ثقافة

سكوت أتران: بين الجهاد والعنصرية البيضاء... أزمة ثقافات وقيم

فليكر (3aref 6ari2o)

هذا نص نشرته جريدة "ليبراسيون" الفرنسية للأنثروبولوجي الفرنسي الأمريكي سكوت أتران Scott Atran، مدير أبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا وأستاذ في جامعتي أوكسفور وميشغان. بعد اهتمام بالتاريخ الطبيعي وأنثروبولوجيا الأديان، يتطرق أتران على وقع الأحداث الدولية أكثر فأكثر إلى قضايا التطرف والعنف. نشر هذا النص بالفرنسية في "ليبراسيون" بعد أن ترجمته عن الإنجليزية جوديت ستراوزر وبعنوان شبيه بالذي اخترناه هنا:

إعلان

بينما كانت تتم عمليات إجلاء آخر المصدومين، كنت في طريقي إلى شارع "رامبلاس" الشهير في برشلونة في الوقت الذي كان فيه "جندي جديد للدولة الإسلامية" قد أطلق عربته لدهس حشود الناس. بعد دقائق معدودة، كان على قريبة لزوجتي اللحاق ببعض أصدقاءها وكنت قد أوصلتها إلى نقطة غير بعيدة عن مكان الاعتداء بالقرب من ساحة كاتالونيا. ومرة أخرى حلّ الرعب والمشهد الذي خبرناه وقت مجزرة الباتاكلان عام 2015 في باريس بالقرب من مسكن ابنتي في ذلك الوقت. جنوباً، على شاطئ البحر، كان خمسة انتحاريين من المجموعة نفسها، مسلحين بالسكاكين ويستقلون سيارة، قد تمكنوا من دهس امرأة قبل أن تتمكن الشرطة من قتلهم. أحدهم، في سن المراهقة، كان قد نشر على الإنترنت قبل عامين مايلي: "أول ما سأفعله حين أصير ملكاً للعالم هو قتل الكفار ولن ينجو إلا المسلمون الذين يطيعون الدين".

رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي أعلن أن "قيمنا وطريقة حياتنا ستنتصر"، وكذلك كان الأمر مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي صرّحت في آذار/مارس الماضي أن "قيمنا ستنتصر" حين عبَر مجرم رخيص آخر بالسيارة جسر وستمنستر وقام بدهس وقتل وجرح المارة. على التلفزيون، كرّر المعلقون تفاهات "القيم المنتصرة" هذه قبلأن يبدؤوا بالتخاصم بسبب أن أحداً منهم لم يكن يعرف سبل وقف هذه الهجمات التي كان يمكن للجميع أن يتوقع وقوعها.

الأسبوع الماضي في شارلوتسفيل، أدى العنف والقتل العشوائي تقريباً الذي ارتكبه داعية لتفوق البيض إلى إرهاب نعرفه بإيلام، فقد قلّدت هذه المجزرة الاعتداءات الأخيرة التي ارتكبها تنظيم "الدولة الإسلامية" في لندن ونيس وبرلين. أستاذ العنصري الأبيض السابق لمادة التاريخ روى أن "شيئاً ما كان قد تملكه (...) كان مفتوناً بالنازية وبأفكار التفوق الأبيض... أعترف بأنني فشلت... ولكن لدينا هنا لحظة غنية بالدروس: يجب أن نكون يقظين حيال ذلك، لأن كل ما يجري يعمل على تمزيق بلادنا". بحديثه عن عنف "الأطراف المختلفة"، قام الرئيس الأمريكي بتمويه مسؤولية أنصار التفوق الأبيض وفوّت فرصة لتهدئة البلاد.

في جميع أنحاء العالم تبدو قيم الديمقراطية الليبرالية والمنفتحة وهي تفقد مزيداً من الأرض في مواجهة قيم الإسلام الراديكالي والقوميات العرقية، ضيقة الصدر والكارهة للأجانب. وبانخراطها في تحالف مضمر، تعمل على تقويض المجتمعات المعاصرة كما فعل الفاشيون والشيوعيون في العشرينات والثلاثينات بتدميرهم القيم الجمهورية.

ما يحدث لا علاقة له بـ"صراع الحضارات" ولكن بانهيار الهياكل والروابط الاجتماعية. فالتطرف العرقي القومي العنيف والإرهاب الجهادي العابر للحدود لا يجسدان انبعاثاً للثقافات التقليدية، بل تفكيكاً لهذه الأخيرة: شباب، منفصلون عن التقاليد القديمة، يصارعون في جميع الاتجاهات بحثاً عن هوية اجتماعية يمكنها أن تحقق لهم المجد وأن تعطي معنى وأهمية لحياتهم. وهذا هو الجانب المظلم للعولمة. يتطرف الأفراد حتى يتمكنوا من إيجاد هوية واضحة في عالم مسطح. في هذا الواقع الجديد، تم استبدال خطوط التواصل العمودية بين الأجيال بروابط نديّة أفقية يمكنها أن تمتد لتشمل جميع أنحاء العالم، على الرغم من أنها تجري في قنوات ضيقة من المعلومات والأفكار. دون وعي عميق ودون توجيه صارم -لا يتعلق الأمر هنا بإنتاج "رواية مضادة" موجهة إلى الجماهير بل بالالتزام والانخراط الشخصي في ما يحصل- نخاطر بإذكاء مشاعر عنيفة على نحو ربما يضر بنا وبآخرين في أماكن أخرى من العالم.

إن الالتزام بالمشاركة في لعبة "الدمار الخلاق" التي تمليها السوق، السوق التي تشجع بدون توقف الابتكار والتغيير، غالباً ما يؤدي إلى أضرر شخصية واجتماعية ثقيلة. وينطبق ذلك بشكل خاص على المجتمعات والبلدان التي يتعين عليها التكيف بسرعة كبيرة والتي ليس لتطلعاتها إلا قليل جداً من الحظ في أن تتحقق. وهناك، حيث طغت مؤسسات جديدة غير مستقرة وفاسدة على القيم الروحية للمجتمعات التقليدية والأديان والثقافات القديمة، يميل عنف تعويضي إلى الظهور من القلق والاغتراب الناتجين عنها.

في كتابه المعنون بالفرنسية "الخوف من الحرية" (العنوان الإنجليزي الأصلي هو The Escape from Freedom)، يرى الفيلسوف الإنسانوي إريك فروم Eric Fromm أن القلق الناتج عما كان كيركيغارد يسميه "دوخة الحرية" والاضطراب الاجتماعي الذي يتسبب به دفع مواطنين كثر إلى تفضيل الأنظمة الاستبدادية، كالنازية والستالينية، على المجهول. ويبدو أن الأبحاث التي يقوم بها فريق الباحثين الذي أقوده حول التطرف بين الشباب تؤكد هذه النظرية. في المجر، لاحظنا تأييداً واسعاً في أوساط الشباب للدعوة التي أطلقتها الحكومة من أجل استعادة "اللحمة الوطنية"، المفقودة منذ سقوط نظام ميكلوش هورتي الفاشي خلال الحرب العالمية الثانية، والقضاء على "القيم الكونية". في العراق، جميع الشباب الذين التقيناهم بعد أن تم تحريرهم من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية" في الموصل، كانوا قد رحبوا في البداية بالتنظيم من أجل الاستقرار والأمن (وحتى من أجل إيقاع العقوبات الوحشية التي يعرف بها) اللذين جلبهما بالتناقض مع الفوضى اللاحقة للغزو الأمريكي للبلاد. في أوروبا الشرقية، يرفض السكان الديمقراطية بصورة متزايدة. الديمقراطية التي ينظر إليها على أنها تنافس بين قيم مختلفة تقسم "الأمة". في الشرق الأوسط، "قانون الله" هو القيمة التي تحافظ على سلامة الفرد بقدر ما تحافظ على سلامة المجتمع. ووفقاً لمشروع World Values Survey المتعلق بدراسة القيم والمعتقدات، فإن غالبية الأوروبيين لا يعتبرون الديمقراطية "ذات أهمية مطلقة"، وفي أبحاثنا في فرنسا وإسبانيا نلاحظ بدلاً من ذلك انعدام إرادة التضحية بأي شيء من أجل الديمقراطية، وعلى العكس من ذلك تتوافر بين المحازبين للجهاد إرادة القتال والتضحية بالحياة.

بهدف عزل الشوفينية وكراهية الأجانب التي أشعلت حربين عالميتين، يحصر العديد من المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام الغربية اهتمامهم بإطلاق تهم "العنصرية" أو "التعصب" ضد القلق الذي يتملك البعض تجاه قضية الهوية الوطنية أو التفضيل الثقافي. بدلاً من ذلك، ينبغي السعي إلى إيجاد بدائل وعدم ترك مهمة الدفاع عن نزعة وطنية صادقة وتفضيل معين في القيم -بما في ذلك القيم الدينية- لجماعات سياسية متطرفة. على العكس، نشهد تعامياً يليق بالنعامة في مواجهة هذه التفضيلات الكونية التي يمتلكها البشر. إن حل هذه الصراعات التي تبدو مستعصية على الحل يتطلب التزاماً حميماً على المدى الطويل من قبل الجميع واستكشاف حدود تسامحه واحترامه. وكما قال لي أحد الأئمة الذي كان يجنّد الجهاديين لصالح تنظيم "الدولة الإسلامية": "نحن لا نحاضر في الشباب الذين جاءوا إلينا كما لو كانوا أطفالاً أغبياء... يجب منحهم رسالة إيجابية". وأضاف الإمام أن هذه الرسالة يجب أن تندرج ضمن إطار ثقافي يلهم الشباب "في أعماق قلوبهم".

ولكن ما هي هذه الرسالة؟ هل سقطت حيواتنا بعد هزيمة الفاشية والشيوعية ضحية سعي مادي للراحة والأمن وتركت لنا بديلاً وحيداً يتمثل في وهم العودة إلى "عصر ذهبي" لم يكن له وجود حقاً والرغبة في امتلاك أساليب حياة غير قابلة للتغير؟ بالنسبة للبعض، ربما تنطوي استعادة الجذوة على إعادة إرساء للقيم في المجتمع: حكومات تمثل الناس ومساواة في المشاركة ومساواة أمام القانون وحرية النقاش. هناك قيم كانت تعتبر في وقت ما "مقدسة" (كما كتب جيفرسون في النسخة الأولى من إعلان استقلال الولايات المتحدة) ولكنها تبدو اليوم مستهلكة ومبتذلة (إذا حكمنا على ذلك من خلال نسب المشاركة في الانتخابات وحالة النقاش العام). يمكن للحفاظ على ما تبقى من حيوانات ونباتات الكوكب وتجنب الكوارث الإيكولوجية أن يعطي اتجاهاً جديداً للآخرين. والجيل القادم، إذا سمحنا له بذلك، قد يقدم طرقاً جديدة تماماً لفهم حياتنا المشتركة وتكريمها وتحسينها، مع مجموعات أكبر وأكثر شمولاً.

ولكن لا وجود لرسالة تواجه المتطرفين في فراغ اجتماعي، وتطفو فقط في فضاء "الإيديولوجية" المجرد. إن أشكال ووسائل رفع مستوى الحساسية هي أمور بالغة الأهمية وتتطلب معرفة حميمة بالطوائف المعرضة للخطر وبمشاركتها. في معظم الأحيان، ينضم الأفراد إلى مجموعة متطرفة عبر الروابط الاجتماعية الموجودة مسبقاً في مدن وأحياء محددة. ويشير هذا التمركز إلى أن التجنيد لا يدين بنجاحه إلى دعوات شخصية موجهة إلى أفراد تصدر عن عناصر التنظيم، ولا إلى التعرض الفردي للشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت (الأمر الذي سيكشف عن نمط توظيف أكثر تشتتاً). على العكس، غالباً ما تندرج في هذا التجنيد مجموعات مختلفة كالعائلة والأصدقاء والمتواجدين في نفس الأماكن (الأحياء والجامعات والسجون). وهذا يدل على أن النهج الأنسب للتعامل مع هذه الظاهرة أكثر ارتباطاً بمشاكل الصحة الاجتماعية العامة من ارتباطه بالجريمة ومشكلاتها. تبين أبحاث أجريناها حول الاعتداءات التي ألهمها تنظيم "الدولة الإسلامية" في أوروبا الغربية أن المحاولات التي يوجهها "داعش" مباشرةً ويقوم بها أفراد لا يرتكزون على أي مشاركة من جانب روابط اجتماعية موجودة مسبقاً قد فشلت في أغلبها. وعلى العكس من ذلك، كلما كانت المشاركة أكبر وأهم (بما في ذلك الدعم الضمني والقانوني الذي يأخذ شكل رفض للتعاون مع قوات الأمن)، كلما نجحت الهجمات في تحقيق أهدافها، كما شهدنا في بلجيكا وفرنسا. إن أبحاثنا الحالية تكشف عن روابط بعيدة ولكن متعددة بين الدوائر الجهادية في برشلونة وبين بقية دول أوروبا الغربية والمغرب والمشرق وما وراءها، وهي روابط تعود إلى ما قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001.

من الضروري للغاية بالنسبة لمسألة رفع الحساسية التركيز على الشباب الذين لا يشكلون الجزء الأكبر ممن يتم تجنيدهم اليوم فحسب بل هم أيضاً مواطنو الغد المستهدفون. وغالباً ما يكون المتطوعون مع تنظيم "القاعدة" و"الدولة الإسلامية" والعديد من الجماعات القومية المتطرفة الأخرى شباباً في مرحلة انتقالية في حياتهم -مهاجرون وطلاب وعاطلون ليسوا مرتبطين عاطفياً. شباب تركوا منازل أهاليهم وهم في مرحلة بحث عن عائلة جديدة وعن أصدقاء وعن رفاق طريق وكذلك عن معنى وأهداف لحيواتهم. لكن ما يحصل في الوقت الراهن، هو النظر إلى الشباب –الرجال على وجه الخصوص (ولكن النساء على نحو متزايد)- باعتبارهم مشكلة يجب تسويتها وليس كقوة خلاقة تتضمن في حد ذاتها وعداً بالخلاص من التطرف العنيف. إن القدرة على فهم ومعالجة الواقع الذي يواجهه الشباب من مختلف المناطق والسياقات ستكون حاسمة لمستقبل الآفة العابرة للحدود التي تدعى التطرف العنيف: يمكنها أن تستمر وأن تشتعل أو أن تتناقص.

عن "ليبراسيون"

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن