تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

مناقشات "بلد الوليد": حين كاد شارل الخامس يوقف "اكتشاف" القارة الأمريكية

بعد حوالي 60 عاماً على انطلاق حملات استكشاف ما سيدعى فيما بعد بالقارة الأمريكية، ستشهد كنيسة القديس غريغوريو الكبرى في مدينة "بلد الوليد" شمال غرب إسبانيا اجتماعاً صاخباً بطلب من الإمبراطور شارل الخامس لمناقشة واقع الغزو الكولونيالي لـ"العالم الجديد" وممارسات الغزاة تقرر على إثره وقف مؤقت لعمليات الغزو بقرار إمبراطوري "رحيم" حتى يتم حل المسائل المعلقة.

إعلان

ضمّ الاجتماع الذي عقد في المدينة، وكانت لا تزال تتمتع بمكانة سياسية كبيرة في الإمبراطورية جنباً إلى جنب مع العاصمة طليطلة، نخبة من كبار رجال الدين المسيحيين برئاسة سالفاتوري رونسيري مبعوث البابا يوليوس الثالث جنباً إلى جنب مع قانونيين ومسؤولين سياسيين لمناقشة مشروعية إخضاع الأمريكيين الأصليين للعمل القسري واستعبادهم وتحويلهم بالقوة إلى الدين المسيحي.

دارت المناقشات حول مسألتين أساسيتين. تعلقت الأولى بتحديد طبيعة "الحق" الذي شرّع المستعمرون الأوروبيون لأنفسهم من خلاله احتلال الأراضي وإخضاع سكانها ومساءلة "المبرر الأخلاقي" الذي كان يقوم على أساس "تحضير" الشعوب الأصلية ووضع حد لأنماط حياة وممارسات كانت سائدة من أبرزها التضحية بالبشر. أما المسألة الثانية، فتعلقت بالعبودية وبقضية المرتبة، وما يتمخض عنها بالضرورة من تعريف دقيق للحقوق والواجبات، التي يمكن منحها لمن أطلق عليهم اسم "الهنود الحمر" بالمقارنة مع المستعمرين البيض.

أما السؤال عما إذا كان السكان الأصليون يمتلكون روحاً من الأساس، فقد كانت ملكة قشتالة الشهيرة إيزابيل قد أجابت عنه يوم نزل كريستوفر كولومبوس على أراضي "العالم الجديد" وأقرت ضرورة معاملتهم معاملة البشر الأحرار، رغم أن الضباط الإسبان كانوا دائماً ما يتجاوزون الأوامر بألف طريقة وطريقة. وكذلك فإن البابا يوليوس الثالث أعلن امتلاك "جميع البشر المعروفين وجميع أولئك الذين سيتم اكتشافهم" للروح. كان من مهام اجتماع "بلد الوليد" إذاً البت في سؤال آخر وإن كان متفرعاً عن سؤال الروح: "إذا كان للسكان الأصليين روح، فهل يستطيعون النجاة بدون أن يتم تعميدهم ويتحولوا إلى المسيحية؟".

واستمرت المجادلات والمناقشات لمدة ستة أسابيع ثم استأنفت في السنة التالية لمدة شهر كامل حتى منتصف نيسان/أبريل 1551، وكان بطلاها المتعارضان هما "مستشار" الإمبراطور الديني خوان جينيس دي سيبولفيدا من جهة والقس الدومينيكاني بارتولوميو دي لاس كاساس أسقف مدينة تشياباس المكسيكية السابق ومؤلف كتاب "تقرير شديد الاختصار حول تدمير الأراضي الهندية" المنشور عام 1552.

كان دي سيبولفيدا مثقفاً مرموقاً ولاهوتياً بارزاً في عصره عرف بدفاعه المستميت والبارع عن استعمار الأمريكيتين كما ناصر أطروحات التحويل القسري للسكان إلى المسيحية وخاصة في كتابيه "تاريخ غزو العالم الجديد" و" Democrates alter" المنشور عام 1544. ويرى دي سيبولفيدا في كتابيه، وفي مجمل أفكاره، أن الهنود كائنات متوحشة خاصة من خلال ممارسات التضحية بالشبر ويشدد على ضرورة أن تجبرهم الإنسانية (ممثلة بالمستعمرين بطبيعة الحال) على الامتناع عن الطقوس والتحول إلى المسيحية لضمان الخلاص. قال دي سيبولفيدا أيضاً أن مصلحة الهنود تتطلب وضعهم تحت وصاية الإسبان لأنهم معرضون لانتهاك قواعد الأخلاق الطبيعية إن حكموا أنفسهم بأنفسهم. فيتوجب إذاً منع أكل لحوم البشر بالقوة إن لزم الأمر والالتزام بإنقاذ المنذور للتضحية وكذلك تسريع التبشير المسيحي.

بالمقابل، درات أطروحة الأسقف دي لاس كاساس في مواجهة خصمه على واقع المعاناة التي ألحقها المستعمرون بـ"الهنود". وهو إذ يؤكد "الطبيعة الصادمة" لممارسات التضحية بالشبر، فإنه يقدمها كذلك كتعاليم نابعة من مشاعر دينية عميقة. لأن ما يقدمه السكان الأصليون إلى معبودهم هو أثمن ما يملكون في دليل على إيمان خالص وطاعة واعية. جدير بالذكر أن لجوء الأسقف دي لاس كاساس إلى هذه المقاربة لطقس القتل البشري المرعب باعتبارها تنفيذاً أميناً لتعاليم دينية مختلفة يمكن أن يعتبر من المحاولات الأولى لتحويل مفهوم "الهمجية" إلى مفهوم نسبي ينطبق على البعض دون غيرهم بحسب الثقافات والمرجعيات الأخلاقية والدينية للمعنيين. إضافة لذلك، فإن التبشير وإنقاذ المنذورين للتضحية ليسا "واجباً" على الإسبان بقدر ما هما "حق" للهنود. ودفع دي لاس كاساس بمبدأ عقلانية الهنود مستشهداً بحضاراتهم الكبيرة وبأن عادات الهنود ليست أكثر قسوة من تلك التي كانت تمارسها حضارات العالم القديم (الرومانية خاصة) أو إسبانيا نفسها في الماضي القريب.

ويمكن القول إن الطرفين خرجا منتصرين من مناقشات "بلد الوليد"، ورغم أن الإمبراطور شارل الخامس كان ميالاً إلى الأخذ برأي دي لاس كاساس إلا أنه اكتفى باتخاذ إجراءات قاسية ضد سوء المعاملة في الأمريكيتين. غير أن المسافة التي تفصل القارة عن البر الأوروبي والبعد عن المركز الإمبراطوري كانا يحولان أوامر الإمبراطور إلى مجرد حبر على ورق ويسمح بالتالي للمستوطنين بتجاهلها وعدم الالتزام بها.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن