تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أخبار العالم

الأزمة الخليجية بعيون إفريقية: براغماتية وحرج وعدم انحياز!

أ ف ب
نص : مونت كارلو الدولية
5 دقائق

للأزمة الخليجية الأخيرة طابع دولي يجعلها تتجاوز حدود الإقليم، وذلك لأسباب اقتصادية وسياسية. فالأنظمة الاقتصادية البترولية مندمجة اندماجاً كلياً في حركة الرأسمال العالمي ومنطقة الشرق الأوسط هي مسرح كبير للفعل السياسي (والعسكري) الإقليمي والدولي الغربي. ولذا، فقد ترافق التصعيد الكلامي بين قطر من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى مع ترقب لمواقف العواصم الغربية الكبرى مع هذا الطرف أو ذاك. ولكن كيف تتوزع المواقف في القارة الإفريقية التي تضم تسعةً من أصل عشرين دولة منتمية إلى جامعة الدول العربية؟

إعلان

قدّمت مجلة "جون أفريك" الفرنسية في عدد 12 حزيران/يونيو 2017 عرضاً لمواقف الدول الإفريقية من الأزمة المتصاعدة في الخليج ووضحت أن دول القارة تواجه معضلة خاصة في تأييد إحدى الجهتين وذلك لأسباب سياسية واقتصادية خاصة تتعلق بالمساعدات ومعونات الاستثمار التي تتنافس على تقديمها كلٌّ من الدوحة والرياض. وهذه الورقة الاقتصادية هي ذاتها التي تلعبها السعودية وحلفاؤها في محاولة عزل قطر والضغط عليها.

قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع قطر أسوة بالعربية السعودية فيما اقتصر رد فعل التشاد والسينغال على استدعاء سفيريهما "للتشاور"، أما الغابون، من جهتها، فقد أدانت في بيان شديد اللهجة "عدم الالتزام القطري بتعهداتها في مكافحة الإرهاب". في الجانب العربي من القارة، التزمت مصر وليبيا وموريتانيا بالموقف السعودي الإماراتي البحريني، بينما خيّم الصمت الرسمي على تونس والرباط... أما الجزائر فكانت وحدها من عبر عن دعمه للحوار بين الأطراف المتنازعة.

تونس: برغامتية

وإذا لم يكن الموقفان المصري والليبي مفاجئين، نظراً لطبيعة العلاقات المتوترة بينهما وبين قطر، فإن المواقف في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا جاءت متباينة وينطلق كل بلد من هذه البلدان من تقاليده ومصالحه الخاصة. وبالرغم من أن انتخاب الباجي قايد السبسي قد ساهم في تراجع طفيف في العلاقات بين الدوحة وتونس وتحسناً مع أبوظبي والرياض تُرجم خاصة من خلال دعم حرب اليمن والتصويت لصالح اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، إلا أن تونس لم تضع نفسها كلياً إلى جانب السعودية.

أمير قطر ورئيس تونس في الدوحة 18 أيار/مايو 2016 (أ ف ب)

حاولت قطر استمالة قادة تونس الجدد البراغماتيين عبر الاستثمار في القطاع السياحي، والذي وصل إلى 356 مليون دولار، وتقديم المنح وتأخير سداد قرض بقيمة 500 مليون دولار يستحق السداد في عام 2017. حتى حزب النهضة الإسلامي الذي تستهدفه سهام النقد في الإمارات لم يدع إلى أكثر من الحوار ودعم المبادرة الكويتية، وذلك على الرغم من الدعم الكبير الذي وفرته له قطر في أيام حكومة الترويكا. وكان راشد الغنوشي زعيم الحزب قد نجح كذلك في التقرب من الرياض مع مجيء الملك سلمان الذي وجه دعوة شخصية للغنوشي إلى الحج.

الجزائر: عدم الانحياز

منذ استقلالها، تلتزم الجزائر بسياسة عدم انحياز تقليدية موروثة من حقبة مؤتمر باندونغ، وحين يتعلق الأمر بالخلافات العربية العربية، فإنها تلتزم موقف المراقب دون أن يمنعها ذلك من اتخاذ بعض المواقف الخاصة. منها مثلاً أن الجزائر كانت من بين قلة من الدول العربية التي رفضت تعليق عضوية سوريا في جماعة الدول العربية عام 2011 كما أنها رفضت الحرب في اليمن. لكن ذلك لا يعني ميلاً أكبر لصالح قطر، فالدعم الكبير الذي تقدمه الإمارة الصغيرة للحركات الإسلامية في ليبيا المجاورة يشكل مصدر قلق للسلطات الجزائرية.

أمير قطر ورئيس الجزائر في الجزائر 3 نيسان/أبريل 2014 (أ ف ب)

غني عن البيان كذلك أن قناة الجزيرة لم تحز في أي لحظة من تاريخها على مكتب في الجزائر العاصمة. ورغم أن البلدين يعتبران من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم، ورغم أن الاستثمارات القطرية في الجزائر وخاصة في قطاع الاتصالات هي من الأكبر من نوعها، فإن الجزائر لم تبد مرونة كبيرة في ما يتعلق بسياستها الخارجية "المبدئية". وينطبق الأمر نفسه على العلاقات السعودية الجزائرية، وحتى على علاقات الجزائر بالإمارات رغم الروابط المميزة التي تربط الرئيس الجزائري بآل نهيان منذ عام 1980 حين اضطر بوتفليقة إلى اللجوء في أبوظبي بعد وفاة بومدين.

المغرب: في ورطة

المغرب هو البلد المغاربي الأكثر قرباً والذي يمتلك علاقات وثيقة للغاية بالدول الخليجية جميعاً، الأمر الذي يجعله حرجاً في ما يتعلق باتخاذ قرار حاسم ويدفعنا إلى افتراض حجم الضغوطات التي تمارس عليه من كلا الجانبين. قطر هي المستثمر رقم واحد في المغرب وكانت قد دفعت لوحدها نصف المنحة التي قدمتها الدول الخليجية للمغرب خلال زيارة الملك محمد السادس عام 2012 وبلغت 5 مليارات دولار كانت المملكة بأمس الحاجة إليها في ضوء الاحتجاجات المتزايدة. بالمقابل فإن محمد السادس وولي العهد الإماراتي هما صديقان منذ الطفولة، كما أن المملكتين السعودية والمغربية حليفتان منذ زمن طويل جعل الرباط تشارك في حرب اليمن وتغلق مكتب قناة الجزيرة فيها (عدا عن أن الملك سلمان يقضي عطله في المغرب وكان قد زوّج أحد أولاده فيها كذلك).

بعد سحب ترخيص قناة الجزيرة في الرباط في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 (أ ف ب)

دول الساحل: مع السعودية

تتعرض هذه الدول خاصة لخطر الإرهاب الإسلامي عبر تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في إفريقيا الغربية وكتائب مختار بلمختار. ويظهر هذا الخطر خاصة في دولتي النيجر ومالي اللتين شارك رئيساهما محمد يوسفو وإبراهيم أبو بكر كيتا في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض في أيار/مايو 2017 والتي أعقبها قطع العلاقات مع قطر. ورغم الشائعات التي تتحدث عن ضلوع الدوحة في تمويل الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، إلا أن باماكو ونيامي اتخذتا موقفاً متحفظاً إزاء الأزمة الخليجية وذلك على عكس موقف السنغال التي عبرت عن تضامنها مع السعودية وحلفائها واستدعت سفيرها في الدوحة متجاهلة الدعم المالي القطري لها عام 2014 في تمويل قمة الفرنكوفونية. تشاد استدعت كذلك سفيرها للتشاور، أما جيبوتي التي تتشارك مع اليمن السيادة على مضيق باب المندب فقد قررت تخفيض تمثيلها الدبلوماسي في الدوحة دون أن تذهب إلى القطيعة، وذلك على الرغم من الدعم الذي قدمته لقوات التحالف بقيادة السعودية التي تحارب الحوثيين.

وكان رئيس جزر القمر قد عبّر أحسن تعبير عن هذا الموقف "الإجباري" الداعم السعودية والراغب في عدم القطيعة مع قطر حين قال حرفياً "كان يجب اتخاذ قرار، ولقد اختارت جزر القمر السعودية رغم أن قطر هي دولة شقيقة أكثر من كونها دولة صديقة فقط"، وذلك على الرغم من أن بلاده قطعت نهائياً العلاقات مع الدوحة. السودان أعرب هو الآخر عن هذا الموقف رغم أنه على عكس جزر القمر لم يقطع علاقاته مع أحد. فقد أسف بيان الخارجية السودانية للتصعيد بين الدول الخليجية داعياً إلى "تهدئة النفوس" وعارضاً في الوقت ذاته وساطة للحل. أخيراً نحت الغابون منحى مشابهاً لموقف جيبوتي في قطع العلاقات مع قطر والالتحاق تماماً بالركب السعودي الإماراتي وهي البلد الوحيد ذو الغالبية السكانية المسيحية الذي أبدى رأيه في هذه الأزمة. ويعود ذلك، بين أسباب أخرى، إلى العلاقات المتميزة والدعم المالي الكبير الذي تقدمه السعودية منذ أن تحول الرئيس السابق عمر بونغو إلى الإسلام في السبعينات والفتور الذي يطبع علاقات الرئيس الحالي علي بونغو مع فرنسا والاتحاد الأوروبي.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.