكم أمراً: أنا شخصياً لا يهيمن علي أحد. أنا لا أنظر لنفسي، كفرد، بهذه الطريقة. وهذا هو واحد من أمور كثيرة تزعجني في كل هذا الخطاب: سوف لن يتم تعريفنا إلا عبر المظالم التي عانينا منها. لقد تعرضت بالطبع إلى مظالم مشابهة، لكنني حرة في ألا أتحدد بها. بهذا الشكل، لم أمنع نفسي من خلق حوار مع آخرين. لا أستطيع أن أكون عبارة عن جرح فقط ولست متعلقة بصدمتي (Trauma) الخاصة إلى هذه الدرجة. إن على منظمات المهرجان أن ينتقلن إلى أمر آخر.

كيف عايشتي الجدل الذي رافق الإعلان عن المهرجان ومحاولات استغلاله من قبل اليمين المتطرف؟

هذا الجدل هو الانعكاس المثالي للطريق المسدودة التي تقودنا إليها التوترات الهوياتية من كلا الجانبين. ما وجدته صحياً رغم ذلك، هو أن ما حدث سيجبرنا على العمل على نهج أكثر شمولاً للنسوية. كنا كثيرات جداً بين نساء سود وأفروأوروبيات، نسويات أو غير نسويات، في التعبير عن استنكارنا لهذه المبادرة على الشبكات الاجتماعية. وبينما كانت العادة هي أن يسمح لهذه الشريحة من النسوية الأفريقية بالتعبير عن نفسها، فإن هذه هي المرة الأولى التي لم يترك الأمر فيها يمر. وأجد ذلك رائعاً، لأنني آمل أن ما حدث قد يسنح الفرصة لإدراك أننا لا نملك المسارات ذاتها وأننا لا نعرّف أنفسنا بالطريقة ذاتها. ونعود دائماً إلى السؤال الجوهري: ما هي الأفرونسوية؟ كثرة من النسوة الأفروأوروبيات لا يجدن أنفسهن ضمن المفهوم الذي تتبناه وتروج له منظِّمات المهرجان. ما يهمني أنا هو أن هذه الحركة قد قبلت بالفعل بالجدل الموجود داخل الجماعة السوداء، لكن هذا مستحيل في الوقت الحاضر، فهن يبقين مع بعضهن ويظللن مقتنعات بأن ما يروجن له يمثل وجهة نظر الأغلبية.

ما الذي تقوله النساء السود اللواتي لا تتفقن مع نهج منظمات المهرجان؟

ما يعاود الظهور في أغلب الأحيان على مواقع التواصل الاجتماعية هو القول: "لن نقوم بدورنا بممارسة ما نشجبه منذ زمن طويل. لن نقوم ببناء حواجز جديدة في وقت يوجد الكثير منها في العالم الذي نعيش فيه اليوم. هذا الموقف ليس جيداً".

هل تحدثتي مع منظمي المهرجان؟

بصعوبة. حاول الأكثر راديكالية بينهم إقناعنا بشرعية توجههم المتطرف. من المستحيل مناقشتهم، فهم يعمدون فوراً إلى أن يشرحوا لك كيف من المفترض أن تحدد نفسك. ما يزعجني أكثر من أي شيء آخر هو هذه القصة عن "مجتمع السود" كما لو أننا قد ولدنا كـ"مجتمع". هذا يعني أن ننسى مرة بعد الأخرى أن لنا مسارات وهويات متعددة. خصوصاً في فرنسا حيث نحن أفارقة أو من أصل أفريقي: وهذا لا علاقة له بالتجانس الثقافي ولا وجه لمقارنته بخبرات ومسارات حيوات السود الأميركيين. لكن منظمي المهرجان يرغبون في أن يكونوا على غرار هذه النسخة من النسوية، ولقد سمعت تعليقات نساء شابات كثيرات قلن إنهن لم يفهمن لماذا يتم استيراد هذه النسوية الأمريكية إلى هنا! يجب أن تظهر اتجاهات نسوية أخرى تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مسار حياة كل امرأة وتكون في الوقت نفسه شاملة منذ اللحظة الأولى. نحن نعيش في عالم تزدهر فيه سياسات الهوية ومن المستحيل ألا تكون مبادرات كهذه ضارة.

أوسيان روز ماري

أوسيان روز ماري (oceanerosemarie.com)

ما هي وجهة نظرك حول هذا الجدل؟

أنا غاضبة من رد فعل آن هيدالغو الذي ينم عن جهل حقيقي بالنزعة النضالية. السبيل الوحيد لتحقيق المساواة هو الاستقلالية والتحرر، بشكل يمكّن بعد ذلك من التواصل مع السلطات القائمة. ولكن ليس هناك تحرر من دون تلك اللحظات التي يحاول فيها النشطاء تنظيم أنفسهم وإيجاد أدوات النضال بأنفسهم. نحن ننسى أنه في السبعينات وبهدف بناء الحركة النسوية، نظمت النساء لقاءات عديدة ممنوعة على الرجال. اليوم، تحتاج النساء السود للاجتماع دون وجود البيض الذين سيشرحون لهن كيفية القيام بذلك... إنها خطوة وليست نهاية الطريق. وحين تتصرف آن هيدالغو المفترض أنها يسارية على هذا النحو فهذا يدفعني إلى الجنون. السلطات السياسية، أياً تكن، لا تتحمل ظهور قوى سياسية ليس لديها سيطرة عليها. وسواء تعلق الأمر بمنظمة "SOS Racisme" التي يسيّرها الحزب الاشتراكي منذ نشأتها، وطالما تسيطر الحكومة على شروط تنظيم مناهضة العنصرية، ففي ذلك الوقت فقط نحب السود والعرب.

تشيرين إلى النزعة النضالية للسبعينات، حسناً، ولكن هل يزال ذلك راهناً في فرنسا عام 2017؟

بالمطلق، وذلك حين نعرف ما يكون عليه الأمر حين يكون الشخص امرأة سوداء في فرنسا اليوم. يتوجب على النساء السود مواجهة مشاكل خاصة بهن وحدهن، عليهن إنشاء نسويتهن الخاصة المختلفة عن نسوية النساء البيض لأنهن يعانين من أضرار مختلفة، تأتي أحياناً حتى من طرف النساء البيض. لا تزال العنصرية نشطة للغاية. وعلاوة على ذلك، فإن العبارات التي أثارت الجدل واعتمدتها آن هيدالغو، أي القول بأنه "مهرجان محظور على البيض"، هي افتراءات قادمة من القطاعات الفاشية وتثبت بالضبط إلى أي مدى هذا النقاش متمركز أوروبياً. لماذا لم يقولوا "محظور على العرب، على الصينيين... الخ"؟ هذا هو رد فعل البيض (الذين يعتبرون أنفسهم) مركز العالم. لا يتحمل الأبيض أن يقال له أنه لا يستطيع الدخول إلى مكان ما. هذا رد فعل حائزي الامتيازات، لأننا، كبيض نتمكن من الدخول أينما نشاء، فنحن بين بعضنا البعض. أما السود فهم معتادون على الإقصاء من الكثير من الأماكن. وحتى فيما يتعلق بالتمثيل (الحضور)، انظر إلى صور أرباب العمل الكبار في بورصة باريس... ليس بينهم لا سود ولا عرب! هم معتادون على المنع... غير أن ذلك المنع ليس مصاغاً بهذه الطريقة. هو منع بنيوي لا يصدم كثيراً من الناس أبداً.

أنت تعرفين التجمع الذي نظم المهرجان. هل شاركت في ورشات خاصة بهم؟

أنا أعرف جيداً تلك النسوة، ومن الواجب تحيتهن، تحية شجاعتهن على تنظيم أنفسهن. بدلاً من إثارة الجدل، لا بد من التساؤل حول أنشطتهن، ولماذا هن في هذا الموقع اليوم، لماذا عدم الاختلاط. أتت تلك النسوة لرؤية عروضي ونلتقي بشكل منتظم... أنا حليفة لهن! ولكن يتوجب علينا أن نفهم كيف يكون موقع الحليف. عندما التقيت بهن في العام الماضي، سألت: "هل يمكن أن آتي إلى اجتماعكن؟" قلن: "طبعاً لا!". صحيح أنني شعرت خلال جزء من الثانية بالإهانة وخيبة الأمل، الأمر الذي سمح لي أن أدرك ما يعنيه مفهوم "الدموع البيضاء"، حين يجد البيض أنفسهن فجأة وهم محرومون من امتيازاتهم فيبدؤون بالبكاء كالأطفال! أن أكون حليفة لهن ليس بالأمر الهيّن. القاعدة هي أن نعرف كيف نعترف بذلك، وأن نكون على استعداد دائم لاستجواب عاداتنا، وأن نفهم حين يقال لنا "لا". علينا أن نتعلم كيف نرد بالقول "حسناً"، أنتم تعرفون أكثر منا وهذه مشكلاتكم أنتم، وأنتم من عليه أن يخبرنا كيف تنظمون أنفسكم... قولوا لي فقط ما يمكنني القيام به للمساعدة؟

إعداد : علاء خزام
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن