تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

ناتالي إينيك: بورديو تحوّل إلى سلاح في يد اليسار الطائفي

نص : علاء خزام
22 دقائق

تغلب النزعة اليسارية في أوساط المشتغلين بإنتاج الأفكار حول العالم منذ أن بدأ هذا الاتجاه يعارض أنظمة الحياة وقواعدها المؤسسة المتفق عليها اجتماعياً.

إعلان

وكان جيل دولوز قد عرّف اليسار مرة بأنه الاتجاه الذي لا يكل أبداً عن القيام بعملية "التحول إلى أقلية"، أي الانخراط في العمل الواعي المضاد لـ"معايير" موضوعة ومفروضة: "الأغلبية هي لا أحد والأقلية هي الجميع"، كما كان يقول الفيلسوف. ويعني ذلك، أن "قيمة" اليسار الرئيسية ليست التقدم، هكذا بإطلاق، بل التقدم الآن وهنا وفي هذه اللحظة المحددة وضمن هذه الشروط... الخ. فالنضال من أجل حقوق المرأة في الغرب لا يجعل من معتنقه يسارياً لكون هذه الحقوق آخذة في التحقق المتسارع وباتت لفرط شعبيتها مسألة تتبناها الدولة وتحض عليها وتعاقب منتهكيها. الدولة الحديثة، أي الممثل الأبرز للغالبية وحساسيات الغالبية والتوافق الغالب العمومي... إلخ. والحال ذاته ينطبق على حقوق الإنسان وحقوق المثليين وحقوق الأقليات الدينية وغيرها، ولكن دائماً في الغرب، حيث قطعت أشواطا طويلة في هذا الاتجاه وتحولت هذه القضايا إلى إجراءات إدارية وقانونية محضة. وبما أن الدولة هي صورة الغالبية، فإنه لا وجود لـ"حكومة يسارية" بالمعنى الدقيق للكلمة... اليسار ليس أمراً يمكن إدراجه في شأن مؤسساتي حكومي كما أنه ليس مهنة يتكسب منها المرء. مصير اليسار هو "الصيرورة أقليةً" أي التفكير الدائم في تجاوز ما يتحقق في لحظة تحققه أو بعدها بقليل. بالمقابل، يحصل أن تكون القضايا التي أخذت طريقها إلى المؤسسة Establishment في الغرب هي ذاتها الأكثر إلحاحاً في العالم الثالث: حقوق الإنسان والأقليات والمرأة ودور الدين وما يشبهها.

"الصيرورة أقلية" أو "الصيرورة ثورياً" ليس هو حال اليسار اليوم. على العكس، بات اليسار، ممثلاً خاصة في الإعلام والدوائر البحثية والحلقات الأكاديمية، أحد أكثر "المؤسسات" المنتجة أو المعيدة لإنتاج السائد والمدافعة عنه والرافضة بشدة لنقاشه أو مساءلته. وإذا كانت مجموعة القيم التي "يعتقد" بها اليساريون (بمختلف تنويعاتهم) تختصر بكلمة التقدم: الحرية والمساواة والعدالة... وإلغاء العبودية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وإقامة العالم على قدميه عبر التكافئ بين الأمم... الخ، فإن يسار اليوم في اتجاهه الغالب (بنسوييه وبالمدافعين عن حقوق الإنسان فيه... الخ) يقوم متعمداً بإرساء مناخ شديد المحافظة والرجعية وينسبن (نسبية) قيمه وفقاً للثقافات والحساسيات بأسلوب بات متقادماً حتى بالنسبة لليمينيين المحافظين اليوم: ما يصلح لـ"الغرب" لا يصلح لـ"دار الإسلام" ولا يصلح حتى لـ"المسلمين" في الغرب. وأن تعيش الجماعات الثقافية كل على حدة عاداتها وتقاليدها بالتمام والكمال وأن لا تفرض عليها الدولة جميعاً سلة قيم قادمة من قاموس الحداثة (المنبوذ بوصفه استعمارياً وإمبريالياً... الخ) هو دين اليسار اليوم وديدنه. نرى ذلك أكثر ما نراه في العملية المتواصلة لترجيم مصطلح "القيمة" ذاته بجعله مرادفاً للرجعية وجعل اليمين وحده مالكاً حصرياً للقيم.

اخترنا أن نقدم هنا ترجمة للقاء طويل أجرته "لوفيغارو" مع عالمة الاجتماع الفرنسية ناتالي إينيك (Nathalie Heinich) حول كتابها الذي أصدرته "غاليمار" مؤخراً بعنوان "القيم. مقاربة سوسيولوجية"، الذي تطرقت فيه إلى مفهوم القيمة اليوم والجدل الذي يثار حوله بين اليسار واليمين وقامت بجردة حساب مع تراث أستاذها بيار بورديو وتلاميذه وأتباعه اليساريين الذين حولوه برأيها إلى "طوطم". جدير بالذكر أن نيل الكتاب لجائزة بيتارك التي تقدمها إذاعة "فرنسا ثقافة" وصحيفة "لوموند" في حزيران/يوليو 2017 قد أثار بعض الجدل وارتفعت أصوات طالبت بسحب الجائزة لأسباب تتعلق ببعض مواقف إينيك الخارجة عن "المألوف اليساري".

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

تقولين في الدراسة التي تكرسينها لمصطلح "القيمة" إن "قليلاً من المفردات جدلية مثل كلمة "قيمة" وتشيرين إلى أن هذه المفردة تستخدم في الاقتصاد وكذلك في الرياضيات والسياسة. كيف نعرف مصطلح "القيمة"؟

لقد حاولت أن أفهم ما يعنيه الناس عندما يتحدثون عن "قيمة" أو عن "قيم"، وأبرزت ثلاثة معاني مختلفة تماماً لذلك. المعنى الأول، بصيغة المفرد ("القيمة")، يشير إلى عظمة وأهمية وجدارة شيء أو شخص أو عمل أو فعل أو حالة معينة للعالم. أي "قيمته" أو "السعر" الذي نحدده له -غالباً ما يتم الخلط بين "القيمة" والسعر بالمعنى النقدي، لا سيما في المقاربة الاقتصادية الغنية جداً ولكن الاختزالية من حيث الاستخدامات الفعلية لمفهوم القيمة. المعنى الثاني يمكن استخدامه في صيغة المفرد كما في صيغة الجمع: "قيمة"، "القيم"، لوصف شيء "ذو" قيمة بالمعنى الأولي للكلمة، أي أنه "مُقَيَّم": فإما أن يتعلق الأمر بشيء ملموس (سندات بورصة، مجوهرات، ساعة ثمينة...) أو بشيء مجرد (السلام، العمل، الديمقراطية...). وبهذا المعنى، تكون القيمة تعادل ما نطلق عليه "سلعة"، أو بعبارة أخرى نتاج عملية تقييم. المعنى الثالث، الذي يمكن استخدامه أيضاً في صيغة الجمع وكذلك في المفرد، هو المبدأ الذي تعزى باسمه "القيمة" (بالمعنى الأول) إلى ما يصبح بذلك "قيمة" (بالمعنى الثاني): على سبيل المثال قيمة الخير، قيمة الجمال، قيمة الأصالة... إلخ. هذه مبادئ التثمين أو تخفيض القيمة ("المبادئ المحورية" بعبارة أخرى). أركز في هذا الكتاب بشكل خاص على هذا المعنى الثالث الذي لم يدرس كثيراً.

كيف يمكن أن نفسر الحضور الطاغي لكلمة "القيمة" في النقاش العام؟

حين يدور الحديث اليوم عن "القيم" في المجال السياسي، فإن ذلك غالباً ما يتم بأسلوب غامض باستخدام المعنيين الثاني والثالث: فإما أن يتعلق الأمر بالسلع المجردة التي ينبغي الدفاع عنها (الأسرة والعمل والوطن، فضلاً عن الحرية والتضامن والمساواة)، أو بالمبادئ التي يتم باسمها تقييم هذه السلع (الإخلاص والأخلاق والإنصاف...). ويتوقف الانتقال بين هذين المعنيين على السياقات التي تنتج فيها التقييمات. ومع ذلك، يمكن تفسير الاحتجاج المتكرر بـ"القيم"، سواء تعلق الأمر بسلع أو بمبادئ، بحقيقة أن المؤسسات التي حملت طويلاً هذه التمثيلات الجماعية المتعلقة بما يجب على المرء أن يتمسك به –وخاصة الكنيسة والتعليم الوطني وحتى مؤسسة الأسرة- فقدت كثيراً من قوتها في الأجيال الأخيرة. لذلك، فإن ما كان واضحاً من قبل لم يعد يتمتع بميزة البداهة تلك، ويتطلب شرحاً وتذكيراً وإعادة توكيد: انفتح "الصندوق الأسود" للقيم مع تفسخ الثقة بهذه المؤسسات، وهو ما يفسر زيادة ظهورها في الفضاء العام، ولا سيما في المجال السياسي. هنالك منذ أيار/مايو 1968 توكيد مستمر على الحرية الفردية ضد وزن المؤسسات الثقيل. وهذا يؤدي اليوم إلى ما كان بورديو يسميه "تأثير التباطؤ"، أي الفجوة بين مؤسسة، فردية أو جماعية، وسياق اجتماعي قد تغير: نواصل التظاهر بأن من الواجب النضال من أجل مزيد من الحرية في حين أن الحرية قد تحققت إلى حد كبير، وأن هذه التأثيرات الشاذة هي من يشكل اليوم مشكلة.

الإشارة إلى "القيم" هامة جداً اليوم في أوساط اليمين ويتم الحديث عن "يمين القيم" الذي سيكون أكثر راديكالية ويعارض يميناً أكثر ليبرالية. لماذا تستخدم هذه الكلمة أكثر فأكثر بين أوساط اليمين؟

عندما يستمع المرء إلى ما يقال على اليسار سيرى أن القيم حاضرة قدر حضورها على اليمين: يذكر على سبيل المثال المساواة والتضامن، أو، في أزمنة أخرى، الوطن (القيمة الثورية) والجدارة (القيمة الديمقراطية) والعمل (القيمة البروليتارية) والعلمانية (القيمة الراديكالية). ولكن مفردة "القيم" مشتبه بها اليوم لأنها تُقرن باليمين. اليوم، إن صعود يسار فرداني معادي منهجياً للدولة ومناهض للمؤسسات يعتبر أن من الطبيعي إطلاق العنان لفانتازمات كليّة القدرة ومقتنع بأن كل رغبة يجب أن تتسيّد، يميل إلى التقليل من شأن إشكالية القيم بإحالتها إلى حساسية سياسية "رجعية". ولحسن الحظ، لا يختصر اليسار بأكمله بهذا التصور الذي أجده من جهتي جاهلاً بعمق لما يشكل الأس الأساس لعلم الاجتماع (أي ضرورات العيش معاً) وخطيراً على المستوى السياسي وطفولي بالمعنى النفسي.

تحللين عملية تشكل أحكام القيمة في مجتمعاتنا الليبرالية. فما هي أكثر القيم شيوعاً حالياً؟ وهل تغيرت هذه القيم كثيراً بالمقارنة مع فترات سابقة؟

كل ما يمكن قوله دون أن نخاطر بقول الترهات هو أن هناك طفرات جيليّة في نظام القيم، مع تطورات طويلة المدى، تجعل من الطبيعي نسبياً اليوم على سبيل المثال المطالبات بالحرية الفردية، لا سيما في المسائل الجنسية. بعض القيم كاللياقة تعاني تراجعاً حاداً وبعضها الآخر تشهد تحولاً كما هو حال قيمة "الشرف" التي انتقلت من المبارزة بالسيف بين الرجال دفاعاً عن الشرف لتصبح مجرد "سمعة" على شبكات التواصل الاجتماعية. ولكن على هذا المستوى من العمومية لا يمكن للمرء أن يقول شيئاً آخر فيما عدا التفاهات. أفضل أن أذهب وأرى عن قرب ما يجري في مجالات محددة جيداً: على سبيل المثال في الفن المعاصر، حيث حلت قيم اللعب والمعنى والتفرد محل الأصالة، وهي القيمة الأساسية في الفن الحديث، والجمال، الأساسية في الفن الكلاسيكي (كما أبين ذلك في كتابي "باراديغم الفن المعاصر")؛ وحتى التراث الثقافي، حيث أصبحت قيمتا المعنى والأصالة هما الغالبتان، مع التقليل من شأن قيمة القدم والدفع بقيمة الجمال إلى الخلفية (كما أوضح في كتابي "صناعة التراث").

تحذرين من "الإغواء المعياري لعلماء الاجتماع". ما هي برأيك مهمة علم الاجتماع؟

هذا موضوع نقاش اليوم في علم الاجتماع، ولا سيما علم الاجتماع الفرنسي، أو على الأقل ينبغي أن يكون موضوع نقاش فيما لو تحدث المنافحون عن وجهتي النظر مع بعضهم ولكن الأمر ليس أبداً على هذا النحو. فمن ناحية، هناك المنتمون إلى علم اجتماع ملتزم، علم اجتماع "الرياضة القتالية" على حد تعبير بيير بورديو، "علم اجتماع نقدي" يميل إلى الخلط مع النضال ويعتبر أن علم الاجتماع، كما كان يقول إميل دوركهايم، "لم يكن ليستحق ساعة من التألم" لو أن هدفه كان توقعياً محضاً. من ناحية أخرى، هناك من يعتبرون، وأنا منهم، أن كل الآلام يمكن تحملها في سبيل إنتاج المعرفة وأن على الباحث والمدرّس، كما كان يرى ماكس فيبر، التمييز بوضوح بين آرائه الشخصية ونتائج أبحاثه، بحيث يترك الآراء الشخصية على باب قاعة الدرس وبعيداً عن المنشورات العلمية. هذا هو أيضاً موقف المؤسسات الأكاديمية -كالجامعة والمعهد الوطني للبحوث العلمية والمنظمات البحثية- التي لا تدفع لباحثيها من أجل الدفاع عن مواقف سياسية بل من أجل إنتاج ونقل المعرفة.

المشكلة هي أن هذا التصور الذي يمكن أن نسميه "مستقل" لعلم الاجتماع أصبح بالنسبة لبعض الباحثين (وخصوصاً من المنتمين للجيل الأخير الذي طبعته بشدة بورديوزيّة لا تعرف من أعمال بورديو غير النتاجات الفقيرة للسنوات العشرة الماضية) مرادفاً للجبن والكذب – يتهموننا بالقيام بنشاط "علموي" أو بإخفاء آرائنا وراء "ما يسمى" بالحقائق العلمية. كانت هذه أيضاً الصعوبة في كتابي حول القيم، أي إمكانية تقديم وصف تحليلي للقيم منفصل كلياً عن اتخاذ أي موقف معياري -لا أدعي أبداً القول بأن من الواجب تفضيل قيمة على أخرى أو أن أشرّع لما هي القيم "الحقيقية"... إلخ- في حين أن الطلب على هذا النوع من الكتابات قوي جداً. بعبارة أخرى، فإنني أمتنع بعناية عن إنتاج أي شيء يمكن أن يشبه "علم الاجتماع الأخلاقي" وأقتصر على علم اجتماع الأخلاق، وبشكل أكثر عمومية على علم اجتماع العلاقة مع القيم.

يبدو أن علم الاجتماع النقدي أصبح اليوم أداة سياسية في خدمة يسار معين. ما رأيك؟

وُجد في وقت ما علم اجتماع يميني كان يصر على النظام والمؤسسات. ولكن من الصحيح أنه منذ أيار/مايو 1968، حيث شهدنا صعوداً لعلم اجتماع بورديوزي أصبح بمثابة عقيدة لليسار الراديكالي، بات بورديو، الذي عاش حياته هامشياً، أكثر من مجرد مرجعية: نوع من طوطم يميل لدى البعض إلى أن يكون تلخيصاً لعلم الاجتماع بكامله. هناك تيارات أخرى عديدة ليست يمينيّة بالضرورة (أدرج نفسي في تصور لعلم الاجتماع منفصل تماماً عن كل التزام سياسي)، ولكنها غير معروفة إلا من قبل علماء الاجتماع - أو على الأقل من قبل الأكثر سعياً وراء المعرفة بينهم. كنت قد واكبت منذ أربعين عاماً علم الاجتماع البورديوزي الذي قدمت أطروحتي للدكتوراه مع صاحبه، لكني أجد نفسي اليوم أناضل ضد سطوته. وخاصة بعد أن أصبح عامل إفساد بفضل نسخة مشوهة وكاريكاتورية جداً يقوم بعض تلاميذه بتعميمها.

تأسفين لكون علم الاجتماع المعاصر يركز على الصراع أكثر من تركيزه على التوافق ويسلط الضوء بشكل خاص على مفهوم "الهيمنة الرمزية" الذي أشاعه بورديو. ألم تصبح فكرة "الهيمنة" الأوسع من فكرة "الاغتراب" ذريعة لجميع المطالب التي تستند بكثرة على مفهوم الضحية؟

أنا من مؤيدي تطبيق مقاربة تعددية تعرف كيف تبرز آثار التوافقات وآثار الاختلافات في الآن ذاته. ولكن عندما يكون قسم كبير من علم الاجتماع مكرساً كما هو الحال اليوم للخيار الثاني، فإن الإصرار على الخيار الأول يمكن أن يكون مفيداً –وإشكالية القيم تشكل فرصة مثالية لذلك، حيث يوجد مرجع مشترك لقيم مشتركة تتجاوز نزاعات القيم التي أحللها، كذلك فإن طرقنا المختلفة في الكلام لا تمنع أبداً من وجود لغة مشتركة بيننا. أما بالنسبة لمفهوم "الهيمنة"، فيمكن له بالطبع أن يكون ذو أهمية اليوم من وجهة نظر سوسيولوجية - استند ماكس فيبر، وهو أحد أعظم علماء الاجتماع، في جزء كبير من عمله على تحليل مختلف أشكال الهيمنة، وخلص منها إلى نتائج غاية في الإيضاح. ولكن عندما يصبح هذا المفهوم شعاراً يتلى وتعاد تلاوته من بحث إلى آخر ومن كتاب إلى آخر، فإنه يفقد قيمته الإرشادية الكاشفة -التي تساعد على الفهم- ويصبح مجرد شعار يفيد في توزيع المقاتلين بين فريقي "نحن" و"الآخرون". بالإضافة لذلك، عندما يتم استخدام مفهوم الهيمنة لأهداف نضالية، فإنه يميل إلى تغذية مشاعر ذنب صريحة إلى هذا الحد أو ذاك لدى "الأشرار" (لدى المهيمنين بطبيعة الحال) جنباً إلى جنب مع مشاعر الضحية لدى "الأخيار" (المهيمن عليهم) دون أي سياق أو أي نسبنة (relativisation) ودون أن تؤخذ بعين الاعتبار الكيفية التي يدرك من خلالها الفاعلون الأشياء. ومن ثم يصبح المفهوم أداة يمكنها أن تكون خطيرة لتصفية الحسابات ويمكنها أن تؤدي إلى سخافات أو إيقاع مظالم صارخة –مثلاً حين تتم محاكمة مؤرخ لأنه درَس تجارة الرقيق التي كان يمارسها الأفارقة بين بعضهم بحجة أن خطابه استعماري...

تقولين إن من الواجب "الخلاص من البنيوية". ولكن أليس "التفكيك" من مهام علم الاجتماع؟

بطبيعة الحال، قام علم الاجتماع من خلال مضاعفته لوجهات النظر وموضعته للظواهر في منظورها التاريخي بإيضاح مفاهيمي صحّي لتصوراتنا العفوية –يشبه ذلك ما قام به غاليلو عندما أحرج بواسطة حساباته العلمية الاعتقاد السائد بأن الشمس تدور حول الأرض. ولكن يجب علينا ألا نحجّم هذه القطيعة مع ما يسميه بورديو "المفاهيم المسبقة للحس السليم" إلى ما تعاد صياغته اليوم بحجة أنه "مبني اجتماعياً". هذا حس سليم لا يعلمنا شيئاً (فما هو الشيء الذي في التجربة الإنسانية ويكون غير "مبني اجتماعياً" منذ اللحظة التي نكون فيها كائنات اجتماعية؟) ويفضح شكلاً من النزعة الطبيعية لأنه يضمر أن الأمور لا تكون ضرورية إلا حين تكون طبيعية -وهذا شكل من نزعة طبيعية ساذجة تشهد لدى الباحثين في العلوم الاجتماعية على جهل مذهل بالاحتياجات الاجتماعية للحياة المشتركة. إن مقومات الحياة الاجتماعية ضرورية لأنها على وجه التحديد "مبنية اجتماعياً" - وإلا فإننا لن نفهم لماذا ابتدعت عاداتنا ومؤسساتنا وقوانيننا... الخ.

أما فيما يتعلق بـ"النزعة النسبية" فإنني أميز بين "نسبية وصفية" تسلط الضوء على التنويعات المكانية والزمانية للعلاقة مع القيم -وهي نتيجة طبيعية جداً لعمل الباحث في العلوم الاجتماعية- و"نسبية معيارية" تؤكد أن "كل شيء نسبي" وتأخذ بالتالي موقفاً من القيم بالسعي إلى تقليصها إلى معتقدات لا أساس لها. يبدو لي هذا الموقف الثاني، الذي ينطلق مرة أخرى من تصور نضالي وليس من هدف إرشادي كاشف، خطيراً لأنه يدّعي تأسيس قيمنا على منجزات العلم – أو شكل من العلموية التي أرفضها.

تؤكدين كذلك أن من الواجب "الخلاص من النزعة الكونية". أليست سمة مجتمعاتنا الليبرالية الأساسية هي بالتحديد النسبية، أي القبول في النقاش العام بتعدد قيم لا يمكن تجاهلها؟

سمة القيم الرئيسية كما بينت في هذا الكتاب هي أنها على حد سواء نسبية سياقيّاً (أي أنها تختلف بحسب الأزمنة والثقافات) ومعترف بها من قبل أولئك الذين يروجون لهم على أنها كونية: عندما أؤكد، على سبيل المثال، أن المعرفة هي قيمة، فإني أقول في الوقت نفسه أن من الواجب على الجميع النظر إلى المعرفة كشيء إيجابي لا ينبغي أن تكون صلاحيته موضع شك. وهذا لا يمنعني من إدراك أن الأمر ليس على هذا النحو -خاصة عندما يضع بعض زملائي نشاطهم النضالي في مرتبة أعلى من إنتاج المعرفة- ولكن ذلك غير مهم: فالقيمة هي هدف وليست الحقيقة الواقعية. وبالتالي فإن كونية القيم هي مسألة إيمان أو رغبة، الأمر الذي يجعلها متوافقة تماماً -حتى وإن كانت تبدو متناقضة- مع كونها نسبية.

ما كان ماكس فيبر يسميه "الشِرْك بالقيم" ليس من سمات المجتمعات الليبرالية، لكن من الصحيح أن هذه التعددية حول "ما له قيمة" قد شهدت توكيداً في المجتمعات الغربية الحديثة، وخصوصاً مع فقدان الأديان لتأثيرها، أو ما كان يدعوه فيبر بـ"نزع الوهم" عن العالم. وليس ذلك مشكلة ما دامت هذه التعددية لا تزال صراعية، مما يؤدي إلى مناقشات بشأن ما ينبغي أن يحظى بالأولوية. أما المشكلة فتحدث إما حين نحاول فرض هذه أو تلك من التصورات بالقوة (وهذا هو الحال في الأنظمة الاستبدادية)، أو، على العكس، عندما نتنازل عن منح الصلاحية لأحكام القيمة بحجة أن "كل شيء له قيمة" -وهذه هي النسبية "ما بعد الحديثة" التي تؤدي بحجة تجنب ممارسة الهيمنة إلى إهمال هذه العوائق المشتركة التي تمثلها القيم، والتي تجمعنا في الوقت الذي تفرقنا فيه.

شهدنا خلال تظاهرات "زواج مثليي الجنس" في فرنسا معركة عنيفة جداً بين أنظمة القيمة المتعارضة. كيف رأيت تلك اللحظة؟

كانت تلك لحظة رمزية غير متوقعة. بشكل يتعدّى عمق المسألة من الناحية التقنية أو القانونية، وقعت خصومات لا يمكن تجاوزها بين اليمين واليسار، بين القيم الأسرية والقيم الفردية، بين النزعة المحافظة والنزعة التقدمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن دعاة تشريع زواج المثليين جمعوا اثنين من أكثر القيم الأساسية في مجتمعنا: الحرية والمساواة. وفي ظل هذه الظروف، كان من المستحيل تخفيف حدة المواجهة: فلم يعد من الممكن للتأثيرات التقنية والقانونية والسياسية والنفسية - الوجدانية شديدة التعقيد أن تتكشف بهدوء وعقلانية بعد أن تحددت بإفراط بواسطة هذين الطوطمين. وكان طرح أقل سؤال أو مساءلة أقل أثر لزواج المثليين يعتبر على الفور وقوفاً "ضد" المساواة أو الحرية، وبالتالي أن المرء "رجعي" أو حتى "كاره للمثليين".

كتبت في ذلك الوقت مقالة في مجلة Le Débat بعنوان "توسعة نطاق المساواة" حذرت فيها من التوقعات الضمنية والعواقب المتوقعة لتوسعة نطاق الزواج حتى يشمل المثليين. لماذا؟

عرضت في تلك المقالة حججاً تتجاوز بشكل كبير قضية هذا القانون بالتحديد: أي المسائل السياسية والقانونية والنفسية لهذا الإصلاح القانوني والتي هي أيضاً موضع مناقشات معمقة بين علماء السياسة والقانونيين والمحللين النفسيين. ما قلته في المقالة بين أمور أخرى هو أن من الخطأ اعتبار المساواة قيمة في حد ذاتها متفقة دوماً مع أي سياق، بينما هي معيار للأخلاق (Etique): معيار من بين معايير أخرى لأن من الممكن بحسب السياق الوصول إلى شعور أخلاقي من خلال معيار الجدارة ومعيار النظام ومعيار الحاجة أو حتى في بعض الحالات معيار الصدفة. ولا يمكن تطبيق معيار المساواة بالتساوي على الحقوق المدنية والحقوق الاجتماعية. من جهتي، لا أعارض زواج المثليين كما يفعل اتجاه في اليمين الكاثوليكي باسم الطبيعة (التي لا يمكنها تأسيس قواعد اجتماعية مقبولة: إذا التزمنا معايير الطبيعة المتعلقة بالنسب، فإن على النساء إنجاب طفل كل سنة بين سن 14 وحتى 50 عاماً)، ولكن باسم حاجات رمزية ومؤسسية لا تجعل منا فقط كائنات من لحم ورغبة، ولكن أيضاً كائنات ذات معنى واسم وجينيالوجيا خاصة - لهذا السبب تم تأسيس الأحوال المدنية. وأعتقد جنباً إلى جنب مع العديد من الآخرين أن ثنائية النسب والفرق بين الجنسين تؤسس رمزياً لعلاقاتنا بالعالم. وهذا لا علاقة له بالأساس الطبيعي للقيم.

تم وصفك بـ"كارهة المثليين" وأصدرت ضدك عريضة عندما حصلت على جائزة "بترارك". كيف تنظرين إلى هذا الشكل من الطائفية؟

بالنسبة إلى هذا الشق من اليسار الطائفي المطبوع بنزعة بورديوزية مفهومة بشكل خاطئ، فإن الخصوم هم أعداء لا ينبغي للمرء أن يناقشهم. في ثقافة اليسار المتطرف، التي يضاف إليها اليوم منع كل ما لا يتطابق مع فكر توفيقي معين - اتجاه جاءنا من الولايات المتحدة، ويشهد انتشاراً متزايداً ومثيراً للقلق. ويتم منع أي تعبير عن الرأي قد يزعج مشاعر "طائفة ما" ولم تعد هذه الرقابة تأتي من الدول بل من الدوائر الفكرية. هذا أمر مثير للقلق للغاية. لحسن الحظ، هناك مفاهيم أكثر ليبرالية وأكثر ذكاءً لحرية التعبير، وحتى في أوساط اليسار ولا بد من الإنصات إليها.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.