تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

كيبيل: النموذج الأنغلوسكسوني فشل في حماية بريطانيا من الإرهاب

أمام السفارة الفرنسية في لندن احتجاجاً على التدخل العسكري في مالي 12 كانون الثاني/يناير 2012 (أ ف ب)

تدور الأطر النظرية التي أنتجها فرنسيون وتسعى إلى تفسير الظاهرة الإسلاموية العنيفة (الجهادية) حول مسألة التمييز بين دراسة الفعل العنيف نفسه (الإرهاب) وبين تبيّن أسبابه.

إعلان

وبينما يتفق أغلب دارسي الإسلام السياسي والعسكري في حدود واسعة على وصف متقارب لبورتريه الجهادي (يقدّم عادة كشخص في مقتبل العمر، ذي سجل عدلي غير نظيف، تطرّف عبر الانترنيت... الخ)، فإن الخلاف يقع حول الأسباب. فهناك طرح يمثله فرانسوا بورغا يقول إن الإرهاب هو ببساطة "رد فعل" على فعل عنيف أولي مصدره الغرب الذي يسمح لنفسه بالتدخل في "بلاد المسلمين". ويشترك أصحاب هذا الطرح مع من يعقد مقارنات بين الجهاديين الحاليين والفرق شبه العسكرية الشيوعية في الستينات والسبعينات في نزعة الخروج على النظام المهمِّش والقامع (أوليفييه روا) في التقليل إلى أبعد حد من أثر الإيديولوجيا السلفية في فهم ظاهرة الجهاد.

بالمقابل، يعتقد جيل كيبيل، العمود الثالث في ثلاثي الدارسين الفرنسيين الأكاديميين للإسلام المعاصر، أن التدقيق في مقولات الجهاديين وإيلاء الاهتمام اللازم والجهد الكافي للإيديولوجيا (الثقافة) هو أحد أبرز الوسائل التي تمكن من إدراك "الظاهرة الإسلاموية في مجملها" وتدفع، بالتالي، قدماً محاولات السيطرة على تمظهرها العدواني. ولا يخفي كيبيل أيضاً "غبطته" من كون الاعتداءات التي ضربت ألمانيا وبريطانيا (المتسامحتين إلى أبعد الحدود مع الإسلام السياسي) وتضرب في العالم العربي والإسلامي (وحتى في البرازيل حيث لا وجود لماض استعماري يمكن أن يتم اتخاذه ذريعة)، قد أعادت الثقة في النظام العلماني الفرنسي الذي اتهمته وسائل الإعلام الأنغلوسكسونية خلال شهور مديدة بالتطرف وقمع الحريات الثقافية. اعتداءات بريطانيا على الخصوص بيّنت وفق كيبيل تهافت هذا الرأي و"أعادت، للأسف، الأمور إلى نصابها الصحيح".

هنا ترجمة لمقابلة حديثة مع الباحث في القضايا الإسلامية والأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس نشرتها مجلة "لوبس" الفرنسية في 7 حزيران/يونيو 2017.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

بعد فرنسا وألمانيا، ها هي بريطانيا وقد ضربت بهجوم إرهابي أسفر عن 8 قتلى و48 جريحاً في لندن. وهو الهجوم الثالث في المملكة المتحدة في أقل من ثلاثة أشهر... هل هناك علاقة عضوية بين كل هذه الهجمات التي تضرب أوروبا؟

تندرج الهجمات التي أثكلت المملكة المتحدة بشكل مباشر في ما حدث في فرنسا وألمانيا. هذا هو جهاد الجيل الثالث، وهذا الإرهاب الجديد منخفض التكلفة ويعتاش على الانشقاقات العميقة جداً داخل المجتمعات الأوروبية. وهو يميل إلى جعل الناس يواجهون بعضهم البعض، لخلق مناخ من الحرب الأهلية بين الجماعات بين أبناء المهاجرين من أصول مسلمة من جهة وبقية السكان من جهة أخرى.

جيل كيبيل (أ ف ب)

كان المنظر الجهادي أبو مصعب السوري، وهو مهندس مرّ بفرنسا وكان يعيش في لندن أواخر تسعينات القرن الماضي ويعتبر أحد أعمدة "لندنستان"، قد أسس في عام 2005 فكرة جهاد أفقي منخفض التكلفة، يستهدف أوروبا (باعتبارها) "نقطة الضعف في الغرب". وكان قد أطلق على الانترنت "دعوة للمقاومة الإسلامية العالمية" دعا فيها لتنفيذ هجمات عن قرب وتحدث بالفعل عن سيارات تدهس الحشود وهجمات بالسكين تستهدف "المرتدين" و"الإسلاموفوبيين" و"اليهود"... إنه جهاد من نوع شبكي يقوم على شبكات بشرية وعصابات الضواحي وشبكات التواصل الاجتماعية، على عكس تنظيم القاعدة الذي كان يتبع منهجية عملانية هرمية.

في البداية، لم تكن أجهزة الاستخبارات مقتنعة بهذا الشكل من التنظيم الشبكي، ورغم ذلك فإن هذا هو نوع الجهاد الذي ضرب فرنسا. بدأ ذلك مع محمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز ومونتوبان في آذار/مارس 2012، واستمر عام 2015 في باريس مع "شارلي إيبدو" والباتاكلان، ثم في تموز/يوليو عام 2016 حيث وقعت عملية نيس في الرابع عشر من هذا الشهر وعملية سان إتيان دوروفاري حيث قتل الأب جاك هامل في السادس والعشرين منه... وهذا هو شكل الجهاد نفسه الذي انتقل إلى ألمانيا في كانون الأول/ديسمبر الماضي وهو اليوم يضرب بريطانيا.

كل هذه الهجمات تستهدف المدنيين...

المنهج العملي نفسه والإيديولوجيا مشتركة. تهدف هذه الهجمات إلى تدمير نموذج محدد هو نمط الحياة الغربي وتضرب أهدافاً سهلة وكذلك ذات دلالة رمزية. يختار الإرهابيون تواريخ ذات دلالة كبيرة كما وقع في يوم العيد الوطني في نيس، والذي يعتبر تاريخياً تتويجاً لفلسفة الأنوار... في الباتاكلان، استهدفوا القيم الغربية وإيديولوجيا المتعة. في اليوم الذي تلا الهجوم، سمّى تنظيم "الدولة الإسلامية" في بيانه باريس "عاصمة الرجس والضلال"... في برلين استهدفت شاحنة الإرهابي رمزاً مسيحياً هو سوق عيد الميلاد. في مانشستر، تم استهداف الشباب والموسيقى مرة أخرى...

في هجوم وستمنستر، ضرب الإرهابيون أقدم برلمان في أوروبا والرمز الأكبر للديمقراطية البرلمانية في العالم والذي كان، بالصدفة أو بشكل متعمد، يناقش مسار "بريكست". وتطلب الأمر نقل رئيسة الوزراء تيريزا ماي على عجل والإبقاء على النواب داخل البرلمان... لقد ضربوا الديمقراطية في قلبها.

قرب ساعة بيغ بين في لندن 9 حزيران/يونيو 2017 (أ ف ب)

ولكن هذه الهجمات تأتي في وقت ليست فيه بريطانيا على ما يرام. لقد قسم بريكست البلاد بعمق. غالبية البريطانيين لا يريدون ذلك. فالخسائر الكبيرة في الوظائف وانخفاض أسعار العقارات أمران يأججان مشاعر القلق، والإرهاب يتغذّى على هذه الانشقاقات. من جهة أخرى، فقد نسف هذا الهجوم أيضاً مساراً انتخابياً ويمكن أن يؤثر في نتائجه.

في فرنسا الوضع مختلف. لقد أخطأ أولئك الذين كانوا يتنبؤون بأن لوبان ستأتي في المقدمة في جولة الانتخابات الأولى وبفارق قوي من شأنه أن يضمن لها موقعاً متيناً في الجمعية الوطنية (مجلس النواب). كان من الممكن أن يكون الحال كذلك فيما لو استمرت موجة الهجمات.

هل تساهم هذه الهجمات في التشكيك بالنموذج البريطاني الذي يقوم على تفضيل النهج المسمى بـ"الطائفي Communautaire"؟

اعتبرت بريطانيا أن الاعتماد على الإسلاميين يضمن السلم الاجتماعي، واختارت القيام بسلسلة من الترتيبات المعقولة وفي الوقت نفسه مارست شكلاً من أشكال التلاعب. وهكذا، فكثيراً ما كانت مسؤولية الحفاظ على التماسك في الأحياء توكل إلى قادة "طائفيين". ولقد تم التسامح مع تأسيس "مجالس الشريعة"، أو محاكم إسلامية، في عدة أحياء من برمنغهام حيث كان يقطن خالد مسعود منفذ هجمات وستمنستر. يعتقد البريطانيون أن من شأن نهج كهذا أن يقيهم من هذه الهجمات. الآن يكتشفون أن الأمر ليس هذا النحو.

في التسعينات، استقبل البريطانيون كذلك عدداً من قادة الحركة الإسلامية العربية الذين جمعوا أنفسهم فيما أطلق عليه اسم "لندنستان". ولقد اعتقدت أجهزة الاستخبارات البريطانية أنها بذلك قد تحصل على معلومات عن العالم الإسلامي وقد تتمكن من كسب تعاطف هؤلاء القادة. إلا أن تفجيرات لندن عام 2005 وغلاسكو عام 2007 دقت المسمار الأخير في نعش هذا الوهم.

استقبلوا أيضاً معارضين ليبيين في مانشستر، حيث نشأ منفذ الهجوم الذي وقع في 22 أيار/مايو 2017، وقاموا بإرسالهم لقتال القذافي على أمل أنهم سيدافعون عن المصالح البريطانية. ولكنهم التحقوا بالجهاد... تلك هي حدود النظام الإنجليزي الذي كان يعتقد نفسه الأذكى، غير أن التاريخ قد أثبت أن تناول العشاء مع الجهاديين كان يجب أن يتم باستخدام ملعقة طويلة جداً (تعبير يشير في الإساس إلى الشيطان ويعني وجوب عدم الاقتراب الزائد حين يضطر المرء إلى التعامل مع الجهاديين). لقد كانت لنا تجربتنا الخاصة مع محمد مراح، ونحن أيضاً كنا نظن أنفسنا أذكياء...

ما الذي يحرّك هذا الجهاد؟ أهو ديني أم سياسي؟

إذا اعتبرنا ألا جدوى من فهم الأيديولوجيا السلفية التي تقف خلف هذه الهجمات، فإننا لن نتمكن من حصر هذه الظاهرة. ليست الأيديولوجية الدينية ظاهرة عارضة يمكن إخفاؤها بوضعها، مثل الغبار، تحت السجادة. ليس هؤلاء الجهاديون، كما يعتقد أوليفييه روا، ورثة الألوية الحمراء، أي نوعاً من "ألوية خضراء" لا علاقة لها أبداً بالفكر السلفي... هذه القضية أساسية لفهم الظاهرة.

فرانسوا بورغا (يمين) وأوليفييه روا (يوتيوب)

ولكنهم أيضاً، وهذا صحيح، يمثلون انكشافاً للعيوب والتشققات في مجتمعاتنا. وكما قلت في كتابي "الانشقاق"، إن الظواهر ذاتها هي التي أدت، من جهة، إلى صعود الجماعات الإسلامية "الطائفية"، ومن جهة أخرى إلى تقدّم الجماعات الهوياتية واليمين المتطرف. كلتاهما تشكل وجهاً للظاهرة نفسها.

يجب علينا مساءلة النظم التي لا تعمل: التهميش في المدن ودور الأدوات الرقمية وكذلك خاصة فشل التعليم الوطني... يريد إيمانويل ماكرون تكوين فريق عمل في الإليزيه لمكافحة الإرهاب، لكن ذلك يجب أن يتعامل مع الظاهرة في مجملها. ولا ينبغي لفريق العمل هذا أن ينحصر فقط في أجهزة المخابرات التي لا تزال تكافح للعمل جنباً إلى جنب، بل يجب أن يشمل قضية أن الجهاد يشكك في المجتمع كله. النموذج الفرنسي، والبريطاني، هما اليوم موضع شك ومن الملح أن يوضع كل ذلك على الطاولة أمام فريق العمل ذاك وأن يكون هناك تفكير حقيقي وتحليل شامل للمجتمع ما بعد الصناعي وللعالم الرقمي.

إذا كانت خلفية الصراع دينية، لماذا تم استهداف بريطانيا المتسامحة للغاية مع الإسلام بجميع أشكاله؟

ردد البريطانيون والألمان كثيراً أن فرنسا استهدفت في هذه الموجة من الهجمات بالنظر إلى أنها علمانية وذات قيم كونية أو حتى كارهة للإسلام. وأن ما أصابنا كان إلى حد ما وبطريقة ما خطأنا نحن... وقد شهدنا ذلك بوضوح بالنظر إلى قضية البوركيني الصيف الماضي، والتي استغلت على نطاق واسع في الصحافة الأنجلوسكسونية. لقد تم تعميم فكرة أن فرنسا هي المسؤولة عن هذه الحالة، في حين أن القضية كانت من الألف إلى الياء من تلفيق الإسلاميين لصرف النظر عن الهجمات وتم تحويل الضحية إلى جلاد... لسوء الحظ، فإن الهجمات الرهيبة اليوم تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. وبطبيعة الحال، سنسمع الإسلاميين، الذين سيشرحون مجدداً أن لا علاقة لهم بما يحصل، يقولون إنه لا بد من تعزيز دورهم وإنهم يشكلون خط الدفاع الأخير في مواجهة الهجمات. ولكن من الواضح أن كل ذلك غامض للغاية.

تظاهرة مسلمين عقب اعتداء لندن في 6 حزيران/يونيو 2017 (رويترز)

لم يقع في فرنسا منذ الصيف الماضي أي هجمات كبرى. كيف يمكن تفسير هذا الهدوء النسبي؟

أولاً، إن إضعاف "الدولة الإسلامية" في الرقة والموصل يصعّب تنسيق الهجمات. وقد ساهمت تركيا في ذلك أيضاً، وإن بطريقة ملتبسة، فهي شرعت منذ توقيعها على اتفاق مع فرنسا في السيطرة على حدودها مع داعش التي بات من الصعب تقريباً عبورها. وبالتالي، لا يمكن للجهاديين الفرنسيين العودة كما كان يخشى. لكن من الصحيح أن تركيا تدعم في الوقت نفسه جماعة الإخوان المسلمين. وقد عهدت إلى هذه الجماعة بمهمة تنظيم المجتمع على أسس طائفية، مع كل المخاطر التي ينطوي عليها ذلك...

وفي الوقت نفسه، ورغم الانتقادات التي تعرض لها جهاز مكافحة الإرهاب الفرنسي إلا أنه تمكن من حماية فرنسا في الشهور الأخيرة. صحيح أن هذا الجهاز شديد المركزية والبيروقراطية ويعاني بطئاً في العمل وكثيراً من الجمود والتنافس بين فروعه. ويمكن مقارنة هذا الجهاز مع محرك الديزل، فهو يبدأ ببطء ولكنه بعد ذلك يدور بأقصى سرعة ويملك ميزة كونه فعالاً في جميع أنحاء البلاد، في باريس كما في مرسيليا. في بريطانيا، هناك 43 جهازاً تابعاً للشرطة تتنافس فيما بينها؛ أما في ألمانيا، فكل إقليم لديه جهاز مكافحة الإرهاب الخاص به... ومن الصعب إجراء سياسة منسقة في هذا السياق.

تمكنت الأجهزة الفرنسية أيضاً من اختراق برامج المحادثات مثل تيليغرام الأمر الذي مكنها من إحباط العديد من العمليات الموجهة من الرقة، مثل العملية التي قادتها مجموعة من النساء المتطرفات واللواتي كن يتلقين الأوامر من المنطقة العراقية السورية، واللواتي تم اعتقالهن من قبل الإدارة العامة للأمن الداخلي الخريف الماضي. كانت هناك عمليات أخرى كذلك. الخبرة التي اكتسبتها الأجهزة الأمنية الفرنسية، كما كان الحال بين عامي 1995 و2012 حيث لم تقع أية هجمات، جعلت من فرنسا فريسة أكثر صعوبة من بريطانيا أو ألمانيا حيث الأجهزة الأمنية أقل خبرة في هذه القضايا.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن